الفاشوش!

كتب :مصطفي شريف

اشتهر كتاب “الفاشوش فى أحكام وحكايات قراقوش”، لابن مماتى والذى عمل فى ظل حكم الايوبيين وبالقرب من بهاء الدين قراقوش، وكتب كتابه هذا، . وفى تقديمه للكتاب يذكر الدكتور خالد أبوالليل : “حيث أخذ المحقق على عاتقه رفع الظلم والغبن البحثى والتاريخى الذى طال قراقوش”. ومن هذا المنطلق أخذ المحقق على عاتقه توضيح بعض الحقائق التاريخية حول قراقوش، مع عمل مقاربة تاريخية اجتماعية مع واقع المصريين، والهدف من الكتاب بالأساس هو رفع الظلم الذى لحق بكتاب الفاشوش، والذى أصبح سىء السمعة، بسبب التناول الخاطىء له، وإخضاعه لتفسير الأخلاقي ونزع سياقة التاريخى والاجتماعى، وتناوله على أساس أنه تلفيق وكذب لحق بالشخصية التاريخية، وهذا فى بعضه صحيح لاشك، لكن الجديد فى هذا الكتاب هو التناول الشعبى للمخطوط وعدم امتهانه بالحذفه والتبديل.
هذا النص تم تحقيقه ثلاث مرات، الأولى كانت لعبداللطيف حمزة، فى هذا التحقيق تم الاعتماد على نسختين فقط، وهذا رغم درايته بوجود العديد من النسخ، وفى هذا التحقيق اعتمد حمزة على بحث سابق للمستشرق كازنوفا، وقام ايضا بحذف بعض الحكايات وتبديل بعض الألفاظ التى يراها فاحشة. التحقيق الثانى كان لأحمد خليل الشيال، لم يعتمد على المخطوطات من الأساس على مايبدو اعتمد على نقل الحكايات من كتاب النوادر الشعبية لأحمد إبراهيم شعلان، والتحقيق الثالث لمصطفى وهبة وهو شبيه بكتاب عبداللطيف حمزة؛ وفى هذا كله يعتبر الدكتور عمرو منير، إن هذه المحاولات تنم عن عدم التقدير الكافى للنص المحقق.
ويؤكد د.عمرو منير فى تحقيقة للكتاب أن قراقوش أصبح رمز فى المخيلة الشعبية ويتم عمل إسقاط سياسي واجتماعي عليه، ويتم تأويل كل الحكايات والظلم فى عصر من العصور على حال قراقوش، وهذا ما فعله “السيوطى”، حيث أورد حكايات منسوبة للفاشوش ولكنها هو إسقاط على عصر السيوطى نفسه، وهو يلجأ للحيلة هنا هربا من اى أذى قد يلحق به، وهو حال الكثير على مر العصور، وخاصة الذى يتعرض لأى مضايقة أو أذى بدنى أو معنوى، وهنا يستدعى السيوطى هذا الحكايات، والتى تمثل فى الواقع انعكاس للظلم وصورة فى كل عصر، مما يستدعى النظر بدراسة تلك الحكايات فى نطاقها التاريخى وانعكاسها الشعبى على حياة الناس. فمن خلال السرد يختلط الواقعى بالمتخيل، فهنا تم تجريد الشخصية الواقعية وتحويلها إلى الشخصية الرمزية المعبرة عن السلطة. فهنا تحولت حكايات الفاشوش إلى “ملكية عامة، يضيف إليه العامه والخاصة والنابهون فى التأليف أو التلفيق روايات “، وهذا ما فعله السيوطى فى نقل الحكايات، وفى النقل تختلف الرواية والألفاظ.
يذكر السيوطى انه فى عصره كان يتم سؤاله عن “قراقوش” هل هو شخصية حقيقة أم وهمية، مما يوحى باسطورية الشخصية وهو ما تحاول الدراسة الوصول اليه.
– الحكايات فى الفاشوش تتم على منوال واحد، فهناك الوزير أو القاضى، تعرض عليه قضايا من أشخاص مختلفون، ويصدر الحكم الذى يثير السخرية والسخط، وفيها تجد الخلط والصراع بين السلطة والناس، والعدل والظلم، ولكن الأبرز هو المعقول واللامعقول، وهذا ما نجده مثلا فى الحكاية الأولى، كان بهاء الدين قراقوش، خصى ابيض ترجع أصوله لارمينيا، وترجع الحكايات الشعبية، كرهه للسود وبغضه لهم، ويأتى ذلك على إسقاط حرب قراقوش مع طائفة السودانيين ونزع كل نفوذ لهم، والصراع بين السودانيين والاتراك قديم منذ عهد أم المستنصر، فتاتى الحكاية الأولى : الجارية البيضاء، توضح مبلغ هذا البغض، وفيها تأتى امرأة سوداء تشكو جاريتها التركية البيضاء، بسبب عد آدابها، فينظر القاضى – الوزير قراقوش فى المخيلة الشعبية – إلى بياض الجارية التركية، فيكون حكمه أن تكون السوداء هى الجارية والتركية البيضاء هى سيدتها ويحق لها بيعها أو عتقها أن أرادت!
فترد عليه السوداء : ما أنصفت ياوزير!
فقال: هكذا يكون الإنصاف، ما انا مجنون ولا مدهوش، انصرفى عنى يا سوداء يا قبيحة المنظر، لا خير فى الأسود ولو كان فى المسك والعسل.
وبعدها أخذت السوداء تتعطف التركية: اعتقينى لوجه الله تعالى. وفى نهاية الحكاية يتم عتق السوداء.
توضح الحكاية كيف يتم قلب الحق بالباطل، ومنه إسقاط على حادثة تاريخية حدثت بالفعل من الأمير قراقوش.
– يعتبر المحقق البطل الحقيقى للحكايات هو ابن مماتى مؤلف الحكايات، تحت حكم الايوبيين، نال الشاعر المصري الاسعد بن مماتى، مكانة كبيرة، حتى أنه اسند إليه مباشرة “ديوان الجيش الصالحى”، فكان احتكاكه بقراقوش حتمى، وبطبيعة قراقوش الصارمة فى تنفيذ أوامر ساداته، وقسوته فى تنفيذ المشروعات الهندسية الكبيرة بالسخرة، وتعامله الجاف مع العلماء وعدم تقديره لهم ومنهم ابن مماتى، فتم استحضاره ليمثل رمزا للقسوة والجهل بأحوال العامة، واتبع ابن مماتى منهج “كليلة ودمنه” فى نقده اللاذع للأوضاع الحادثة بعد تصفية الدولة الفاطمية. وفى عصر مثل هذا وظهور طائفة جديدة تتسيد البلد ويصبح الأسياد عبيد، ففى سبيل ذلك تظهر مظالم بطبيعة الحال، بسبب تتبع فلول النظام السابق من قبل قراقوش متولى محو آثار الدولة الفاطمية.
وبسبب هذا تعرض ابن مماتى للهجوم والسب واتهامه بالجهل والكذب والتلفيق فى حق المقدس قراقوش على حد قول المحقق. ويكون هذا الهجوم تعظيم لقراقوش وتعزيز بطولته، ولكن “تبقى الحكاية الشعبية التى تكون أصدق من التاريخ”.
– يقدم هذا التحقيق والدراسة ” أحد أهم إبداعات التراث الشعبى المصرى، كونه وثيقة تأريخية مهمة”، فهو يقدم وصف للعادات الشعبية، وما كان عليه حال المصريين فى عصر كتابة الحكايات، فمن هذا النص يمكن عمل وصف دقيق للحياة الإجتماعية، وتحليل التصرفات الواردة بها يمكن الحصول على بعض التساؤلات التى تثير النقاش، وهو فى رأيى ما أراده المحقق.
– بذل المحقق جهد غير عادى فى دراسته وتحقيقة، ويتبع كعادته فى البحث عن غير المألوف، والذى يأنف البعض من التطرق إليه، وهو جهد يحمد عليه. ولكن كان عليه توسيع دراسته بشكل أكبر وتحليل ظواهر الحكايات ورسم صور لعصرها، ولكن يكفيه انه فتح الباب لمن يطرق.
الكتاب: الفاشوش فى أحكام وحكايات قراقوش / للاسعد بن مماتى برواية الحافظ جلال الدين السيوطي.
دراسة وتحقيق : د.عمرو عبدالعزيز منير.
الكتاب صادر عن عين للدراسات والبحوث / طبعة 2016م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: