الرئيسية / رؤى ومقالات / د.حسن حنفي يكتب ….أيها التنوير .. كم من الجرائم ترتكب باسمك!

د.حسن حنفي يكتب ….أيها التنوير .. كم من الجرائم ترتكب باسمك!

عبارة قالها فولتير عن الحرية، عندما رأى سوء استخدامها. وهو ما يحدث الآن مع لفظ التنوير الذى يُساء استخدامه، ويكثر استعماله. فلا يوجد مقال أو صفحة فى جريدة إلا وهناك حديث عن التنوير حتى من أشد الناس ظلاما.

وأول من استعمل اللفظ هم المفكرون الأحرار فى فرنسا قبل الثورة الفرنسية، فولتير، مونتسكيو، روسو، دالمير، وفلاسفة دائرة المعارف. والترجمة الحرفية «الأنوار» Lumières. وهو ما يقيد استعماله. وترجمه الألمان بلفظ Aufklrung وكانوا يشيرون إلى الهيجليين الشبان أو اليسار الهيجلى. وترجمه المفكرون البريطانيون بلفظ Enlightenment وهو أقرب إلى اللفظ الفرنسى. ويستعمل أيضا عندنا عند أصحاب الثقافة البريطانية والأمريكية. وقد كان هو العنصر المركزى للمفكرين الأحرار الفرنسيين قبل الثورة. فهو الذى أنجبها. وعندما استعمل بعد الثورة كان لتبرير الثورة المضادة المعادية للثورة. وهو ما بينه ماركوز فى «العقل والثورة». العقل قبل الثورة تنتصر. وبعد الثورة يفشل لأن العقل يستخدم حينئذ لتبرير الوضع الجديد، ثورة أم ثورة مضادة؟

وقد كتب كانط مقاله الشهير «ما التنوير؟» حتى لا يحدث الخلط فى فهمه أو استعماله كما هو الحال الآن. فالتنوير هو الاعتماد على العقل فى الفهم والسلوك، لا على الانفعالات أو الأهواء. وهو ما بدأه ديكارت فى بداية العصر الحديث اعتمادا على العقل البديهى. ثم استمر فيه كانط فى العقل النظرى والعقل العملى، والعقلى الغائى أو الجمالى. ثم أكمله هيجل فى العقل التاريخى، العقل الكلى الشامل.

أما نحن، فنستعمل التنوير ضد الخصوم السياسيين الذين هم: ظلاميون، تكفيريون، متأسلمون، عملاء تركيا وقطر وإيران. التنوير سلاح ضد الرأى الآخر مع أن التنوير هو حوار مع الرأى الآخر، والوصول معه إلى رأى مشترك. فلا أحد يملك الحقيقة. إنما الحقيقة هى وجهة نظر. ومجموع وجهات النظر تكون رؤى مختلفة لها. وفى الممارسة يعنى الحكم الائتلافى أى الحكم الديمقراطى الذى يعبر عن وجهات النظر المتعددة للقوى السياسية الشعبية المختلفة. وإذا كان الخصوم السياسيون هم الإسلاميين بكافة أنواعهم، إخوانا وسلفيين، تكفيريين ومعتدلين، فالتنوير هو الحوار معهم بعد الحوار مع بعضهم، واحترام حقوق الإنسان والمواطن للجميع دون سفك دماء، القاتل والمقتول. القاتل لأنه قتل والمقتول لأنه كان حريصا على قتل صاحبه.

والتنوير اتجاه عقلى مستقل لا شأن له بالنظام السياسى، حكومة ومعارضة، ولا يستعمل سلاحا ضد الحاضر، بل فقط ضد الماضى لفك أسر العقل مما يقيده من تقليد وتبعية للسلطة التاريخية، دينية أو سياسية. التنوير لا يكون حكوميا وإلا كان تبريرا. ولا يكون إعلاميا وإلا كان نسخة ورقية، ضوئية أو مرئية للنظام السياسى. التنوير اتجاه نقدى لكل ما يضاد العقل عند الحكومة أو المعارضة. والعقل هو البرهان. والبرهان عقلى استنباطى أو تجريبى استقرائى أو شعورى نفسى أو تجربة تاريخية عظة وعبرة من الأولين إلى الآخرين.

والتنوير ليس غريبا على ثقافتنا بالرغم مما يبدو عليه أنه من الوافد الغربى. فقد حمل المعتزلة والفلاسفة وبعض الفقهاء مثل ابن تيمية لواء أن العقل أساس النقل، وأن ما اتفق مع العقل يتفق مع النقل أيضا. وكما قال ابن تيمية، زعيم السلفيين المعاصرين «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول». ومن أصول المنطق الإسلامى «ما لا دليل عليه يجب نفيه»، وكثيرا ما ينادى القرآن أَفَلا تَعْقِلُونَ، أَفَلا تَتَفَكَّرُون أَفَلا تَذَكَّرُون. والتنوير قد يكون تجريبيا معتمدا على الاستقراء وتحليل العلل من أجل التعرف على العلة المؤثرة مثل السكر فى تحريم الخمر أو الربا فى استغلال المحتاجين، والعدوان فى حالة الجهاد. ويشير القرآن لذلك فى أَفَلا تُبْصِرُونَ، أَلَمْ تَر. كما يعتمد التنوير على الحجة الشعورية وتحليل الخبرات الحية والتى يحيل إليها القرآن فى لَوْ تَشْعُرُونَ أو شرح الصدر أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. كما يشير إلى الحجة التاريخية فى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً.

والتنوير هو الوسيلة للحوار بين الثقافات، وعدم العداء لأحد منها، لدين أو عرق أو طائفة. والصهيونية غير اليهودية. فقد عاش اليهود مع العرب طوال القرون الماضية فى المغرب وتونس ومصر والعراق واليمن وخاصة فى الأندلس. وكان عصرهم الذهبى هناك. والحوار مع الغرب والشرق أفضل من العداء لهما. وتاريخ الحوار فى ثقافتنا تاريخ طويل مثل فقه الاختلاف.

إن سوء فهم التنوير وسوء استعماله جعل الثقافة الشعبية تنفر منه مثل لفظ العلمانية. فقد توحد التنوير مع الإلحاد، وإنكار الوحى والنبوات. وعلى أقل تقدير أصبح مساويا للتغريب أو التبعية للغرب لكثرة الاستشهاد به. فى حين أن العقلانية جزء من ثقافتنا الموروثة، المعتزلة إيجابا فى النقد، والأشاعرة سلبا فى التبرير. وسيادة الخطاب الأشعرى جعل الناس ينسون الخطاب الاعتزالى. تحول التنوير إلى رد فعل مضاد للتنوير. يخشى الناس منه ولا يسمعون لمدعيه. يثير السلفيين، ويعزل التنويريين.

لقد تعود الناس على ألفاظ أخرى أكثر قبولا مثل النهضة التى بدأها الطهطاوى. وارتبط ببناء مصر الحديثة فى عصر محمد على. كما تعود الناس على لفظ الإصلاح نظرا لشيوع اللفظ منذ حركات الإصلاح الدينى عند الأفغانى ومحمد عبده. بل إن لفظ «الثورة» أصبح مقبولا نظرا لممارسة الشعب لثقافتها منذ ثورة 1919 حتى ثورة يوليو 1952 حتى ثورة الشعب الكبرى يناير 2011.

لذلك تحول التنوير إلى تنوير مضاد من كثرة استعماله فى غير محله، وخارج سياقه التاريخى ولخدمة أغراض أخرى غير التنوير، بعد أن أصبح الطريق إلى السلطة ضد خصومها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: