الأربعاء , يوليو 24 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / عن الفن أقول…..بقلم أحمد نصر الله

عن الفن أقول…..بقلم أحمد نصر الله

عندما يصير الفن أرجوحة في يد السلطة تحركها يمنة ويسرة حسبما تهب ريح الأهواء أوتطلع شمس المصلحة من الصعب جدا في هذا الوقت الضبابي أن يردد البسطاء أغاني الربيع
أو تسعدهم النكات المبتذلة أو ينفعلوا بقصائد لا تنتمي للكوكب الذي يعيشون عليه
وفي ذلك الصدد يتحدث دكتور زكي نجيب قائلا
(العلم موضوعي والفن ذاتي، والخلط كل الخلط في أن أفسد العلم بأهواء الذات، أو أن أزيف الفن بموضوع يُملى عليه من خارج. وبالعلم المقيّد والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر.) في هذه الحالة
حالة الإملاء الخارجي صعب جدا أن يؤدي الفن الرسالة التي وجد من أجلها
فلا يقيم معوجا ولا يعدل مائلا ولا يسقي روحا متشققة

حين لا يكون الفن لصيقا بالجماهير ، معبرا عن أحلامهم البسيطة و آلامهم الممتدة من المحيط للخليج و معتاشا بهمومهم العادية
فيختنق حين يمرضون و يتفتح الزهر من مساماته إذا أقبلت الضحكة من حناجرهم تزفها ألف فراشة طروب
يأكل مما يأكل العامة منه و يمسح دمعهم بحسرة واحدة و يرفع الأثقال عن كواهلهم بما يختزنه في رئتيه من مراكب لا تعرف المستحيل
قلة من يحملون المفاتيح ، قلة من يعرفون الطريق إلى الشمس
فمتى خلع الفن عنه هذه العباءة يصير أي شئ آخر غير الفن فيمكنك تسميته
هندسة النفاق أو فيزياء التدليس أو كيمياء الدجل

والفن ليس في الغالب أداة تسلية ولا مهرجا يعشق الأطفال حركاته البلهلوانية
يقول إرنست ليفي (ستبدأ الإنسانية بالتحسن عندما نأخذ الفن على محمل الجد كما الفيزياء أو الكيمياء أو المال)
إذن نحن لسنا امام عمل أنساني وجد من أجل سد الفراغ والترفيه
نعم يمكن للفن أن يقوم بهذا الدور الثانوي بكل جدارة واستحقاق
في الأوقات العادية التي يكون للربيع فيها الكلمة العليا وللعصافير الحق في
إصدار الفرامانات وللياسمين الحرية في تقرير مصيره وللحقول الحق في الحديث
عن مصادر الماء
لكن من العبث أن تنحصر وظيفته في أوقات الشدة في تصفيف لحية الملك
مثل أي مهرج يدخل القصر من البوابة الخلفية
فلا يمكن لأي فن من الفنون
ان تمتد جذوره وتتشعب أغصانه بمعزل عن الواقع الذي يحياه العامة ليكون الفن
في صورته الأبهى ما هو إلا إنعكاسا للكون في روح الفنان ونفسه
هكذا تصير البذرة غابة والصفعة حربا تأكل الأخضر واليابس
والياسمينة عيدا لملايين النجمات المشردة
الفن في كينونته ماهو إلاهذه الأهة التي أتخذت
من أضلاع المعذبين متكئا
ومن حناجر العصافير سلما
فلا يمكن أن تتفتق البراعم عن قصيدة
ولا يمكن أن تولد لوحة وتتشكل ألوانها
ولا ينشق البحر عن مقطوعة موسيقية تذهب بلب القمر بعيدا عن مداره
دون أن تشتعل نيران الأحساس بكامل طاقتها وحيويتها
لكن من المستحيل لهذه الشعلة المباركة أن تتقد جذوتها
إذا ألجمتها الخطوط الحمراء بلجامها
أو إذا أذعنت لهذا الليل الذي يشدها من ضفائرها صوب ثقب أسود
الفن إن لم يهزأ من كل القوانين
وإذا لم يتعد كل لافتات التحذير
ما الذي يتبقى من عينيه الصافيتين
لنجد أنفسنا في نهاية المطاف في سوق نخاسة
يعرض فيه البهلونات حيلهم
فلا تعجب إن سمعت أحدهم يقول
يوجد لدينا أيها السادة
قلم للبيع استعمال ملوك
يجيد التفخيم والأضحاك
وفي وقت الفراغ يمكنك
استخدامه كسوط أو مقصلة
ولا تنسوا عرضنا الفريد
فلدينا الأن ريشة للإيجار
نعم ريشة للإيجار يمكنها تصويرك أيها السيد كيفما تحب
يمكنها نقشك على ذاكرة الأولاد الفارس الوحيد
ويمكنها إقحام صورتك في أحلام العذارى بطلا خرافيا
كما يمكنها بكل سهولة
إدخالك المقررات الدراسية
كمحرر للعبيد أو فاتحا وحيدا للبلاد
ايضا هذه ليست آخر ما في جعابنا من مفاجأت
فالأن لدينا بعد طول أنتظار بوق للتسبيح والحمد
نعم كما سمعت
بوقا للتسبيح
جربه على كل الأوضاع واقفا أو قاعدا
قاتلا أو مقتولا
ملاكا أو شيطانا
البوق لديه خاصية التماوج
ويمكن التحول لكلب حراسة
وقت اللزوم
ولأعلى سعر والوسطاء يمتمعنون
لدينا خاصية التتبع الألي للسلطة فحيثما كانت
ندق أوتاد خيامنا
هذا الكوكب سام ياصديقي
قد يكلفك المكوث تحت سمائه ملايين العيون الطيبة
وملايين القصائد الخضراء
يمكننا الأن أن نعي
كيف تمسخ الفطرة
فلا يصير الحق حقا ولا الباطل باطلا
نعم في ظل هذا المرج
هناك حق مضلع وحق مقلم
وأخر منتهي الصلاحية
من أكثرهم خطورة سياسي فاسد
أم فنان مأجور من الأشد فتكا
ألف خطبة لسياسي يمحوها ظل بيت شعر واحد
الفن ضمير الأمة الحي
وفنان دون قضية طاووس فارغ
مهما كان صوته رخيما
مهما كانت ريشته ساحرة
ومهما كانت أنامله ماسية
هو لايغدو عن كونه طاووس فارغ
فبكل مايملكه لايمكنه إقناع حبة رمل مستسلمة لقدرها بوجوب الموت حافية
الفن هو متعة الصراخ الهستيري في الاضرحة وفوق المأذن
صراخ لاتشبع الروح من ترديده
ولا تمل الأذن من سماعه
وتطلب العين الاستحمام بعطره في كل لحظة والعبور من ضوئه للضفة الاخري
هذا الصراخ الذي لايجيده إلا حملة شعلة الجنون والأطفال
الأطفال وحدهم الذين يحملون شعلة الرفض
والتمرد ويصرخون لاتفه الأسباب
يعترضون لأقل شئ كان يقيمون الأرض ولا يقعيدونها إلا إذا تحقق جنونهم بكامل هيئته
والفنان طفل لم تقلم أظافره ولم تتهذب أفكاره ولا يرتضي وصاية من بومة أيا كان شأنها
طفل مشاغب يقول للغول أنت غول للحمار ما أقبحه صوتك
يموت الفنان حين يرضخ لصفعة ترده للخانة الأخيرة
هنا يستحيل ان يبحر الناي من حنجرته
الكثير يسقط في منتصف الطريق
قلة هم من يطلقون على الشمس الملتوية سهام أوجاعهم
ولا يتنازلون حتى يصير عرشها هاويا تحت أقدامهم
إنهم أكثر خلودا من النجوم نفسها
وجعهم هو وجع البشرية كلها
وحزنهم أنهر من الأهات تجري تحت جلودهم
كيف يمكن الفرار من هذا القدر
إنها لذة الغرق فيما تؤمن به حتى مقامات الخلود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.