الإثنين , أكتوبر 21 2019
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل سُعاد محمد

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل سُعاد محمد

يوافق اليوم الذكرى السنوية الثامنة لرحيل ” الصوت الكلثومى ” و ” صوت الشيماء ” و ” أيقونة غناء الهجرة النبوية ” أجمل صوت نسائى من جيل الرواد لم يفقد بريقه رغم مُرور الزمن و الذى كان الجمهور يرد لها الجميل بعد أن ظلت تغنى على خشبة المسرح حتى عُمر السبعين إلى أن رحلت تاركة ميراثاً شجياً لجمهورها من الفن و الطرب و ما زال يُردد منه حتى اليوم الكثير من الأغانى و فى مُقدمتهُما أغنيتا « وحشتنى » و « أوعدك » إنها الفنانة الكبيرة و القديرة ” سُعاد محمد المصرى ” الشهيرة بسُعاد محمد و التى حين نُقرر أن نستمع لصوتٍ ليس به عيب على الإطلاق ! فليس أمامنا سوى سماع آغانى هذه المطربة ذات الصوت السليم الكامل كمالاً غريباً إذ أن كل المطربين و المطربات فى عصرها لم يسلموا من وجود عيوباً ما فى أصواتهم ! فصوتها جميل جداً و مطواع إلى درجة غريبة فلا شيئ لا تستطيع المُطربة سعاد محمد أن تغنيه سوى أن نقول فى النهاية ” الله ” فهو صوت لا محدود ينقلنا من أول آه إلى أقصى حالات الطرب و هو ماجعل النُفاد يُطلقون عليها بصاحبة الصوت الكلثومى و هو القب الذى يُطلق دائما على كُل فنان لا يملك حدوداً لأوكتافات صوته بعد استطاعت على الصعيد الشخصى و رغم نشأتها المُتواضعة و ثقافتها البسيطة و قسوة الظروف العائلية التى عاشتها أن تجعل من صوتها و إحساسها جواز مرورها لدخول تاريخ الغناء العربى و إغناء روحه الكلاسيكية بنفائس القصائد و الموشحات و الأدوار التى أدتها ببراعة و إتقان و فهم عميق لأصول فن الغناء العربى بكافة قوالبه كما استطاعت أن تتجدد بأغانيها الأخرى التى تفيض بالاشتياق و المشاعر و قيم الأصالة العاطفية سواء بحنجرتها أو عبر حناجر مُطربين شباب رددوا أغنياتها فى السنوات الأخيرة و حققوا من خلالها الشُهرة و النجاح .. ولدت سعاد فى بلدة تلة الخياط فى العاصمة اللبنانية بيروت فى 2 / 2 / 1926م من أب مصرى هاجر من بلدته أبو تيج فى محافظة اسيوط إلى بيروت و من ام لبنانية بيروتية عشقت ذلك الوالد حتى النُخاع و قررت أن تُقاطع أهلها الرافضين له رفضاً باتاً لأن العشق و الغرام حينها هو من فرض نفسه على الموقف و ليس مقدرة الزوج المادية و مدى استقراره فى العمل على الإطلاق ! ثم انتقلت سُعاد إلى العاصمة السورية دمشق مع أسرتها و عاشت و حين تمت دراستها الثانوية أطلت بصوتها من خلال إذاعة دمشق ثم انتقلت إلى مدينة حلب و بدأت بغناء الموشحات و سمعها هناك السميعة فى هذه المدينة السورية العريقة المعروفة بأنها عنوان الطرب و هناك أجاز كبار السميعة هذا الصوت العبقرى و وصفوه بأنه أجمل صوت نسائى سمعوه و تبنى هذا الصوت هناك الملحن ” محمد محسن ” و رغم أن سُعاد لم تمكُث فى دمشق طويلاً إلا أنها لم تغب عن مسارح سورية و لا عن ذاكرة سورية التى منحتها الإستقرار و الأمان فى فترة من الفترات و غنت للجلاء من أشعار الشاعر السورى الكبير ” بدوى الجبل ” و من ألحان المُلحن السورى ” محمد مُحسن ” ( جلونا الفاتحين ) فتألقت و أبدعت و حين حدثت حرب العبور عام 1973م شدَتْ برائعتها ( زغردي يا شام ) التى لحنها رياض السنباطى لتؤكد صدق مُشاركتها فى الحدث القومى و عُمق إحساسها بالتواصل مع شعب سورية فى أجلى لحظات الاعتزاز الوطنى ثُم بعد ذلك سافرت إلى القاهرة حيث شاركت بفيلم فتاة من فلسطين و أنشدت أغانى فيلم شهيدة العِشق الإلهى فأبدعت و لفتت إليها الأنظار فتسابق المُلحنون للتلحين إلا موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ! و حين سؤل الأخير فى أحدى المُقابلات الإذاعية لماذا لم تُلحن لسعاد محمد فقال ” إن سُعاد صوتها أكبر من ألحانى ! ثم ضحك و عَقَبَ و قال لقد حاولت و كل مره اتصل بها يا إما تكون حامل أو والدة جديد ” و بالفعل إن الحمل و الولادة كانت أكبر الأسباب فى أن هذه المطربة قدمت القليل ( نسبياً ) من الأعمال الفنية ( إذا قارناها بأم كلثوم مثلاً ) فلقد أنجبت سُعاد محمد و فى عز أيام شهرتها أكثر من عشرة أولاد ! من زوجها مؤلف الأغانى ” محمد على فتوح ” بينما يُرجح الكثير من النقاد أن زوجها و مُحاولته احتكار صوتها هو الذى قلل من فرصها في أن تتربع على عرش الأغنية الشرقية و هُناك الكثيرين ممن يؤكدون محاولة أم كلثوم إحباط تقدم سُعاد من خلال منعها من دخول الأراضى عن طريق تلفيق قضية لتهريب مجوهرات من مصر ( رغم أنها كانت مُجوهراتها الشخصية و كانت أحضرتها من لبنان معها ) و فى النهاية منعوها من دخول مصر بدعوى أنها لم تُصرح عن هذه المجوهرات عند دخولها مصر و هكذا حرمت من دخول الأراضي المصرية الذى كان دخولها و الغناء فيها شرط نجاح كل مُطرب و لكن قرار المنع قد تم إلغاؤه فى عام 1960م أثناء الوحدة بين مصر و سوريا ,, يُعدُ أفضل ما غنت سعاد من موشحات كان ” دور أنا هويت و انتهيت ” من ألحان فنان الشعب خالد الذكر سيد درويش و قد غنته بطريقة معجزة لم يستطع أحد أن يغنيه مثلها و ظهر جزء منه فى فيلم ” بمبة كشر ” و قد رفع عليها ورثة سيد درويش دعوه قضائية و منعوها من أن تتم غناء أدوار و ألحان جدهم فاضطرت أن تدفع لهم تعويضاً كبيراً بعد ذلك أما أشهر أغانيها فكان ” وحشتنى ” من ألحان الفنان ( خالد الأمير ) و” يا ناسى أيامنا ” و ” مين فكرك ” و ” مظلومة يا ناس ” و ” فتح الهوى شباك ” من ألحان الموسيقار العملاق ( محمد القصبجى ) و ” أوعدك ” و ” القلب و لا العين ” و ” غريبة و الزمن قاس ” و ” يا مجاهد فى سبيل الله ” من ألحان ( كارم محمود ) ! و غنت سعاد أيضا قصيدة من ألحان رياض السنباطى و هى ” أنا وحدى ” و التى من رأى الكثيرين هى أجمل قصيدة تغنت فى السينما على الإطلاق .. لم تقدم سُعاد في السينما سوى فيلمين أولهما ” فتاة من فلسطين ” و كان هو أول فيلم عن مأساة القضية الفلسطينية ثم اسند إليها بطولة فيلمها الثانى ” أنا وحدى ” من إخراج هنرى بركات و شاركها البطولة ماجدة و نور الدمرداش و صلاح نظمى و بعد ذلك اعتزلت التمثيل و اكتفت بالغناء فى الإذاعة بأغانى فردية أو أغانى فى برامج إذاعية و قد قدمت الكثير من هذه البرامج و اكتفت من السينما بتقديم أغنيات مُدبلجة لبطلات أخريات مثل أغانيها في فيلم ” الشيماء أخت الرسول ” عام 1972م و فيلم “بمبة كشر” و رغم أن هذين الفيلمين لم يُحققا الشهرة السينمائية لسعاد محمد فإنهما قد أكدا مُجدداً على موهبتها الغنائية المُتفردة و صوتها القوى و خصوصا بعد أن غنت من ألحان كبار ملحني مصر فى ذلك الوقت و يذكر الناقد ” صميم الشريف ” فى كتابه ( الأغنية العربية ) أن الموسيقار ” رياض السُنباطى ” قد حاول إقناعها بالبقاء فى مصر و إقامة حفلات شهرية على غرار أم كلثوم  فترددت بالقبول مُرجئة ذلك لحين عودتها إلى القاهرة ثانية بسبب الأعباء العائلية التى كانت تنوء تحت وطأتها .. تزوجت سُعاد ثلاث مرات و كان زواجها الأول هو مُكتشفها الأديب الصحفى ” محمد على فتوح ” و دام زواجها منه 15 عام و أنجبت منه ستة أبنــاء و بنات ثم انفصلا و تزوجت بعد ذلك من المهندس المصرى ” محمد بيبرس ” و رزقت مـنه بأربعة أبناء و تم الطــلاق بعد ذلك ثم تزوجت من رجل لبنانى اسمه ” أسعد بيضون ” و لم ترزق منه بأطفال و تم الطلاق أيضأ .. أجرت سُعاد عمليتين جراحيتين خطيرتين الأولى فى القلب و الثانية فى الرأس و خرجت بصحة جيدة و ظلت فى منزلها بالقاهرة حتى صعدت روحها إلى بارئها فى مساء يوم الاثنين 4 / 7 / 2011م عن عُمرٍ ناهز على الـ 85 عاماً بعدما تركت تُراثاً رائعاً من الأدوار و الموشحات و الآغانى الجميلة .. قال عنها الناقد الموسيقى اللبنانى ” كمال النجمى ( كان ممكناً أن تستقل سُعاد محمد منذ عقد الأربعينيات بفنها عن الفن الكلثومى و لكنها لم تتمكن من ذلك إلا قليلاً و لو كانت قد تمكنت من إقامة حاجز واضح بين فنها الغنائى و بين الفن الكلثومى الذى يبتلع كل شئ لكان لسُعاد محمد شأن آخر فى عالم الغناء العربى )  .. رحم الله سُعاد محمد و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: