الإثنين , أكتوبر 21 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / مس الأحلام…..قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

مس الأحلام…..قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

كانت ندرة الأحلام الجميلة ؛ في أثناء نومه قد أصبحت ظاهرة لافتة له واسترعت تفكيره في أوقات كثيرة ؛ أثناء صحوه ؛ وصار يحلل أحلامه ويبحث عن تفاسير لها ؛ وأخذ الأمر بجدية وبحث وقرأ في المتاح له من كتب إهتمت بدراسة الأحلام ودلالاتها . كان قد أدرك أن الأحلام الأجمل التي عاشت في ذاكرته ، والتي توقع صغيرا أن تتحقق في قادم أيامه ؛ عندما يكبر ويصبح له حياته الخاص ؛ لم تتحقق هذه الأحلام الأجمل والتي كانت ستجمل حياته في حالة تحققها ؛ لم تتحقق هذه الأحلام طوال حياته ؛ وقد كشف له هذا أنه لم يحقق الكثير جدا مما كان يرغب ، وكأن حياته قد ضاعت سدي ؛ رغم أنه كان قد أصبح أكثر نفوذا فوق من يحيطون به ، وقد صار أكثر ثراء ؛ بما لا يقارن عما كان عليه في بداية حياته العملية ؛ قبل أن يتاح له تعدد سفرات العمل والإقامة بالخارج ؛ والتي استمر يقوم بها ؛ حتي قرر مللا أن يستقر أخيرا في الوطن ؛ ليستمتع بالإقامة في الوطن ؛ إستمتاع الثري وإستمتاع الذي بعد به الثراء عن واقع حياة الفقراء .
بعد أن عاد واستقر في الوطن ؛ كان من ضمن قرراته القاطعة ؛ ألا يشرك أحدا معه في ثروته ؛ وأنه ليس بحاجة إلي زواج وأسرة ؛ علي النحو المعتاد ، وأنه لو قرر أن يشرك معه أحدا في ثروته لضاقت عليهما ، ويكفيه الإنفاق علي من يعملون معه ؛ في شركته ومن يخدمونه في منزله ؛ ومن ترافقه من صديقاته وخليلاته العديدات ؛ التي كان يرافقهن جماعة ويصرفهن ويستبدلهن مللا ؛ أيضا جماعة ؛ كان يتخلص من كل “الطقم ” معا ويأتي بغيرهن معا . كان في نظر موظفيه والعاملين في منزله وصديقاته وخليلاته ؛ في الإحتكاك والتعامل المباشر ؛ يرونه بخيلا حريصا وكثيرا ما كانوا يسبونه ؛ لتقطيره عليهم .

إستيقظ من النوم مؤرقا ؛ واسترجع آخر حلم إنتهي للتو في ذاكرة أحلامه المتكررة ؛ التي تتكرر من وقت لآخر ؛ وبعضها يمض علي تكراره سنوات ولكنه يأتي بنفس تفاصيله السابقة ؛ وكأن الحلم هو شاهد علي تقدمه في العمر ؛ دون أن يتقادم الحلم نفسه في الزمن وشاهد علي أنه مهما حقق من ثراء فإنه مازال غير قانع وغير راضي وغير سعيد وأنه وحيد في قشرة الثراء التي صنعها عبر رحله عمره الذي مضي وكأنه كان يجري مغمض العينين .
وبكي فقد كان الحلم من أوله لآخره ؛ لم يتحقق منه شيء في واقعه ؛ رغم تكرار حدوثه ؛ طوال سنوات وعيه الطويلة بتفاصيل الحلم ؛ واتسع حزنه عندما أدراك ؛ أن أي من أحلامه الجميلة التي كان يحب أن تتحقق ؛ لم يتحقق طوال عمره الذي أوشك علي النفاد ؛ وواتته الجرأة ليناقش ؛ السبب : أهو قدر الله المكتوب عليه ؛ أم أن هذا هو حصاد أخطاءه هو ونتاج فشله وعدم تخطيطه لحياته لتحقق ما عاشه في أحلامه ؛ واستقر ذهنه عن إعتقاد أن إختياراتنا ضيقة والمدي في الإختيار ليس علي السعة ؛ والمتاح للإنسان قليل مهما كبر ومهما كثر ومهما أثري . وتسائل عن مصيره في العالم الآخر وفق حصاد حياته وما عمل ووفق ما سوف يتحقق ؛ خلال سنوات عمره القليلة الباقية ؛ وقرر أن يغير حياته كلها وأن يعيش حياته وفق معاييره هو ووفق أحلامه التي ولدت في خاطره وأطلع عليها وشاهدها من مرآة روحه ومن قلب ذاكرته : سوف يعيش فقط ما يرغب أن يكون وأن يكون هذا هو الهدف من وراء كل فعل يؤتيه بعد ذلك . وبدأ في ترتيب أولويات الأشياء التي عليه أن يقوم بتغييرها ؛ وهل في مقدوره أن يقوم بتغيرها وما هي كلفة التغيير ؟ .
وأصبح وقد وجد نفسه فعلا وقد مل كل شيء ؛ حتي منزله الأثير في المنطقة التي صارت سكني الأثرياء والوجهاء وأصحاب النفوذ والسلطة في الدولة . وأصبح عليه أن يغير حياته وينقلها من هذه المنطقة التي ضربه فيها الإصابة بالملل ؛ وعدم الرضي عن حياته وعدم الرضي عن الحياة ، وأصبحت نواقص الحياة وفق ما رأي منذ طفولته من أحلام تؤرقه ، وأصبح الاستمرار علي قيد الحياة ؛ من بين الأشياء التي تؤرقه . لم تكن حياته ينقصها النساء ولكنه أصبح يفتقد المرأة الزوجة وافتقد إنجاب الأطفال وافتقد الأبناء من حوله ؛ ليكونوا له أسباب وصل مع الحياة . وأرقه أن ما صنعه إلي الآن ولم يكن قليلا : لمن سيكون من بعده ؟؟ .. وهو وحيد منقطع عن بقايا عائلته منذ سنوات كثيرة مضت .

وبعد هذا بدأت له سلسلة جديدة من المؤرقات والأشياء المزعجة تضرب لحظات نومه التي أصبحت قليله جدا ؛ لتواصل التفكير في المؤرقات واجبة التغيير وترتيب جدولة تغيرها . ويكاد يكون قد كف عن النوم : حتي بان الهزال عليه وقلة الوزن والألم مع أي حركة يؤتيها . فقد بدا له لحظتها عندما بدأت دوامة البحث عن عدم تحقق رؤاه من أحلام طفولته وإختفاء الأحلام السعيدة من نومه أن بعض الأشياء إذا ضاعت تضيع إلي الأبد ، وبعض الأشخاص يذوبون في النسيان كأن وجودهم كان حلما . وصار يخاطب الذكريات لعلها تسمعه : “يا أيتها المفقودات التي غابت في الأبدية : إني أذكرك ” ما بقي مني شيئا ، ولن يبقي مني شيئا . في رحلة الأبدية لا يبقي إلا الأبدية وتفني كل الموجودات “.
كانت شخوص أحلامه القديمة ؛ دائما سعداء ؛ ويعيشون في بهجة : يتبادلون الضحكات ؛ ويتولون معا وفي يسر حل أي مشكلة تعترض أحدهم وقد كانت أحلامه وقتها تخلو تقريبا من المشاكل .

كان أول ما تخاطر له لكي ما تتغير طبيعة أحلامه إلي الأجمل وحتي يحقق ما كان قد رأي من أحلام جميلة في صدر طفولته وشبابه و حتي يحصل علي أحلام جديدة ترضيه هو أن يغير كل ما كان يتعلق بنومه من عادات ومن أشياء ؛ فغير إضاءة نومه في غرفة نومه واستبدل كل ملبوساته التي كان يرتديها أثناء نومه ، وكف عن عادته بأن يستحم بالماء البارد قبل أن ينام مباشرة ؛ وكف عن عادة التعطر برائحة الليمون التي واظب عليها منذ سنوات ؛ قبل النوم مباشرة ، ثم غير مكان السرير في الغرفة وبعد به عن أن يكون أسفل الشباك مباشرة وذهب به إلي أقصي الغرفة وأخرج زرعات الريحان
والنعناع و”مسك الليل” التي كان يستبقيها في الغرفة وقت النوم ، ثم غير الغرفة التي كان ينام فيها ، بعد إئتلافها ؛ ثم شرع في تغيير المسكن الذي إنتقاه واستقر فيه وكان يظنه هو مسكن حياته ؛ حتي نهايته . كان المنزل في المنطقة التي نحتت من الجبل ؛ في تحدي للطبيعة وفي تطوعيها لتكون في طاعة البشر ؛ ولتذوب طبيعتها الصخرية برغبات السكان الذين اختاروا هذه المنطقة للسكني . وكان هو قد اختار بيته في المنطقة التي كانت أقرب إلي السفح منها إلي مدرجات الجبل ؛ وكانت مازالت فوق مستوي الطريق العام السريع وأقرب إليه عبر طريق هابط صغير ، يقطعه بسهوله وكان الموقع العام يعجبه لهدوئه الشديد ولإختلافه عن كل الأماكن التي عاش بها طوال حياته . ولكنه بعد أن تبدل مزاجه وعاش ” وعكة أحلامه ” أصبح المكان بالنسبة له قبر ؛ ضمن قبور ؛ تشابه القبور الموجودة بجوار الطريق العام القريب من منطقة السكني التي يعيش فيها مترفا والذي لكي يصل إلي مكان السكني المترفة عليه أن يلمح بعينيه تراص القبور .
عندما بدأ السكني في “المنتجع ” الذي مل أخير العيش فيه ؛ لم يكن يسترعي إنتباهه كثيرا ” مساكن الفقراء” علي الجانب الآخر من الجبل ؛ ولم يكن يسترع إنتباهه أنه وسط هذه العشوائيات الجبلية التي كان من وقت لآخر تحدث بها إنهيارات صخرية تهدم المنازل والكهوف التي تستخدم للسكني ؛ لم يكن يسترعي إهتمامه وجود ” الدير الكبير” وسط هذا العشواء واللا آدمية . ولكن بعد إصابته بأرق الأحلام والأحلام السوداء ؛ أصبح يرنو بعينيه إلي تجمع “مساكن العشواء” التي يسكنها الفقراء ، والتي تجاور الطريق العام المؤدي إلي المنتجع الذي يعيش فيه مثل “المترفين”. ويوم طلب من سائق العربة أن يغير المسار التقليدي لرجوعهما إلي البيت ويذهب به إلي ” منطقة الدير” ليري هؤلاء الناس علي الطبيعة . كانت الشوارع الضيقة المتعرجة ؛ قد أصابت السائق بالتوتر ؛ وقد دفعه التوتر إلي التسرع في إجتياز الطرقات الضيقة المتعرجة ؛ وعند أول إتساع منبعج ومتعرج للطريق ؛ أطلق السرعة قليلا ؛ ولكن لم ينتبه إلي الشاب ؛ الذي أصبح فجأة أمام العربة فصدمه .
كانت إصابة الشاب غير بالغة وقد تجمع الأهلون ؛ يريدون الفتك بالسائق ومن في العربة الصادمة ؛ ولكن المتجمعون إنصرفوا بعدما أتي من الدير من صرفهم وأخذ الشاب للعلاج ويدعو ” أهل العربة ” لزيارة الدير إذا ما كان مقصدهم . وكانت زيارة الدير فعلا مقصده وليست تحايلا منه للنجاة من تجمع الغضب . أتم الزيارة براحة وسط ترحاب به واطمئن علي الشاب المصاب ودعاه للعمل معه في الشركة وقبل الشاب الذي كان بلا عمل ؛ وقد أدرك هو أن حياته قبل حادثة إصابة الشاب ورعبه من غضب الأهالي والساعات التي قضاها في الدير لم تكن مصادفة في حياته وأنها إفاقة أخري ؛ مثلها مثل الأحلام الجميلة غير المحققة ومثلها مثل الأحلام السوداء التي بدأت تضرب هناءه .
ولكي يحدث تغييرا جديا في حياته ؛ خطر له أن يتجول في كل الأماكن التي عاش بها وفي كل المدن المتعددة التي سكنها في طوال رحلة حياته ليختار من بينها ؛ المكان الجديد ؛ الذي سيفضله علي غيره في العيش ؛ ربما تأتي سكينة الروح وسكينة الأحلام في المكان الجديد . وفي تجواله في ” مسقط رأسه” : راعه أنه لم يتذكر أهله الراحلين منذ أعوام كثيرة مضت ؛ وأنه لم يعد يذكر علي وجه التحديد ، أين دفن ” أبواه” وأن أبيه وأمه لم يزوراه في نوبات أحلامه منذ سنوات ، وأن هذا ربما كان لإنقطاعه عن زيارتهما في قبرهما ، وسكناه في رحلة الغربة ؛ وقرر أن يستمر في مسقط رأسه ليبحث عن الأحياء من أهله ؛ ليسترشد بهم عن المكان المحدد لقبر أبيه ولقبر أمه ؛ وأن يقف في حضرة روحهما ؛ ليصل من انقطع مع الزمن والمكان الذي أنبت فيه الأحلام السعيدة ؛ التي لم تتحقق له إلي الآن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: