الجمعة , أغسطس 14 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / هموم ثقافية : حسن أبو قباعه المجبري – ليبيا

هموم ثقافية : حسن أبو قباعه المجبري – ليبيا

هموم ثقافية
ورقة رقم (2)
الحاجة أشد إلحاحا إلى استحداث مناهج ثقافية تعليمية
بقلم / أ. حسن أبوقباعة المجبري
(1)
إيمانا منا بأن الثقافة في مجتمعنا الليبي في حاجة إلى مزيد من الجهد الهادف لتحقيق المعرفة المستمرة والفهم والوعي ، نرى ضرورة بذل كل الجهود والمشاركة الجماعية ، وخصوصا من ذوى الاختصاص ، على أوسع نطاق ممكن تحت أنماط ثقافية ، علمية محكمة للدفع بهذه الأهداف الثقافية النبيلة ، ولتحقيق هذه الأهداف والطموحات، لابد لنا من الإثراء بمقترحات إستراتيجية ذات مقاصد متنوعة تدعم جادة العمل في البناء الثقافي الإنساني الليبي السليم .
ما يجب الاعتراف به أن الثقافة بالمجتمع الليبي تمر بمنعطف سلبي بالغ الخطورة وذو أثار وأبعاد سيئة متتالية ستطال حتما حاضرنا ومستقبلنا ، ضمن أسباب هذا المنعطف في الأصل هو غياب ترتيب البيت الليبي وضبط قواعد ونظم وسياسية هذا البيت وكذلك غياب الحسم للأوليات والاختيار الواعي للقيم الكفيلة بإصلاح هذا البيت .
لم يعد خافيا على المتابع والمتأمل في اتجاهات ثقافة المجتمع الليبي، بان اغلبها لم تعد بذي صلة بالدين والعرف والفضائل التي طالما ميزتنا عن بقية مجتمعات العالم ، نتج عن هذا انحرافاً عن الأصول ، وغياباً لمعظم الأعراف والأخلاق وكذلك الكثير من أسس عقيدتنا الإسلامية الحنيفة ، وأدى كل هذا إلى إنتاج أزمات نفسية أوجدت في داخلنا أنماطا مفرطة أكثرها سلبية كالحمية القبلية الجاهلية والأنانية واللامبالاة بحقوق الآخرين .
نكسة ثقافتنا ، بكل أبعادها ، واضحة ولم تعد بحاجة إلى كثير من الجهد لإثباتها . فشلت ثقافتنا فشلاً ذريعاً وشهدت هزائم جسيمة، وأخفقت في تحقيق ادني درجات الاستقرار الثقافي داخل مجتمعنا الليبي .
قد يعود الفشل إلى سلسلة من حقب الاستبداد والقهر والإذلال التي مر بها المجتمع الليبي ، إلا أننا نرى أن كل التعدادات والمحاولات الثقافية التي تعرض لها المجتمع الليبي حتى يومنا هذا ، لم تؤسس اغلبها على علم أو منطق أو تاريخ أو حتى على نمط مقلد مشهود له .
معركتنا الثقافية الحالية ، في الحقيقة ، هي معركة مع الواقع الليبي الداخلي، ومن ثم يتحتم علينا ضرورة إعادة النظر في الأفكار والآراء والنشاطات المتصلة بتكوين هذه الثقافة .
… نحن في حاجة ماسة إلى نوعية جديدة او متجددة من الثقافة تربطنا برباط وثيق بسلسلة التشريعات والثقافات والمبادئ الإسلامية .
..لابد أن تكون هذه البدائل المنشورة صحيحة ، خالصة ومعتدلة من حيث المنبت والتربية والتكوين كما هو الحال قبل ولوج المتطرفين الذين حولوا من طرحهم ومعالجاتهم لقضايانا الاجتماعية الثقافية مبررا لارتكاب ما لم يقره الدين الإسلامي الحنيف .
.. نحن في حاجة إلى ثقافة تُنمي فينا اليقظة الشديدة والحيطة الواسعة والبصيرة النافذة .
قد يكون ضمن أسباب التدهور الثقافي، سبباً ناتج عن الواقع الاجتماعي والفكري الليبي وذلك بفعل تفاعل الظروف السلبية التي مر بها مجتمعنا الليبي من تحديات ومؤامرات خارجية كانت جميعها تهدف إلى إجهاض وإعاقة تقدمه واستقراره .
… ولكن ، ومهما كان واقع هذه التحديات ، وجب على جمهور المثقفين ان يبدؤا في تعزيز أواصر ثقافتنا الإسلامية الصحيحة لأنها هي الضمانة الأكيدة والصلبة والكفيلة بإصلاح أوضاع ثقافتنا الاجتماعية المتردية وسد كل منافذ الخرق لثقافتنا .
..المجتمع الليبي لا يعيش الان في مرحلة اجتماعية ، سياسية ، اقتصادية وأمنية شائخة أو هرمة وإنما يعيش في مرحلة ثقافية متخلفة ، والمتأمل في أحوال المجتمع الليبي الان يرى امامه وبكل وضوح ثلاث صور رئيسية تحدد ، فيما اعتقد ، معالم الأزمة الثقافية الليبية التي نُعانيها الان .
وتتلخص هذه المعالم ، أولا ، في غياب الدور الاجتماعي ومساهمته في معالجة وتصحيح الوضع في بلادنا .
… ويعود ذلك إلى غياب التوعية الشعبية المحلية القادرة على توجيه الشباب إلى النهوج السليمة التي تخدم مصالح البلاد والمجتمع .
..وثانيا تتجسد في أزمة العلاقة بين الفرد والسلطة .
مرجعية هذه الأزمة ، أزمة العلاقة بين الفرد والسلطة هو أن الفرد والمجتمع الليبي قاصر على فهم الدور المناط بالسلطة في مجتمعنا ، فالسلطة أو الحكومة لا تزيد عن تجسيد بيروقراطي لنظامنا السياسي الاجتماعي السائد .
الدليل على ذلك لهذا النظام هو ان كل عناصر هذه السلطة نابعة من المجتمع الليبي نفسه .
كل مانُعنيه بذلك هو انه على المواطن والمجتمع الليبي ضرورة الحرص على حقوق هذه السلطة واحترام استراتيجياتها التنفيذية ذات العلاقة ، وقبل كل شيء ، بتنفيذ طموحات والأهداف التي يصبوا لها المجتمع الليبي .
فالسلطة هي صمام الأمان لضمان كل الحريات الفكرية والحقوق القانونية للأفراد والجماعات بالمجتمع .
اما فيما يخص أزمة العلاقة بين الفرد والمجتمع فهي تأتي ثالثاً و تتلخص في فقدان المجتمع الليبي لقدرته على الاستمرار كمرجعية قيمية وأخلاقية للفرد في مجتمعنا الليبي وكذلك الاستمرار المتزايد في اضمحلال السلطة الأبوية في الأسرة .
هذا الاضمحلال ، وللأسف ، لم يتوافق مع صعود القيم الأخلاقية بل ساهم ، ويقدر جلىٍ وكبير ، في انهيارها مما ساهم في استحلال وامتداد حالات الاستباحة والتسيب القيمي والخلقي وأصبح الناشئ في مجتمعنا اعزل من اي دفاعات ومصابا بمرض فقدان المناعة الأخلاقية المكتسبة .
قد نتج عن هذه الأزمات المذكورة أعلاه تراجع حاد للثقافة الإسلامية الصحيحة على صعيدي الإنتاج والتناول . لذا لابد لنا من استحداث منهجاً ثقافياَ تعليمياً جديداً تتركز مجهوداته على إنتاج وعي إنساني يمتلك سائر مقومات التأثير الفعلي في مستقبل مجتمعنا الليبي للحد من انتشار سلبيات الانحطاط الثقافي الذي نعيشه الان . ولابد ان يكون هذا الاستحداث على نطاق وتداول واسع حتى يصل ويؤثر ويصلح كل ليبي في عقر داره .
هذا الاستحداث يتطلب الحد من التفكك الأسري والإخفاق التعليمي كخطوة أولى لتحقيق اي تصحيح او تقدم ثقافي . ولابد للأسرة الليبية ان تكون طريقا سالكا امام التقدم الثقافي ولابد للتعليم ،بشقيه الكمي والنوعي ، ان يكون شمولياً بحيث يشمل كافة الفئات الاجتماعية الشابة والناشئة في مجالات معرفية غير محدودة وغير مُقلدة في الأساس .
صحيح أن معدلات التمدرس في ليبيا تفوق ثلاثة أرباع المجتمع الليبي ولكن ما يجب أخذه في الاعتبار هو نسبة المستفيدين من هذا التمدرس في مراحل التعليم الأساسي ومراحل ما بعد التعليم الأساسي وهي ، وللأسف ، شبه هزيلة بل ومخجلة نجم عنها في النهاية حرمان جيشً اجتماعيً هائل من فوائد التحصيل والتكوين التعليمي والثقافي على حد سواء .
نحن نقر ونعترف ان الإخفاق التعليمي ، وللإنصاف يرجع إلى شحة الإمكانيات اللوجستية وضعف الموارد والبنية الأساسية للتعليم .
ولكن الأكثر تأثيرا وفاعلية ، والذي أدى إلى هذا الإخفاق يرجع في الأصل إلى الطبيعة التصفويه للنظام المدرسي المنهار .
كل المراجع والبرامج التكوينية التعليمية والثقافية تعاني من قصور خطر على مستوى توفير احتياجات المجتمع الليبي المعرفية والثقافية مما نجم عن ذلك تخرج أفواج هائلة ، ودفعات متلاحقة من إنصاف المتعلمين والأميين ثقافيا وممن لا يستطيعون نقع أو دفع مجتمعنا إلى الأفضل وأصبحت هذه الأفواج وهذه الدفعات كابوسا جاثما فوق صدر مجتمعنا الليبي المتهالك بدلا ان تكون تحقيقات لحلم نهضويا متقدم .
الخلاصة ان الخلل الناتج عن التقصير في العمل الوظيفي الطبيعي للمدرسة والأسرة والإخفاق في النظام التعليمي والتفكك في بنية الأسرة في مجتمعنا الليبي كان ومازال وراء الامتداد الشامل والذي لا يحتاج إلى إي برهنه وأدلة للانحطاط الاجتماعي والثقافي الذي نعيشه الان .
الاستحداث المطلوب يستوجب ، وبكل الإمكانيات المتوفرة والمتاحة ، الأنظمة الثقافية الجديدة وخصوصا الأنظمة الإعلامية المقروءة والسمعية والبصرية على أوسع نطاق ممكن ويجب ان تكون هذه الأنظمة ليست فقط مجرد تقنية للتلقين فحسب بل ككيفية جديدة لخلق الوعي والتعبير والدقة والنظام والوسيلة للحد والقضاء على الانحطاط الثقافي الليبي .
يجب ان يكون لنا تنوع في المقاصد والاستراتيجيات للنهوض بالثقافة في مجتمعنا الليبي .
ويجب ان لا تقتصر هذه المقاصد والاستراتيجيات علي نشاطات ثقافية مستهدفة ومعينة فقط …وإنما استراتجيات أخري لقضاء علي كل العراقيل التي قد تعوق هذه الأهداف . واستراتجيات أخري التي من شأنها تضمن استمرار المعرفة والفهم والوعي واستقطاب العناصر الليبية والعربية المؤهلة لإنجاز مهامنا الثقافية.
.. ضمن الإستراتجيات التي يجب إتباعها ، كذلك ، هي التي من شأنها إعادة صياغة المناهج الثقافية الكفيلة لتحقيق الثقافة المنشودة وإستراتجيات لتفعيل استخدام التقنيات الحديثة للمساهمة في خلق ثقافة اجتماعية نهضوية فاعلة واستراتيجيات لتحقيق التعاون الثقافي بين القطاعين العام والخاص بالمجتمع الليبي واستراتيجيات أخرى لمشاريع ثقافية طارئة في حالات الأزمة .
لذا نحتاج ، وبدون ادنى درجات الشك إلى اعادة النظر في كل الأعمال الثقافية العربية المشتركة وتفعيلها على مستوى مشاريع ثقافية على اختلاف نوعياتها وأحجامها ، والاستفادة بقدر الإمكان ، وبما يتوافق مع مصالحنا وطبيعتنا ، من كل الاتفاقيات الثقافية على المستويين القاري والعالمي .
نسأل الله أن يهئ لنا دائما المناخ الملائم لإثراء ثقافتنا وتوجيهها إلى المسار الصحيح ذو أصالة توافق واحتياجاتنا المنبثقة من عقيدتنا الإسلامية الحنيفة ….
وان يوفقنا الله سبحانه وتعالى في اعداد جيل متعلم متعقل ومثقف .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: