الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نجيب الريحانى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نجيب الريحانى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 70 لرحيل ” ناظر مدرسة الكوميديا السوداء ” و ” زعيم المسرح الفُكاهى ” و  ” الضاحك الباكى ” و ” كِشكش بيه ” الفنان العِملاق ” نجيب إلياس ريحانة ” الشهير بنجيب الريحانى و الذى يُعد أحد أبرز رُوَّاد المسرح و السينما فى الوطن العربى عُموماً و مصر خُصوصاً و من أشهر الكوميديين فى تاريخ الفُنون المرئيَّة العربيَّة و استطاع أن يترك بصمةً كبيرةً على المسرح العربى و السينما العربيَّة حتَّى لُقِّب بِزعيم المسرح الفُكاهى فى مصر و سائر الوطن العربى و ساهم بشكلٍ كبير فى تطوير المسرح و الفن الكوميدى فى مصر و ربطه بالواقع و الحياة اليوميَّة فى البلاد بعد أن كان شديد التقليد للمسارح الأوروپيَّة و كان الريحانى دائماً يُنادى بـ « عايزين مسرح مصرى ,, مسرح ابن بلد فيه ريحة الفول و الطعميَّة و طشة المُلوخيَّة مش ريحة البطاطس المسلوقة و البُفتيك و اللحمة المشوية ! ,, عايزين مسرح نتكلَّم عليه اللُغة إللى بيفهمها الفلَّاح و العامل و رجل الشارع و نُقدِّم لهُ إللى بيحب يسمعهُ و يشوفه » كما أضحى لِلريحانى و أُسلوبه التمثيلى تأثيراً على العديد من المُمثلين اللاحقين له على رأسهِم ” فُؤاد المُهندس ” الذى اعترف بتأثير أُسلوب الريحانى عليه و على منهجه التمثيلى و قد أدَّى دور الريحانى عدَّة مُمثلين فى عدَّة مُسلسلات تليفزيونيَّة تحدثت عن بدايات الفن المسرحى و السينمائى فى مصر و الوطن العربى و بالرغم أن الريحانى قد عاش حياة قصيرة قدم خلالها أعمالاً مسرحية و سينمائية توجته ملكاً على عرش الكوميديا إلا أن نهايته كانت فصلاً تراجيدياً مأساوياً بمعنى و حق الكلمة ! .. وُلد الريحانى فى 21 / 1 / 1889م فى حى باب الشعرية بمُحافظة القاهرة لأبٍ من أصل موصلى عراقى كلدانى مسيحى يعمل بتجارة الخيل استقر به الحال فى القاهرة ليتزوج سيدة مصرية قبطية تُدعى ” لطيفة ” أنجب منها نجيب الذى نشأ فى هذا الحى الشعبى و عاشر الطبقة الشعبية البسيطة و الفقيرة و تلقَّى تعليمه فى مدرسة الفرير الفرنسيَّة بالقاهرة و فيها تجلَّت موهبته التمثيليَّة المُبكرة فانضمَّ إلى فريق التمثيل المدرسى و إشتهر بين مُعلميه بقُدرته على إلقاء الشعر العربى حيثُ كان من أشد المُعجبين بالمُتنبى و أبو العلاء المعرِّى كما أحب الأعمال الأدبيَّة و المسرحيَّة الفرنسيَّة و حينما كان‏ ‏نجيب‏ ‏على‏ ‏أعتاب‏ الحصول ‏نهائى ‏البكالوريا‏‏ ‏تركها‏ ‏بوفاة‏ ‏أبيه‏ ! لعدم وجود مورد للأسرة و بدأ‏ ‏يبحث‏ ‏عن‏ ‏وظيفة‏ ‏حتى‏ ‏التحق‏ ‏بوظيفة‏ ‏كاتب‏ ‏حسابات‏ ‏فى‏ ‏البنك‏ ‏الزراعى و التقى‏ ‏هُناك‏ ‏بالفنان‏ ” ‏عزيز‏ ‏عيد “‏و كان‏ ‏عيد قد‏ ‏أنهى‏ ‏دراسته‏ ‏فى‏ ‏جامعة‏ ‏لبنان‏ ‏و شاهد‏ ‏الفن‏ ‏فى‏ ‏المسرح‏ ‏الفرنسى ‏علاوة‏ ‏على‏ ‏أفكاره‏ ‏المُتقدمة‏ ‏فكان‏ ‏معروفا‏ً ‏فى ‏الأوساط‏ ‏الفنية‏ ‏فى‏ ‏مصر‏ ‏و بسبب‏ ‏ميل‏ ‏نجيب‏ ‏الفطرى‏ ‏إلى‏ ‏الفن‏ ‏وجد‏ ‏ضالته‏ ‏المنشودة‏ ‏فى ‏زميله‏ ‏عزيز‏ ‏عيد‏ ‏و انضم‏ ‏إلى‏ ‏فرقته‏ ‏و استيقظ‏ ‏الفن‏ ‏فى‏ ‏عُروقه‏ ‏و تفتحت‏ ‏الموهبة‏ ‏و اضطره‏ ‏هذا‏ ‏إلى ‏السهر‏ ‏و التأخر‏ ‏فى‏ ‏النوم‏ و الغياب‏ ‏عن‏ ‏العمل‏ ‏و كانت‏ ‏النتيجة‏‏ ‏فصله‏ ‏من‏ ‏البنك و بدأت رحلته الثانية فى إيجاد عمل حتى إستطاع أن يعمل مُوظفاً بسيطاً فى صعيد مصر حيث التحق بوظيفة كاتب حسابات بشركة السُكر بنجع حمادى بصعيد مِصر و كان يتقاضى مبلغ ستة جنيهات شهرياً مما جعله يتقدم بإستقالته بعد عامٍ واحدٍ فقط من إلتحاقه بتلك الوظيفة و يعود إلى القاهرة ليس لضعف راتبها فقط بل لأنها أيضاً لم تكُن تُناسب طموحه الرافض للوظيفة الروتينية المُملة و ظل بلا عمل قُرابة الـ 6 أشهر تخللتها تسكُع على المقاهى و البارات بشارع عماد الدين حتى التقى بشخص يُدعى ” محمد سعيد ” بأحد الملاهى الليلية حيثُ عرض عليه إنشاء فرقة مسرحية لتقديم إسكتشات خفيفة و وافق الريحانى و قام بتلك الإسكاتشات حتى يستطيع الإنفاق على تكاليف المعيشة و ظل كذلك حتى إلتقى ذات مرة بالصُدفة مع صديق عُمره ” بديع خيرى ” فقرر ترك تقديمه للإسكاتشات التى لم تكُن تُناسب طموحه الفنى على الإطلاق و أسس مع بديع فرقةً مسرحيَّة عملت على نقل الكثير من المسرحيات الكوميديَّة الفرنسيَّة إلى اللُغة العربيَّة و عُرضت على مُختلف المسارح فى مصر و أرجاء واسعة من الوطن العربى قبل أن يُحوَّل قسمٌ منها إلى أفلامٍ سينمائيَّة مع بداية الإنتاج السينمائى فى مصر و آضاف لها عدد من المسرحيات الهامة و شارك عدد كبير من النجوم أبرزهم ” ليلي مراد ” و” أنور وجدى ” و” يوسف وهبى ” و” محمود المليجى ” و” فريد شوقى “.. تزوَّج الريحانى امرأةً لُبنانيَّة تُدعى بديعة مصابنى تعرَّف إليها أثناء إحدى عُروضه فى لُبنان و إصطحبها معهُ إلى مصر حيثُ افتتحت ملهىً خاصاً بها اشتهر باسم ” كازينو بديعة ” ثم أسست فرقتها المسرحيَّة الخاصَّة كذلك التى عُرفت باسم « فرقة بديعة مصابنى ” و التى إكتشفت العديد من المواهب التمثيليَّة فى مصر و لكنه إنفصل عنها ” بديعة مصابنى ” فى وقتٍ لاحق ليتزوَّج بامرأةٍ ألمانيَّة هى” لوسى دى فرناى” و أنجب منها ابنته الوحيدة و كان الريحانى قد دَوَنَ مُذكراته عام 1946م و نُشرت بعد رحيله بعشرِ سنوات كاملة و قد كتبها بلُغة سينمائية قادرة على رصد التفاصيل و رسم المشهد الكُلى و لم يرصُد فيها محطات نجاحه فقط و إنما توقف كثيراً أمام لحظات الإخفاق و التعثُر التى إفْتَخرَ و اعتزَ بها كثيراً لأنها من وجهة نظرة لولاها ماتحقق له هذا النجاح الباهر إذا كانت إخفاقات و عثرات زادت من شدة إصراره على التحدى لتحقيق النجاح و هى مُذكرات تُقربنا كثيراً من ملامح وجهه الضاحك الباكى لنتعرف أكثر على وجهه الكوميدى و وجهه الدرامى و وجهه الوطنى الثورى بالإضافة إلى أبرز وأهم وجوهه على اٌلإطلاق و هو وجهه الإنسان مُرهف الحس الكامن بداخله و كان من ضمن مادونه فى هذه المُذكرات واصفًا إقالته من البنك الزراعى بِصعيد مصر بِسبب تغيُّبه المُتكرر بِدافع حُبه للمسرح « وَ لَم تَجِد إِدَارَةُ البَنكِ إِزَاءَ غِيابى المُتكرر إلَّا أن تًسْتَغنِى عَن عَمَلِى وَ أى عَمَلٍ يَا حَسْرَة ؟! و هُوَّ أَنَا كُنت بَاشْتَغَل غير رُبع ساعة فى اليوم كُلة ؟! يلا فستين داهية » .. قام الريحانى ببطولة 6 أفلام فى السينما هى ” أحمر شفايف ” و” أبو حلموس ” و” لعبة الست ” و” سى عُمر ” و ” سلامة فى خير ” و ” غزل البنات ” كما ترك بصمة كبيرة فى المسرح المصرى و العربى و لُقب بزعيم المسرح الفُكاهى و مثل حوالى 400 مسرحية كان مُعظمها من تأليف رفيق عُمرة الشاعر الغنائى الكبير بديع خيرى كان أبرزها ” إلا خمسة ” ” لو كُنت حليوة ” و ” 30 يوم فى السجن ” و ” الدلوعة ” و ” حسن و مُرقص و كوهين ” .. أُصيب الريحانى فى آواخر أيَّامه بِمرض التيفود الذى أثَّر سلباً على صحَّة رئتيه و قلبه حتى تُوفى فى المُستشفى اليُونانى بِحى العبَّاسيَّة بِالقاهرة عن عُمر ناهز ال 60 عاماً و لم يكن قد إختتم تصوير آخر أفلامه ألا و هو “غزل البنات ” ُو أكد أحد الأطباء أن وفاة الريحانى جاءت بسبب إهمال مُمرضته فى المُستشفى اليونانى بعدما قامت بإعطائه جُرعة زائدة من عقار ” الاكرومايسين ” و كثُرت الأقاويل أن الحادثة مُدبرة لشدة تهكُم الريحانى على ملك البلاد فاروق و نعته له بـ ” إبن بسلامتها نازلى ” فى العديد من جلساته الخاصة و لكن كُلها مُجرد أقاويل غير مؤكدة .. يقول عنه الأديب ( يحيى حقى ) فى كتاب له عن الريحانى ” أنه كان من الأجانب الذين أكرمت مصر وفادتهم حق التكريم و أكرم هو مصر بمدرسته الجديدة فى الكوميديا و التى كانت غريبة على المُجتمع المصرى و هى إستخراج الضحك من شدة البُكاء ” و قال عنه عملاق المسرح المصرى و العربى يوسف بك وهبى ” الريحانى كان حالة نادرة فى تاريخ الفن المصرى و هو مدرسة فريدة من نوعها فهو الوحيد الذى كان يُبكينى فى بداية العمل من قسوة مليودرامته و تراجيديته ثُم يُضحكنى فى نهايته من شدة سُخريته من تلك المليودراما و التراجيديا ” ! .. و مات الريحانى الذى لم يكُن يعرفُ إلَّا الصراحه فى زمن نفاق نُظرائه من الفنانين لملك البلاد و رحل من لم يكُن يعرف إلَّا البحبوحة فى زمن البُخل و الشُّح ! و رحل الضاحك الباكى جسداً و لكنه ظل و سيظل عملاقاً بروحه و بفنه و بخفة ظله و ببساطته فى الأداء التى جعلته ملكاً مُتوجاً على عرش الكوميديا بصفة عامة و الكوميديا السوداء على وجه الخصوص حتى يومنا هذا و إلى يوم يُبعثون .. رحم اللهُ نجيب الريحانى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: