الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد رضوان الكاشف

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد رضوان الكاشف

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 67 لميلاد ” مخرج الواقعية السحرية و القاسية ” و ” ساحر الصورة الشعرية السينمائية ” و ” أستاذ جماليات الإختلاف ” المؤلف و المُخرج السينمائى الثورى اليسارى الكبير و القدير رضوان الكاشف و الذى يُعد أحد أبرز الجيل الثانى من مُخرجى الواقعية فى السينما المصرية ” مع زميله ” أسامة فوزى ” و ” سيد سعيد ” و ” يسرى نصر الله ” من ورثة الجيل الثانى من المُخرجين الواقعيين الذى مثله ” خيرى بشارة ” و ” محمد خان ” و ” داوود عبد السيد ” و أواخر أعمال ” عاطف الطيب ” و هو الجيل الذى أكمل ما بداه الواقعيون الكلاسيكيون من أمثال ” صلاح أبو سيف ” و ” يوسف شاهين ” و “هنرى بركات ” و ” توفيق صالح ” و الذى نجح ” رضوان الكاشف ” فى أن يخلق لنفسه مكانة خاصة بين نجوم الإخراج ليضع اسمه بين الكبار الذين تنبئوا له بمُستقبل مُبهر منذ بداياته بعدما كان حيرنا كثيراً فى أعماله السينمائية فهل هى واقعية أم ضرب من الخيال ؟ لذلك صُنف على أنه ابن مدرسة الواقعية السحرية التى تمزج الواقع بجزء من الخيال ,, ” أريدكم ..نعم أريدكم جميعا .. سترحلون معى إلى هناك وراء ألف جبل و ألف نهر و نهر و بحر .. إلى بلاد يفصِلها عن نجعكم شموسٌ و أقمار لا تعد و لاتُحصى و أوطان لا ترونها فى شواشى نخلاتكم العاليات .. و أنتُن يا من تعتلين أسطح الدور يا ملح الأرض .. يا صانعات الخير و الشر و السُكون و القلاقل ستلبسن الحرير بعد أن كُنتن تتشمْمْنَ خُيوطه من الحِكايات المُتوارثة .. فلتُزغرد قلوبكن ” المقطع السابق ليس قصيدة شعرية بديعة من شعرنا الحديث إنما هى مقطع من حوارٍ فى بداية فيلم ( عرق البلح ) و هو إحدى إبداعات المُبدع رضوان الكاشف ذلك الفنان الموهوب و المُجتهد و الذى يؤمن كثيراً بما يفعل حتى لو كلفه الأمر الكثير ! و هو ما جعل الكثير من النُقاد الفنيين ينعتونه بـ ” شاعر السينما المصرية ” و ” ساحر جماليات الإختلاف ” بل كان أيضاً صاحب الفتوحات الفنية المُهمة فى قصائده السينمائية البديعة و مكانة الكاشف الفنية ما تزال شاغرة بعد رحيله مُنذ 17 عاماً و لم يشغلها أحد بعد أن استطاع امتلاك أدوات فنية خاصة ساعدته على أن ينفذ مشروعه السينمائى الكبير الذى ترجم من خلاله تفاصيل المُجتمع بإظهار الجمال وسط القبح الحياتى فانصهرت فى أعماله الألم الاجتماعى بالهمس السياسى بالحس الجمالى ليفضح كل ما يعانيه المُجتمع بصورة شاعرية بسيطة أثارت الدهشة و المُتعة فى صفوف الجماهير .. ولد الكاشف فى 6 / 8 / 1952م فى حى السيدة زينب بمُحافظة القاهرة بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة يوليو العظيمة إلا أن جذوره من صعيد مصر ” بكوم أشقاو ” بمُحافظة سوهاج و أستقر بعد ذلك فى حى منيل الروضة بالقاهرة وسط أسرة مُتوسطة الحال و حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة من جامعة القاهرة عام 1978م و شارك مع ألاف المُثقفين و ملايين شعبية فى إنتفاضة ” الخُبز ” فى يناير 1977م التى أسماها الرئيس السادات بإنتفاضة الحرامية ! و اتُهم بالتحريض عليها مع أخرىن و تم القبض عليه مرة أخرى عام 1981م فى حملة السادات لإعتقال عدد من المُثقفين المُناهضين لإتفاقية كامب ديفد .. لم يرد الكاشف دخول السينما من باب الهواية فقط فقرر الإلتحاق بمعهد السينما الذى تخرج فيه مُتصدراً دفعته لعام 1984م ثم عمل مُساعد مُخرج فيما يقرب من عشرين فيلماً مع المُخرجين يوسف شاهين و رأفت الميهى و داود عبد السيد و أخرىن مثل علاء محجوب و وحيد مخيمر و حصُلَ على أول تقدير رسمى له بمشروع تخرُجه ” الجنوبية ” الذى كان فيلم 16مم روائى قصير مُلون فقد منحته وزارة الثقافة عام 1988 جائزة العمل الأول .. يأتى تفرد الكاشف من خلال تمتُعه بروافد فنية و ثقافية و ذاتية عدة كان من بينها أصله الصعيدى و دراسته الفلسفة و علم الجمال فى قسم الفلسفة فى كلية الآداب جامعة القاهرة و قد ألف من خلال دراسته هذه كتابين أحدهما عن خطيب الثورة العرابية ” عبدالله النديم ” و الثانى عن فيلسوف الأدباء و أديب الفلاسفة المفكر الدكتور ” زكى نجيب محمود ” كما يُعدُ الكاشف من مُخرجى تيار ” سينما المؤلف المُتكامل ” بمعنى أنه ينقل رؤية المؤلف أكثر ماينقل رؤيته هو فكان فى سينماه يختلط الألم الاجتماعى بالهمس السياسى بالحس الجمالى و تحديداً فى أفلامه الروائية الطويلة كاشفاً عن عددٍ من الحقائق المؤلمة التى عانى منها مُجتمعنا المصرى لعقودٍ عدة و لكن بغلالة شعرية لا يضاهيه أحد فيها فكم كان موفقاً فى أن يظهر و يقول كل ما يريد بأسلوب جمالى و شاعرى أخاذ من دون أن يخدش رؤيتنا الفنية مُعبراً عن قضايا يجعلنا نتعاطف معها فى أفلامه و عَبَرَ أبطالها عن أفلامه التى كان من أهم هواجسها قضية التهميش و غياب الإعتراف بشخصيات البشر و هويتهم و وجودهم و الإفتقاد للعدالة الإجتماعية و المُساواة و كانت قدرته فائقة على إثارة الدهشة فينا و تقديم الأشياء و الأشخاص برؤى جديدة لم نكن ندركها من قبل و قد وُصفت أعماله بالواقعية القاسية و أحياناً بالواقعية السحرية ! و من أشهرها ” الساحر ” و ” ليه يابنفسج ” و ” عرق البلح ” و الأخير كان هو مشروع العمر بالنسبة لرضوان الكاشف و كان يحمل من داخله إصراراً على ضرورة رؤية هذا المشروع للنور حتى مع كافة العقبات التى واجهته بحثاً عمن يوافق على إنتاج هذا المشروع الطموح و رفعه من دور العرض المصرية بعد أسبوعٍ واحد فقط من عرضه ! بالرغم من استمرار عرضه فى دور العرض الفرنسية لمدة ستة أشهر و رغم كل هذا فقد صار لهذا الفيلم مُريدين بأثر رجعى مع مُرور الوقت و خاصة بعد عرضه على شاشات الفضائيات العربية لأن الكاشف وضع فى الفيلم مزيجاً سحرياً لا يقاوم فكان خليطاً من زمن سحرى غير مُحدد المعالم فى قالب أسطورى بمثابة برزخ بين الواقع و الخيال و حيز مكانى بكر مصحوباً بافتتان بصرى ببيئة الجنوب المصرى باﻹضافة إلى قدر محدود و محسوب من النزعة الحسية و النزوع نحو الطقوس و ذلك نتيجة لحالة التأمل التى وضعها الكاشف فى عقل المُشاهد بسبب حركة الكاميرا ! كى يخلق عند المشاهد حالة من الجدل النفسى ليصل فى النهاية الى المُراد المطلوب و هو ما استخدمه الكاشف فى جميع افلامه و التى أتسمت بالبهجة و الفرحة برغم حُزن شخصياتها و تعمقهُم فى الأحزان و كذلك فيلم « ليه يا بنفسج » الذى لم يكن غريباً مُطلقاً أن يقع اختيار الكاشف على أغنية صالح عبدالحى الشهيرة ( ليه يا بنفسج ) لتكون هى لسان حال الفيلم  و إعلاناً عن مولد نجم جديد و كبير فى السينما المصرية و خليفة مُنتظر لكبار مُخرجى و علامات هذه السينما و الذى كانت فحوى قصتة رجل مُصاب بالعماء و تخونه زوجته و برغم من ذلك فانه يحب الحياة و يحاول أن يصل بقُدراته التى يثق فيها الى بر الأمان من خلال موهبة التلحين و اللعب على أوتار العود مُجسداً حياته و الألوان التى لم يرها و هو ما شاهدناه أيضاً فى فيلم ” الساحر ” الذى يرفع شعار الإنتصار على الأحزان و الحقيقة أن الكاشف قد بدأ مُتميزاً مُنذ ما قبل ذلك حين كان يكتب فى النقد السينمائى و يناضل فى سبيل القضايا الكبرى على الرغم أنه كان مُقلاً فى أعماله و قد رد على هذا الأمر فى أحد حواراته الصحفية فقال بأنه يبحث دوماً عن العمل الجاد و هو ما يحتاج الكثير من الوقت كما أنه يحتاج إلى مُنتج يؤمن بأفكاره لدرجة أنه ظل يبحث لعشر سنوات عن مُنتج لفيلم ” عرق البلح ” مُضيفاً أنه عاشق للتفاصيل و لذا يستغرق التحضير للفيلم و تصويره الكثير من الوقت .. تزوج الكاشف من ” عزة كامل ” التى أنجب له ” عايدة ” فى عام 1990م و” مُصطفى ” فى 1997م و قد ترجمت الأيام أفلام الكاشف بصدق كبير بعدما ظلت أعماله الفنية فى مواجهة الأفلام التُجارية التى يبحث المُنتجين من ورائها عن تحقيق الربح أولا و قبل أى شيئ حتى و إن كانت بلا قيمة أو رسالة أو هدف ليثبت الكاشف للجميع أن العمل الصادق وحده يبقى و يعيش ليُدهشك فى كل مرة تُشاهده فيها و ظل على هذا المنوال إلى أن صعدت روحه إلى بارئها فى 5 / 6 / 2002م ليرحل عن عمر يُناهز الخمسين عاماً فقط ! على إثر أزمة قلبية بعد رُجوعه من مهرجان ” روتردام ” فى هولندا الذى شارك فيه بفيلمه الأخير ” الساحر” و قد كان رحيله صدمة لكل عُشاق السينما المصرية و عُشاق سينما رضوان الكاشف ذات الحِس الجمالى الشاعرى و السحرى و الإجتماعى الفائق خصوصاً أن الكاشف قد رحل فى سن صغيرة و هو فى قمة تألقه بعد أن قدم أفلاماً قليلة مُهمة و كنا نطمح إلى المزيد من عطائه الفنى المُبهر بلا حدود و لكنها إرادة و قضاء الله عز و جل .. رحم الله رضوان الكاشف و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: