الثلاثاء , يوليو 23 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / د.حسن حنفي يكتب ….العدوان على الفلسفة

د.حسن حنفي يكتب ….العدوان على الفلسفة

صدر منذ فترة قرار من وزير التعليم بجعل الفلسفة مادة اختيارية فى التعليم الثانوى بعد أن كانت من المواد الإجبارية. وهذه ليست أول مرة يحدث فيها ذلك. ففى أوائل الستينيات حاول وزير التعليم القيام بنفس الشىء إلا أن رئيس الجمهورية ألغى قراره. وحاول رؤساء الجمهورية بعد ذلك عدة مرات القيام بنفس الشىء ولكن وزراء التعليم لم يستطيعوا لذلك شيئا. وفى كل مرة، تعود مصر على بدء. وقبل ثورة 1952، وأثناء ثورة 1919 وإنشاء الجامعة المصرية قرر طه حسين عندما نشأت كلية الآداب فتح أقسام اللغة العربية، واللغة الفرنسية والدراسات اليونانية واللاتينية وقسم الفلسفة، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر وخريج جامعة باريس، السوربون، أول رئيس لقسم الفلسفة مع إيمان شديد بأن الفلسفة والدين شىء واحد كما قرر كبار الفلاسفة القدماء، الكندى والفارابى وابن باجة وابن سينا وابن رشد. فعندما تكون مصر منفتحة تكون الفلسفة ضمن هذا الانفتاح. وعندما تنغلق على نفسها يتم تهميش الفلسفة باسم تعارضها مع الدين.

وقرار الوزير قرار سياسى خالص يعبر عن طبيعة النظام السياسى ورؤيته لخطورة الفلسفة أى الفكر الحر على الدين أى على استقرار النظام السياسى. فقرار الوزير ليس قرار هيئة علمية صدر بعد دراسة طويلة لعلاقة الفلسفة بالدين. بل هو قرار له هدف بعيد هو نشأة الطلاب فى جو من الطاعة والاستسلام باسم الدين واستبعاد الفلسفة باعتبارها مضادة للدين مع التأكيد على أهمية الرياضة البدنية، فيخرج الطلاب مجندين فى ميليشيا شبه عسكرية تأتمر بأمر المدرسين والنظار والوزراء والنظام السياسى.

والحجج الظاهرة كثيرة: ألا تبعث الفلسفة على الشك فى المعتقدات الدينية؟ والرد على ذلك هو إبراهيم أبو الأنبياء فى حواره مع الله عندما سأله «قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى»، فأعطاه الله أكثر من دليل على وجوده. فالإيمان إن لم يقم على برهان يكون مجرد اعتقاد. والاعتقاد بلا برهان ظن. وقد قسّم ابن رشد الأقايل إلى ثلاثة أنواع: الخطابة والجدل والبرهان. غاية الخطابة الإقناع، وغاية الجدل دحض الخصم، وغاية البرهان الحقيقة. ويمكن قراءة سقراط على وجهين: الأول الشك فى معتقدات العامة، والثانى تأسيسها على البرهان. فتفكير الفلاسفة المقصود به الدفاع عن عقائد العامة، بالإضافة إلى سؤال المحدثين: ما فائدة الفلسفة؟ وهل البحث عن الحكمة النظرية به جدوى؟ هل هى صناعة عملية؟ هل يجد الفلاسفة مكانا فى سوق العمل والاحتياجات العملية؟ والرد على ذلك أنه بالإضافة إلى الحكمة النظرية هناك الحكمة العملية. وبالإضافة إلى المنطق والرياضة والفلسفة، هناك الأخلاق والسياسة والاقتصاد. فليست الفلسفة نظرية فقط، بل عملية كذلك وهى التى حوّلها الأمريكيون إلى الفلسفة «البراجماتية».

والحقيقة أن تهميش الفلسفة هو استبعاد لها، وإيحاء بأنها أقل أهمية من باقى العلوم الطبيعية أو الرياضية. وهو فى نفس الوقت تهميش للفكر الحر المستقل عن العقائد المسبقة، وقبول لكل المعطيات الدينية والسياسية. والمعارضة الدينية لا تقل أهمية عن المعارضة السياسية. ففى المجتمعات التقليدية يلعب الدين دور الثقافة والسياسة. والمعارضة السياسية إن لم تكن قائمة على المعارضة الدينية فإنها تكون هوجاء بلا أساس. لذلك تكتسح الحركات الإسلامية الأصوات الشعبية. وتحاصر المثقفين وطبقتهم حاملى الأيديولوجيات القومية والاشتراكية والليبرالية والماركسية والناصرية. والتعليم حرفة طويلة الأمد كى يتحول العامى إلى مثقف، والمثقف إلى مثقف عضوى يلتزم بثقافة الشعب.

هناك روائع فى الأدب الفلسفى الإسلامى القديم تشهد باتفاق الفلسفة والدين مثل «رسالة الكندى إلى المعتصم بالله فى الفلسفة الأولى»، فالفلسفة حق، والدين حق، والحق يوافق الحق ويشهد له. وعلى قمة المدينة الفاضلة عند الفارابى الملك الفيلسوف أو الفيلسوف الملك ثم تتدرج الطبقات الاجتماعية من أعلى إلى أدنى حتى طبقة العمال والفلاحين. و«حى بن يقظان» لابن طفيل وابن سينا والذى يدل اسمه على معناه، الحياة بنت اليقظة. وقد تجسدت الدلالة فى شخص بهذا الاسم. ولد طفلا فى قرية وربته غزالة، أرضعته وفطمته حتى كبر وماتت الظبية أمه، فعرف كيف يدفنها أسوة بما فعل الغراب، ثم بدأ يشعر بذاته كوعى ذاتى ثم بالعالم كإحساس بالزمان والمكان ثم بالأشجار والحيوان والإنسان. وهى صور لو استكملت لآتت علاقته بأخيه الإنسان، علاقات القرابة والصداقة. فلما وصل إلى الثلاثين ونظر فى الشمس والقمر والكواكب عرف أن لهذا الكون خالقا، وأن العالم مخلوق. أدرك أن هذا الكون له خالق وأن البدن فيه فان والنفس خالدة. فلا فرق بين الحقائق عند الفيلسوف وما يشابها عند المؤمن. لا فرق بين الفلسفة والدين. البداية واحدة، والنهاية واحدة. أما الطريقان فمختلفان، طريق الأنبياء وطريق الفلاسفة. وابن رشد يضع «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال». فالفلسفة هى الحكمة «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ». والشريعة هى الدين. الحكمة طريقها البرهان لا الجدل ولا الخطابة. والدين قد يعبر عن نفسه بالصور الفنية والتشبيهات والتمثيلات التى تحتاج إلى تأويل. فالفيلسوف هو الذى يدرك مدى اتفاق الحكمة والشريعة.

وفى التراث الغربى فى العصر الوسيط وقع اللاهوت الكنسى فى التشبيه والتجسيم واستبعد التأويل. وقام العقل بتأويل هذه الصور الفنية كى يحصل على دلالاتها. الدين طريقه الخطابة والجدل، أما الحكمة فطريقها البرهان. وفى العصر الوسيط الغربى لم يعرف الناس اللاهوت العقلانى الحر فى عصر آباء الكنيسة حتى القرن العاشر وظهور العقلانيين داخل الكنيسة وتطبيق العقل على النقل حتى بدايات العصور الحديثة وتأسيسها على العقل.

فماذا عن ثورة يناير 2011؟ لم يتبلور فيها تيار عقلانى. فقد كانت مشغولة بالعمل السياسى المباشر وبدأ السقوط بمجرد الاندلاع. لذلك قد يستطيع العقل إقالة مسار الثورة من عثرته ويعود مسارها إلى الارتفاع بعد السقوط فيقترن العقل والثورة كما هو الحال عند ماركوز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.