الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / تقارير وتحقيقات / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد عباس محمود العقاد

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد عباس محمود العقاد

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 130 لميلاد ” راهِب مِحْرابِ الأدَب ” و ” عملاق الأدب ” و ” الفيلسوف ” المُفكر و الصحفى و الشاعر و عضو مجلس النواب المصرى و عضو مجمع اللغة العربية عباس محمود العقاد و الذى يُعدُ واحداً من أهمّ الأدباء الذين لمعت أسماؤهم فى القرن العشرين و ذاع صِيتُهم فمَلأوا الدُنيا بأَدبِهم و مثَّلوا حَالة فَرِيدة فى الأدب العربى الحدِيث و وصلوا فيه إلى مَرتبةٍ فَرِيدَة فأقل ما يمكن أن يُقال عن أسلوب العقاد فى الكتابة ” غير السلس ” بأنه يسلب الألباب و يجعل المرء مدهوشاً من روعته و الحق يُقال أن العقّاد كان و لايزال و سيظل مدرسة بحد ذاتها لا يمكن لأى إنسان أن يقترب منها بسهولة بعد أن ساهمت كتاباته بشكل كبير فى الحياة الأدبية و السياسية و لم يتوقف إنتاجه الأدبى بالرغم من الظروف القاسية التى مر بها كما خاض عدة معارك أدبية جعلته مولعا بالقراءة و الكتابة و تُرجمت بعض كتبه إلى لغات عديدة .. ولد العقاد فى 28 / 6 / 1889م بمُحافظة أسوان بأقصى صعيد مصر لأم من أصول كردية و إقتصرت دراسته على المرحلة الإبتدائية فقط لعدم توافر المدارس الحديثة فى مُحافظة أسوان كما أن موارد أسرته المحدودة لم تتمكن من إرساله إلى القاهرة كما يفعل الأعيان و هنا تكمُن عبقرية العقاد فى كونه يُعتبر نسيجاً وحده و يمتلك مميّزات قلَّ أن يجد الإنسان مثلها فى أى باحث أو أديب أو مُختص آخر بعد أن استطاعت هذه القامة أن تستثمر ذكاءها الحاد و بصيرتها الثاقبة فى تنمية معارفها و قُدراتها و عُلومها و من هنا فقد تتوفَّر عند العقاد ثقافة موسوعية ليس من السهل التحصُّل عليها لأنه اعتمد فقط على ذكائه الحاد و صبره على التعلم و المعرفة حتى أصبح صاحب ثقافة موسوعية لا تُضاهى على الإطلاق ليس بالعلوم العربية فقط و إنما العلوم الغربية أيضاً بعد اتقانه اللغة الإنجليزية من مُخالطته للسُياح المُتوافدين على محافظتى الأقصر و أسوان مما مكنه من القراءة و الإطلاع على الثقافات البعيدة و قد عمل العقاد فى بداية حياته بالسكه الحديد لكنه فى الوقت نفسه كان مُولعاً بالقراءة فى مُختلف المجالات فكان يُنفق مُعظم نقوده على شراء الكتب ثُم التحق بعمل كتابى بمُحافظة قنا ثم نُقل إلى مُحافظة الشرقية و منها لمُحافظة القاهرة حيثُ عمل بالصحافة و تتلمذ على يد المُفكر و الشاعر الأستاذ الدكتور ” محمد حسين محمد ” و استمر بها مُدة ليست بالقصيرة حتى تفرغ بعدها لتأليف العديد من المؤلفات التى لازالت تلقى إقبالاً كبيراً و شديداً من قبل كلّ الشغوفين بدمج الأدب مع الفكر و قد اشتهر العقاد بسلسلة من المؤلفات عُرفت بالعبقريات تناول فيها تحليلاً لحياة و مواقف عدداً من أعلام الأمة الإسلامية و لعلَّ أبرز هذه المؤلفات ” عبقرية محمد ” و ” عبقرية الإمام على ” و ” عبقرية الصدِّيق ” و ” عبقرية عُمر ” و ” عبقرية خالد ” و ” الله ” و ” عمرو بن العاص ” و ” هذه الشجرة ” و ” مُعاوية فى الميزان ” و ” ديوان العقاد ” و ” رجعة أبى العلاء ” و ” هتلر فى الميزان ” و ” الصديقة بنت الصديق ” و ” الديمقراطية فى الإسلام ” و العديد من المؤلفات الأخرى كما أسس العقاد بالتعاون مع ” إبراهيم المازنى ” و ” عبد الرحمن شكرى ” ( مدرسة الديوان ) و كانت هذه المدرسة من أنصار التجديد فى الشعر و الخُروج به عن القالب التقليدى العتيق .. اشتهر العقّاد بمعاركه الفكرية و الأدبية مع ألمع شعراء القرن العشرين و أدبائه كطه حسين و أحمد شوقى و زكى مُبارك و مُصطفى جواد و بنت الشاطئ و مُصطفى صادق الرافعى و عبد الرحمن شكرى و غيرهم و كتقدير لمجهوداته العظيمة و إنجازاته الرائعة فقد تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى فتُرجم كتابه المعروف ” الله ” إلى الفارسية و نُقلت عبقرية محمد و عبقرية الإمام على و أبو الشهداء إلى الفارسية و الأردية و الملاوية كما تُرجمت بعض كُتبه إلى الألمانية و الفرنسية و الروسية و أطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر إسم العقاد على إحدى قاعات مُحاضراتها علاوة على إطلاق شارع كبير بإسمه فى منطقة مدينة نصر بالقاهرة كما تم تشييد تمثال ضخم له فى مُحافظة أسوان و تم أنتاج مُسلسل بعنوان ” العملاق ” يحكى قصة حياته من بطولة الفنان العملاق محمود مرسى .. كان العقاد فيلسوفاً بمعنى و حق الكلمة بعد أن حلل الشخصية الإنسانية مُستهِلاً مقولة شهيرة للكاتب الأمريكى « وندل هولمز » ” الإنسان ثلاثة أشخاص فى صورة واحدة فهُناك الإنسان كما خلقه الله و الإنسان كما يراه الناس و الإنسان كما يرى هو نفسه ” حيثُ تساءل العقاد فى مُذكراته بـ ” مَن هو عباس العقاد ضمن هؤلاء الأشخاص الثلاثة ؟! و مَن قال إنه يعرف هؤلاء الأشخاص الثلاثة معرفة تحقيق أو معرفة تقريب ؟! و مَن قال بأنه يعرف عباس العقاد كما خلقه الله ؟! و مَن قال أنه يعرف عباس العقاد كما يراه الناس ؟! و من قال أنه يعرف عباس العقاد كما يراه و هو لا يراه على حال واحدة كل يوم ؟! ” ثُم أكمل ” هذه هى الصعوبة الأولى و لا أتحدث عن غيرها من الصعوبات و بالطبع لن أتحدث عن عباس العقاد كما خلقه الله فالله عز و جل هو الأولى بالسؤال عن ذلك و لن أتحدث أيضًا عن عباس العقاد كما يراه الناس لأنهم بطبيعة الحال هم المسؤولون عن ذلك و لكن سأتحدث عن عباس العقاد كما أراه ” و فى كتابه « أنا » يتعمق العقاد فى ذاته و تكوينها لا يشغله سواها فيعود إلى البدايات ليسرد تفاصيل حياته الشخصية منذ البداية بما فيها صفاته و نشأته و تربية و مبادئه و عقيدته و إيمانه ثم حياته الأدبية و السياسية و الاجتماعية المُتصلة بمن حوله .. منح الرئيس المصرى جمال عبد الناصر العقاد جائزة الدولة التقديرية فى الآداب غير أنه رفض تسلمها ! كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة ! و قال آنذاك ( أنا أكبر من أن أُمنح تلك الشهادات و الأوسمة لأنها أقل منى بكثير ) ! .. أحب العقاد كثيراً من النساء و من ضمنهن الكاتبة اللبنانية ” مى زيادة ” و يبدو أن شيئاً من الإعجاب الشديد أو حتى من الحب و لو بصورته العُذرية قد نشأ ذات يوم بينهُما كما يبدو أن هذه العلاقة الرومانسية بين الأديبين الكبيرين تختلف عن علاقة مى بروّاد صالونها الأدبى أما العقاد فيبدو أن أمره مع مى كان مُختلفاً إستناداً أولا إلى عدد من الرسائل المُتبادلة بينهما و التى يكشفها كتاب صدر حديثاً يحوى عدداً من رسائل العقاد إلى مى و إلى سواها أيضاً ! و ذلك استناداً إلى قصتة مع « سارة » و هى سيدة لبنانية أخرى كانت تربطه بها علاقة قوية فى ذات الوقت الذى كان فيه هو و مى يتناجيان ! و رُبما ماجعل بعض المُقربين منه يتنبأوا بأنه لن يتزوج أبداً لأنه من وجهة نظرهم كان يعشق الحُب و الهيام و ليس الإرتباط و الزواج ! و لكن البعض الأخر برروا ذلك لأن علاقتهما كانت مليئة بلوعة الشوق و ألم الفراق لأن مى كانت تُحب الشاعر ” جبران خليل جبران ” و قد أدرك العقاد ذلك و قرر أن يظلا أصدقاء و رُبما تلك النهاية الحزينة قد أثرت فى نفسيته و جعلته لا يُفكر فى الزواج مُطلقاً و يرتبط بسيدة لبنانية أخرى ” سارة ” حتى تنسيه ” مى ” ! و بالفعل عاش العقاد طيلة حياته و لم يتزوج حتى رحيله فى 12 / 3 / 1964م .. وصف المُفكر و أحد رُوَّاد الفلسفة الوضعية المنطقية د. ” زكى نجيب محمود ” شعر العقاد قائلاً ” إن شعر العقاد هو البصر الموحى إلى البصيرة و الحس المُحرك لقوة الخيال و المحدود الذى ينتهى إلى اللا محدود فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبدالكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء و تلك صفة الفن المصرى الخالدة فلو عرفت أن مصر قد تميزت فى عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت و العمارة عرفت أن فى شعر العقاد الصلب القوي المتين جانباً يتصل اتصالاً مُباشراً بجُذور الفن الأصيل فى مصر ” كما أشاد عميد الأدب العربى د. ” طه حسين ” بقصائد العقاد و لاسيما قصيدة ” ترجمة شيطان ” حيثُ قال إنه لم يقرأ مثلها لشاعر فى أوروبا القديمة و أوروبا الحديثة و قال عنه فى نهاية خطابه ” ضعوا لواء الشعر فى يد العقاد و قولوا للأدباء و الشُعراء أسرعوا و استظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه ” .. رحم الله العقاد و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: