الرئيسية / كتاب وشعراء / النازحة..قصة قصيرة بقلم/محمد مفتاح الزروق..ليبيا

النازحة..قصة قصيرة بقلم/محمد مفتاح الزروق..ليبيا

وقد يتجدد الحزن لمجرد رؤية عابرة لكتيب صحي يخص قطة نفقت.. سحقا لكل من كان سببا في إزهاق أية روح بريئة كانت.

النازحة.. (قصة)..

مضت تتهادى بين الأنقاض في هدوء, غير آبهة بالمخاطر أو منتبهة للعواقب. لا شيء يخيفها بعد أن همد ضجيج القصف والتفجيرات وساد السكون الحذر, ذلك السكون الذي كان يقطعه بين الفينة والأخرى صوت انفجار مباغت. كنا نسير بحذر تام خشية أن تقع رجل أحدنا على لغم دفين, أما هي فظلت تجوب المكان وكأنما تحفظه عن ظهر قلب. تبعتها وأعماقي تهتف: انتظري! لا أريد لهذا الجمال أن ينتهك على يد لغم لعين, وعيناي تراقبان بشغف شعرها الأصفر وعينيها الملونتين الجميلتين. لا ريب أنها كانت تعيش مدللة مرفهة في إحدى الفيللات القريبة. ودون شك أنها وجدت في مقرنا ملجأ آمنا بعد أن أقضت الحرب مضجعها, ولم ترحها في مكان. فكرت أن أدرج صورتها في أحد مواقع التواصل الاجتماعي لعل أهلها يتعرفون إليها, غير أنني غيرت رأيي لاحقا بعد أن اعتدنا وجودها وخشينا أن يأتي أفاق إلينا ويدعي ملكيتها, فليس للقطط بطاقات شخصية في بلادنا. حتى البشر لا يحملون بطاقات شخصية, ففي الحروب لا تكون بطاقتك سلاحا لك بل ضدك أحيانا.
أين عساهم أهلك؟ ساءلتها في حنو. نظرت إلي بعينيها الجميلتين الناعستين. أغمضتهما في دلال, وأطلقت آهة ناعمة كأن مصدرها وتر من أوتار الكمان.
– هل أنت جائعة؟ متى كانت آخر مرة أكلت فيها؟
جهزنا الطعام على عجل. طبيخ بطاطس عليه بعض قطع لحم العجل. ملأت لها صحنا وأشرت إليها بيدي.. تفضلي! كلي! اقتربت من الصحن. نظرت إليه ثم تأملتنا في صمت وابتعدت.
لابد أن تأكل. إنها مدللة. يبدو لنا أن طعامها كان خاصا جدا. إنها لا تأكل أي شيء. ألم تعتد الخشاش في هذه الحرب؟! الدلال والحرب نقيضان لا يستقيمان. إن أرادت العيش عليها أن تأكل.
اقترب الحارس منها ومسد شعرها الأشقر بيده فأغمضت عينيها في انتشاء ثم قال: لعلي سأجد لها شيئا في المخزن.
كنا قد ملأنا المخزن ببعض التموين حتى لا نضطر إلى ترك المقر خاويا, فيتعرض للمخربين والسارقين. عاد الحارس وقد فتح علبة سردين فأقبلت عليها تلتهمها بنهم..
لعدة أيام كان طعامها السردين المعلب قبل أن تتنوع ذائقتها وتنفتح على صنوف مختلفة من الأكل. سررنا بمراقبتها وقد كسيت عظامها لحما بعد هزال.
لكن يوما لا يختلف عن بقية الأيام نبهنا إلى خطر يحدق بقطتنا الجميلة. قط ذكر شبق يتربص بها. أكلتنا الغيرة فلم يكن عريسا مناسبا لها لا شكلا ولا مضمونا. نظرته شرسة عنيفة كأنه لا يزال يخوض قتالا في أحد المحاور. ومشيته لا تنبئ بأنه لطيف في المعاشرة, ناهيك عن قذارة غير مألوفة لقط تعتري جسده, وبقعة محمرة كبيرة مطبوعة قرب فخذه الأيمن تؤكد أنه سليل حي يعج بالعراك والمشاكل, أما لونه فكان (قنطشي) داكن أكثر. لم يضايقني فيه شيء بقدر ما ضايقني نصفه السفلي عندما كان يتحرك. ذكرني بسائق حافلة كوستر منتفخ الشدقين كان يغوي فتيات المعهد اللائي تعهد بنقلهن لتلقي العلم, فكان يختلي كل يوم بواحدة تحت أشجار ساحة الفروسية خلف مطعم البطريق.
تكفل واحد منا في كل مرة بإبعاد الخطر المحدق. كنت مصرا ألا يقترب هذا المسخ من فارسيتنا الجميلة. وقد وقف متحديا ذات يوم إلى حد أنني خلته منتصبا على قائمتيه الخلفيتين, يمسك بحسنائه من يدها, ليقودها وهي تتدله إلى حافلته الكوستر التي ركنها في سفور أمام باب المقر بالذات ليبتعد بفتاته إلى مكانه المفضل خلف البطريق.
رميته بحذائي الكهربائي الصلب. زمجر في غضب ونظر إلي نظرة قائدي المحاور الملتهبة وسب دين أبي. نعم. هذا ما فعله تحديدا. فالصوت الغليظ الغاضب الذي صدر منه لم يكن له من تأويل إلا “دين بوك”. والكلام الذي سبقه لا يحتمل التأويل. إنه يتكلم. أكثر حيوانات تحدثت معي في أحلامي هي القطط. لهذا لم يبد مشهد فم قط المحاور وهو يزمجر لي غريبا.
غير أنه من الصعب أن نخرق ناموس الطبيعة أو نمنعه, فالأيام التي تلت ظهور قط المحاور الشرس في حياة فارسيتنا الجميلة أنبأتنا أنه نجح في تحديه, فقد انتفخ بطنها وشرعت تتحرك ببط. لم يعد يهمنا متى فعل ذلك. فلو أنها لم تكن مستجيبة لنداءاته النزقة معجبة بها, لما حدث ما حدث. التحدي القادم أكبر. سنضطر إلى تربية أطفال من أب (بيئة) ليس من طينتنا, ونحن يعز علينا أن نربي أطفالنا. تربية الأطفال في زمن الحروب أمر صعب ومرهق.
ووضعت الفارسية صغارها. كانوا كلهم ذهبيي اللون مثل الأم, قطيطان وقطيطتان. إحدى القطيطتين كانت شبيهة بأمها تماما. لم يرث الثلاثة من أبيهم سوى شعره القصير. وأحد الذكرين كان له نصف سفلي شبيه به, نصف سائق حافلة الكوستر.
كبرت القطط بسرعة, وانتشرت في الأرض. أهديت شبيهة
أمها إلى صديق لنا. سعى الذكران إلى النواحي القريبة حتى اختفيا تماما. وبقيت القطة الأخرى تونس وحدة أمها.
ومن جديد عاد قط المحاور الشرس إلى تحديه. وعادت أحذيتنا وأحجارنا تلاحقه. مارس هوايته في إزعاجنا وسب دين والدينا. حتى تآمرت فارسيتنا الحبيبة وخانتنا ودعته إلى مخدعها في غفلة منا, فهي وحدها التي تعرف نقاط غفلتنا. انصرف بعدها القط المقاتل تاركا أثرا لجريمته في بطنها. والأثر هذه المرة كان أثقل حملا. ورأيتها أكثر من مرة تئن في ألم ولا تقوى على الحراك. نظرت إليها في حنو قائلا: على نفسها جنت براقش. كل شي من الله إلا أكل العيش الحامي.
سافرت في مهمة عمل ثم عدت إلى المقر وبدأت في البحث عنها. لم أجد لها أثرا. في فترة الغداء لم تظهر إلا قطتها الشقراء كأمها قصيرة الشعر كأبيها. سألت عنها ببساطة: أين الفارسية المحبوبة؟
– ماتت.
قالها الحارس ببساطة أشد.
– كيف ماتت؟
سألت وقد علت الغصة حلقي فجأة.
– ماتت وهي تضع صغارها. وضعت صغيرين فقط ثم ماتت. لحق بها صغيراها من بعدها.
منعني الحياء أن أذرف دمعتين ظلتا تراودان مقلتي. تمنيت أن تسامحنا, فنحن لم ننجح في أن نحضر لها عريسا مناسبا, ولم نفكر في أخذها إلى البيطري عندما كانت تئن. سامحينا يا “بيرسي”. الحالة حالة حرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: