الأربعاء , يونيو 19 2019
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد الشيخ إمام عيسى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد الشيخ إمام عيسى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 101 لميلاد ” صوت الإحتجاج و التمرُد ” و ” حنجرة اليسار الثورى ” و ” رنين الغضب العربى ” الموسيقار الثورى الكبير ” إمام محمد أحمد عيسى ” الشهير بالشيخ إمام عيسى و الذى يُعد ظاهرة فنية و ثقافية نادرة فى التاريخ العربى فلم يسبق لموسيقى أو مُغنى أن كرّس حياته و فنه للدفاع عن القضايا و عمّا يؤمن به إلى الحد الذى فعله هذا الموسيقار المُبدع الذى كان ممنوعاً من السفر و من الغناء و من الكلام فى مراحل مُختلفة من حياته و لكن لم يكُن بإمكان أى نظام أن يمنعه من الإشتياق و الإبتسام و عِشق الوطن لأنه فنانٌ وطنى ثورى مُلتزم بقضايا وطنه و عروبته و كيف لا و قد خرج بألحانه من الظل إلى النور فى زمن ” النكسة ” مما جعل البعض يُسارع ليربط بين تجربته و تجربة ” فنان الشعب ” سيد درويش بعد أن تبنى اليسار المصرى هذه التجربة الغنائية المُغايرة لما رأى فيها تعبيراً عن طموحاته قبل أن يرفع لواءها عالياً و يجعل منها صوته الأبرز و لم يقتصر ذلك على حُدود الوطن فقط بل امتد لتصل أصداء هذه التجربة إلى لُبنان بعد أن انحاز لها اليسار اللبنانى بحماسٍ مُنقطع النظير ثُم تنتشر بعد ذلك فى الجزائر لتتوغل فى كافة بُلدان العالم العربى دون مُبالغة أو تهويل و الحقُ يُقال أن إمام كان ظاهرة فنية و ثقافية نادرة فى تاريخ الموسيقى العربية قلما يجود الزمان بأمثاله .. ولد إمام فى 2 / 7 / 1918م فى قرية أبو النُمرس بمُحافظة الجيزة لأسرة فقيرة و كان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة ! و أصيب فى السنة الأولى من عُمره بالرمد الحبيبى و فقد بصره بسبب الجهل و إستعمال الوصفات البلدية فى علاج عينه فقضى طفولته فى حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ ” عبد القادر ندا ” رئيس الجمعية الشرعية بابى النمرس و فى إحدى زيارات إمام لحى الغورية قابل مجموعة من أهالى قريته فأقام معهم و إمتهن الإنشاد و تلاوة القرآن الكريم و كسائر أحداث حياته التى شكلتها الصدفة التقى بالشيخ ” درويش الحريرى ” أحد كبار عُلماء المُوسيقى الذى أعجب به بمُجرد سماع صوته و تولى تعليمه الموسيقى و إصطحبه فى جلسات الإنشاد و الطرب فذاع صيته و تعرف على كبار المطربين والمُقرئين أمثال الشيخ ” محمود صبح ” و ” زكريا أحمد ” الذى استعان به الأخير فى حفظ الألحان الجديدة و إكتشاف نُقط الضعف بها حيث كان زكريا أحمد مَلُولاً لا يُحب الحِفظ فإستمر معه إمام طويلاً و كان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها و كان إمام يُفاخر بهذا كثيراً مما جعله يُقرر تعلم العزف على العود و بالفعل تعلم على يد الشيخ ” كامل الحُمصانى ” ثُم بدأ بعد ذلك يُفكر فى التلحين حتى إنه ألف كلِمات و لحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن و تحول لمُغن و إستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية حتى جاء عام 1962م ليلتقى بـ ” أحمد فؤاد نجم ” رفيق دربه و تم التعارف بينهُما عن طريق زميل لابن عم نجم كان جاراً للشيخ إمام فعرض على نجم الذهاب للشيخ إمام و التعرف عليه و بالفعل ذهب نجم لِلقاء الشيخ إمام و أعجب كلاهما بالآخر و بدأت الثنائية بينهما و تأسست شراكة دامت سنوات طويلة و قد تحدّث إمام عن بدايات هذه الشراكة و قال ” فى أوائل الستينات التقينا أحمد فؤاد نجم و أنا و كلانا كان يبحث عن طريقه و كلانا كان مُتململاً من الأغانى المطروحة على الساحة آنذاك لأنها تجارية و لا تقول شيئاً و لا تضيف شيئاً ” و قد انفجرت هذه التجربة بعد هزيمة 1967م و لحّن إمام خلال بضعة سنوات ما يقارب الثلاثماية أغنية من سياسية إلى إجتماعية إلى عاطفية غناها بنفسه باستثناء بضعة ألحان له توزعت على حناجر عدد من المُطربين منهم ” فادية كامل ” و ” محمد رشدى ” و ” لبلبة ” و ” ليلى نظمى ” .. كان الفاجومى أحمد فؤاد نجم يؤكد مراراً و تكراراً بأن الدور المباشر الذى لعبه بأشعاره الثورية لم يكن يتم سوى بفضل عبقرية الشيخ إمام ففى رأى نجم أن الشيخ إمام كان مثل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ! كونه مُغنياً و مُلحناً عظيماً و مُتفرداً ,, و بالفعل فقد ذاع صيت الثنائى و إلتف حولهما المثقفون و الصحفيون خاصة بعد أغنية ” أنا أتوب عن حبك أنا ؟ ” ثم ” عشق الصبايا ” و” ساعة العصارى ” و اتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع ” محمد على ” فكان ثالث ثلاثة كونوا فرقة للتأليف و التلحين و الغناء ساهم فيها العديد لم تقتصر على أشعار نجم فغنت لمجموعة من شعراء عصرها أمثال ” فؤاد قاعود ” و ” سيد حجاب ” و ” نجيب سرور ” و ” توفيق زياد ” و ” نجيب شهاب الدين ” و ” زين العابدين فؤاد ” و ” آدم فتحى ” و ” فرغلى العربى ” و غيرهم و قد كان لحفل نقابة الصحفيين المصرية فى عام 1968م و الذى قدّمه يومها الكاتب الماركسى الكبير ” محمود أمين العالم ” الأثر الكبير فى شُهرة الشيخ إمام بين الشباب حيث بدأ الكاتب الكبير تقديمه له بتلك الكلمات ” هذا فنان كبير حقاً موهبة نادرة و أخشى أن يبقى بيننا هكذا حديثاً بين أصدقاء تعليقات فى صُحف لقاء فى دعوات خاصة تستمع إليه حلقات صغيرة من الناس ثم يأتى يوم يسألنا فيه مُجتمعنا بضمير الواجب ماذا فعلتم بألحان الشيخ إمام ؟ لماذا لم تُسجلوا أغانيه ؟! لماذا لم توزّع و تُقدّم للناس جميعاً ؟! أخشى أن يأتى يوم نقول فيه كان بيننا سيد درويش جديد لكننا لم نُحسن استقباله و لم نُحسن الإحتفال به ” و قد سطع نجم الشيخ إمام فى السنوات التالية لهذا الحفل و اكتشفه بعد ذلك الجُمهور العريض من خلال الأغنية التى رافقت مُقدمة فيلم يوسف شاهين الشهير ” العُصفور ” مصر ياما يا بهية ” و بحسب الرواية الشائعة فقد سمع لطفى الخولى فى المعتقل هذه الأغنية و كتب من وحيها قصة ” العُصفور” و عندما قرأها يوسف شاهين عزم على إخراجها سينمائياً و استخدم الأغنية فى الفيلم و يروى مؤلف الأغنية أنه تقاضى هو و الشيخ امام و عازف الإيقاع محمد على ” كُل على حِدا ” مبلغ ثلاثين جنيهاً ! فقط ثمناً لهذه الأغنية عند تسجيلها للفيلم إضافة إلى ثلاث بذات قديمة ! قدمها لهم يوسف شاهين و هو ماسخر منه أحمد فؤاد نجم فى إحدى لقاءاته الفضائية حيثُ صرح ” إحنا كُنا قاعدين و لقينا يوسف شاهين دخل علينا فجأة و شايل بِدل قديمة و قعد يرميها على كُل واحد فينا و يقوله ( دى حاتيجى على مقاسك ) ! و بعد ماخلص رمى البدل قولتله و أنا باتمسخر ” طب مافيش قُمصان و جزم للبِدل دى بالمرة و لا حانلبسها أورديحى كده ؟! ” راح باصصلى بحِدة و قالى ( شد حيلك إنت و اللى معاك و ورونا الروائع بتاعتكم عشان المرة الجاية تاخدوا قُمصان و جزم مع البِدل ) ! .. زلزلت هزيمة حرب يونيو 1967م إمام و سادت نغمة السُخرية و الانهزامية بعض أغانى إمام مثل “ الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يامحلى رجعة ضُباطنا من خط النار “ و انتشرت قصائد نجم التى لحنها و غناها الشيخ إمام كالنار فى الهشيم داخل و خارج مصر فكثر عنها الكلام و اختلف حولها الناس بين مؤيدٍ و مُعارض و استوعبت الدولة بدايةً الشيخ و فتحت لهم أبواب الإذاعة و التليفزيون لكن سُرعان ما تبدل الحال و انقلبت الموازين عندما قام إمام بالهُجوم فى أغانيه على الأحكام التى برّأت المسؤولين عن هزيمة 1967م فصارت أغانيه مُلهمةً للملايين فى مصر و خارجها ليتم القبض عليه هو و نجم فى عام 1969م ليُحاكما بتُهمة تعاطى الحشيش و برغم أن القاضى قد أطلق سراحهما إلا أن الأمن ظلّ يُلاحقهما و يُسجّل أغانيهم حتى حُكم عليهما بالسجن المؤبد ليكون إمام أول سجين بسبب الغناء فى تاريخ الثقافة العربية ليقضى مع نجم الفترة من هزيمة يوليو حتى نصر أكتوبر و هُم يتنقلان من سجنٍ إلى آخر و من مُعتقلٍ إلى آخر و كان يغنّى و هو ذاهبٌ إلى المُعتقلات اغنيته المشهورة ” شيد قصورك ” حيثُ كتب نجم هذه القصيدة فى سجن القناطر و سرعان ما أصبحت من أشهر أغانى الغاضبين فى كل المُظاهرات ضد السُلطة منذ ذلك الوقت و تمّ الافراج عن الثنائى بعد موت جمال عبد الناصر فخرجا من السجن ليجدا روحاً جديدةً تدبّ فى مصر التى انشغل فيها الشباب بالقضايا الوطنية لهذا خرجت الأغاني مفعمةً بالأمل و غنى إمام بين الطلاب المُتظاهرين فى جامعه القاهرة ( رجعوا التلامذة ) و ( مصر يامه يا بهية ) و هو ما عرّضهما للإعتقال مرةً أخرى و لم يخرُجا إلا بعد حرب اكتوبر 1973م و لكن ظلت وتيرة الشد و الجذب بينهُما و بين السُلطة الحاكمة و التى بلغت ذُروتها عقب عقد مُعاهدة كامب ديفيد و اغتيل السادات و جاء مُبارك ليظل الشيخ إمام ممنوعٌ من السفر حتى عام 1984م ! و بدأ عندها بتلقى الدعوات الكثيرة من مُختلف بُلدان العالم فقام بإحياء عدة حفلاتٍ فى باريس بعدما تلقى دعوةً من وزارة الثقافة الفرنسية و حظيت تلك الحفلات بإقبالٍ جماهيريٍ واسعٍ و بدأ فى السفر حول الدول العربية و الأوروبية لإقامة الحفلات الغنائية التى لم تزد نجاحه إلا نجاحاً و كان إمام دائماً بُلبُلاً يصدح بالنهضة و الثورة و منبراً لحركات التحرُر العربية و العالمية حتى أنه شارك فى المؤتمر العالمى للشبيبة فى موسكو .. فى مُنتصف التسعينيات من القرن الماضى و بعد قطيعة كبيرة حدثت بين إمام و بين رفيق عُمره نجم ! تخللتها زيارة الأول للجزائر و مكوثه بها قُرابة العشرة سنوات آثر بعدها الشيخ إمام الذى جاوز السبعين العُزلة و الإعتكاف فى حُجرته المُتواضعة بحى الغورية و لم يعد يظهر فى الكثير من المُناسبات كالسابق حتى توفى فى هدوء فى 7 / 6 / 1995م عن عُمرٍ يُناهز الـ 77 عاماً تاركاً ورائه أعمالاً فنية نادرة من آغانى لا تُؤدّى بالحناجر و إنّما تُؤدّى من الأحشاء لأن كلِماتها و ألحانها لها نبضها الخاص فالشيخ إمام ليس رمزاً ثورياً فقط ففى أغانيه بُعداً احتفالياً و احتفاءاً كبيراً بالحياة و كيف لا وهو الذى وضع موعداً أسبوعياً للسهر مع مجموعة من الفنانين من بينهم محمد منير و محرّم فؤاد و عادل إمام و فاروق الشرنوبى الذى تتلمذ على يده و آخرون مازالوا و سيظلوا يذكرون إمام الضحوك و إمام المُقاوم .. رحم الله الشيخ إمام و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: