الرئيسية / رؤى ومقالات / محمد الأشقر يكتب ….السودان، مقاومة شعبية متفردة.

محمد الأشقر يكتب ….السودان، مقاومة شعبية متفردة.

بعد مرحلة من المعارك الثورية شملت أغلب بلدان المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، أعقبها مرحلة ردة رجعية، وبعد أن أنهكتها المعارك وجدت الجماهير نفسها عرضة لهجمات متتالية من مؤسسات الاستغلال العالمي، حيث شنت هذه المؤسسات وعبر مكاتب إدارتها الممثلة في الحكومات المحلية هجوما بواسطة روشتة ما يسمى “الإصلاح الإقتصادي”، المرادف في حقيقة الأمر لعملية سرقة منظمة وإبقاء الدول رهينة في سجن هذه المؤسسات عبر مصيدة الديون.
في ظل هذه الأوضاع والجماهير التي تم إرهابها بشتى الطرق المباشرة “سوريا وليبيا واليمن”، والغير مباشرة مع باقي الدول عبر أجهزة الإعلام، حيث تم إشاعة نموذج سوريا وليبيا والعراق كمصير حتمي لأي حركة جماهيرية تقاوم هذا الاستغلال.
في ظل هذه الأضاع كان يتم التحضير من هذه المؤسسات لهجوم مزدوج، الأول “سياسي” يستهدف ترتيبة جيوسياسية جديدة، والتي يطلق عليها “صفقة القرن”، والثاني “اقتصادي” وهو الروشتة النيوليبرالية لهذه المؤسسات، والتي تم العمل على تمريريها داخل دول المنطقة أهمها “تونس والأردن ولبنان والجزائر والسودان”. منها من قاوم مقاومة محدودة ومنها من قاوم بشكل مكشوف.
في تونس وجدت هذه الهجمة مقاومة محدودة من اتحاد الشغل التونسي. وفي الأردن خرجت الجماهير في تظاهرات كبيرة واحتشدت في اعتصام الدوار الرابع لكن دون الدخول في مواجهة مكشوفة مع النظام. وفي لبنان أيضا خرجت المظاهرات تعلن رفضها للسياسة الاقتصادية التي يلعب الدور الرئيسي فيها مدراء المصارف.

في الجزائر جاء ترشيح بوتفليقة كحدث عارض لينزع الغطاء عن غليان جماهيري وصل إلى مرحلة الذروة جراء السياسة الاقتصادية التي جاء تعيين رئيس الوزراء أحمد أويحيي “الرجل الموثوق من قبل المؤسسات الدولية” كتعبير عن الاستعداد لشن الهجوم النيوليبرالي، ولكن خرج الجزائريون في تظاهرات حاشدة أربكت حسابات الجميع ودفعت الطغمة الحاكمة لإزاحة بوتفليقة، كمحاولة بائسة لامتصاص الغضب الذي تصاعد مع الوقت ويستمر حتى اللحظة وحتى بعد التغيرات الشكلية التي تحاول من خلالها الالتفاف على حركة الجماهير.

أما في السودان، ساهم الهجوم النيوليبرالي في تشكيل مقاومة شعبية مختلفة ومتفردة والتي اندلعت شرارتها في الرابع عشر من ديسمبر في “الدمازين” عندما خرجت الجماهير ضد اجراءات الإصلاح الاقتصادي التي فرضتها المؤسسات الدولية “تحرير سعر الصرف، رفع الدعم، تقليل الانفاق الحكومي”. كانت اللحظة التي شرع فيها نظام البشير تنفيذ هذه الاشتراطات لحظة تكثفت فيها تناقضات 30 سنة من التجريف والسرقة والاستبداد والقمع الوحشي للمعارضة والأقليات. جعلت هذه التناقضات خروج الجماهير في مواجهات مكشوفة مع النظام أمرا طبيعيا طبقا لمنطق تطورها الخاص. دخلت الأحزاب السياسية وعبر إعلان قوى الحرية والتغيير على خط الجماهير يوم التاسع عشر من ديسمبر. وكان برنامجها والذي تبنته الجماهير المنتفضة ينص على “إسقاط كامل النظام وتفكيك مؤسساته الأمنية، وإطلاق الحريات العامة، معالجة الأزمة الاقتصادية، إنهاء الحرب في الأقاليم، وبعد تطور الأحداث أصبح هناك مطلب الخروج من حرب اليمن”.
هذه الأهداف طبيعي أن تجمع تحت لوائها معارضة واسعة تشمل كل ألوان الطيف السياسي والذي كان نظام البشير وممارساته وسياساته أكثر المساهمين في تشكيلها.
يوميات الثورة السودانية منذ اندلاعها وعمليات المد والجزر الثوري خلالها، أثبتت خبرة نضالية مختزنة عبر تاريخ طويل من النضال ضد أنظمة الاستبداد، إلى جانب ازدياد رصيدها الخبروي من المعارك الثورية لجماهير الجوار. مما يجعل قرار تعليق الاعتصام ليس كما يشاع أنه قرار عشوائي وتراجع أمام الثورة المضادة بعد حصارها لمدة 3 أيام جعلها تستنجد بالقوى الدولية. ينبغي أن نعرف أن العصيان قام على تنفيذه اللجان القاعدية في الأحياء وأماكن العمل، ولم يكن مجرد دعوة فوقية لقيادات الحرية والتغيير وتبنتها الجماهير كردة فعل على القمع الوحشي “وإلا كان من السهولة كسره” إنما كان هذا العصيان نتاج عمل تنظيمي قاعدي مدهش، يشرف عليه أعضاء تم انتخابهم من أهالي المناطق والأحياء وأماكن العمل المختلفة، وهنا يكمن سر قوته ونجاحه، وثقتي في هذا الشكل التنظيمي تجعلني أقول أن تعليق العصيان أمر لا خوف منه بالعكس من الممكن ان تدفع تطورات الأحداث قيادات شعبية قاعدية إلى المسرح العام تساهم في زيادة الوزن النسبي للقوى الراديكالية داخل الحرية والتغيير.
ما يميز المعركة السودانية عن باقي معارك الحركات الجماهيرية في المنطقة التي أشرت إليها في الأعلى، هو أن حركة الجماهير السودانية امتلكت أدواتها وابدعت أشكال تنظيمية قاعدية شعبية، وهذا الأمر لم يكن وليد حركة ديسمبر، بل هو تراكم على مدار سنوات طويلة من النضال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: