الثلاثاء , يونيو 25 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / يوميات رمضان” ٢٠ “…..بقلم وليد العايش

يوميات رمضان” ٢٠ “…..بقلم وليد العايش

– جهجه الفجر يابني … أبوك سبقك إلى الحقل …
ترنحت كثيرا في فراشي المهترئ، تقلبت يمنة ويسرى، نظرت بطرف عيني إلى النافذة، فعلا كان النور قد بدأ يلد من رحم العتمة .
– لابد أن أدع فراشي … قلت …
– حاضر يا أمي … ولكن هل استيقظ أخي خالد ؟ …
– أخوك مريض … حرارته مرتفعة … هيا لا تتأخر أكثر … لابد أن ننهي حصاد الحقل .
لم انتظر كثيرا كي أغادر مضجعي، قذفت وجهي ببعض الماء، ارتديت ملابس الحصاد، ثم امتشقت منجلي الصغير الذي كان يشبهني، توجهت إلى أبي .
خطواتي تتبعثر كما أوراق الخريف، صياح الديك يدغدغ أذني، ترانيم الأمل تنبعث من بعيد، هناك يقبع المسجد الطيني القديم، المياه تنساب في الساقية دون خوف .
– أهلا بك يا ولدي … هيا ساعدني … نريد أن ننتهي من حصاد الحقل … كرر والدي ماقالته أمي قبل قليل .
من بعيد تصل لتوها رائحة خبز التنور، بينما بدأت في عملي وأنا نصف نائم .
كان المنجل حادا أكثر مما يجب، تتناثر خلفي بعض سنابل القمح، لم اكترث لها بل استمريت في الحصاد .
– بعد قليل ستأتي أمك مع بعض الطعام، وإبريق الشاي …
لم أجب على ماقاله أبي، كانت صورة أخرى تلهو في ذاكرتي العرجاء !!! …
أطل جارنا أبو خزامى من بعيد، يحمل منجله الكبير أيضا، لا بد أنه جاء لمساعدتنا في هذا الصباح .
– يا صباح الخيرات يا أبو خالد …
– طاب صباحك يا أبو خزامى … نورتنا والله …
أصبحت السنابل تفر أمامنا كما لص هارب من جريمته، كانت تخشى صليل المناجل التي تكاثرت .
– لقد تأخرت أمي … أليس كذلك يا أبي …
– نعم أظنها تأخرت علينا اليوم ، ربما تطعم الدجاج قبل أن تأتي … صمت برهة …
– على كل حال اذهب واستعجلها يابني …
رميت بالمنجل على حافة كوم سنابل وانطلقت صوب البيت، كنت أشعر بانقباض ما في صدري، لم أعره اهتماما، لهوت قليلا مع مياه الساقية ثم عاودت المسير .
سكون غريب يلف المكان، أخي مازال نائما، رائحة الخبز كانت تمتزج بنكهة حريق ما، أمي تلتحف الأرض، عيناها جاحظتان صوبي .
– يا إلهي … أأأأأبي … تعال … تعال … ربما يومها زلزل صوتي شتات الأرض كلها .
حملها والدي وهو يصرخ في وجهي :
– أحضر السيارة بسرعة يا ولد …
نظر جارنا أبو خزامى إلى أمي المحمولة على ذراعي والدي، ونظر إلى التنور : ( لقد احترق الخبز ) …
كتبت في مذكراتي بعد خمس سنوات : ( أكره التنور ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: