الإثنين , سبتمبر 23 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / سماح…..روايه قصيره بقلم محمد الصباغ

سماح…..روايه قصيره بقلم محمد الصباغ

كان شلال الذاكرة يهدر ما به ؛ كان يهدر علي العدم وعلي النسيان النهائي وعلي المجهول ؛ وحين تواصل هدره ؛ صادف هو سمكة صغيرة وحيدة منزوية في أقصي الذاكرة وكانت السمكة الوحيدة المنزوية هي صديقه الصغير الذي طواه النسيان منذ زمن بعيد وقد أعاده إلي الوعي هدر الذاكرة الذي تواصل بعد أن تقدم في العمر حتي زهق من الحياة ؛ كل الحياة ؛ حتي ما كان يخصه منها وما كان قد صنعه فيها وقد تمني أن يترفق بماضيه النسيان ؛ فلا يعدم ما صنعه رميا بالرصاص ولكن يتركه يموت بالذبول .

1

غابت قصتي معه حتي طفت بعد سنين ؛ من حيث غرقت ؛ وكنت فعلا قد نسيته ونسيت بلدتنا التي تعارفت عليه فيها وتصادقنا سنتين أو أكثر قليلا ؛ كانت تلك الأيام هي الأسعد بالنسبة لي وكذلك كانت هي المؤسسة للكثير مما بقي عميقا في شخصيتي وفي طباعي ولقد تذكرته حين كنت أعد دراستي عن الحرب التعيسة التي أتعست الشعب منذ تجرع تعاستها وحتي نهاية التاريخ ؛ فإن كان قد فني أغلب من أحدثوها أو شاركوا فيها ؛ فقد فنوا كأشخاص ولكن بقي الحدث جرح شق الأرض وولد مرارة لا تفني ؛ بل تنتج كل فترة مزيد من المرارة وجيل جديد من الممرورين التعساء ؛ بشقاء الفقر والهوان في الوطن .

2

كان صديقي القادم لمدينتي بعد أن وقعت الحرب في مدينته مخلفة المأساة التي ما ماتت منذ حدثت ؛ كانت المأساة قد أنهت الحياة المدنية في مدينة صديقي الذي صادقته بعد أن سكنوا في بيتنا ؛ في الشقة الصغيرة التي تجاور المساحة التي يبدأ منها سلم الصعود للأدوار العليا الثلاثة من البيت ؛ حيث كنا نسكن الدور الأخير ومعه السطوح ؛ الذي كان مكان لهونا وتجمعنا . أتي صديقي في عام الهزيمة ؛ فكأن المأساة وقعت لكي يأتي صديقي ليثري عالمي منذ آتي وحتي رحلوا وعادوا إلي مدينتهم ولم تنتهي الحرب بعد . صورة صاحبي المطبوعة فوق تماوج روحي ؛ كانت تذكري بكثافة الحزن الذي أصبح يحوطنا من كل جانب بعد أن حدثت الهزيمة ؛ فحدثت في ذيلها المأساة التي صاغت حياتنا بعدها .
كان صديقي القادم لشارعنا وبيتنا وسطوح بيتنا ؛ حيث كنا نعيش أغلب وقتنا ولعبنا ؛ كان محملا بخبرات تفوق خبراتي وكأن عمره لا يناظر عمري !! بل وكأنه يكبرني بعدة سنوات رغم أن عمره وقتها كان لا يزيد عن عمري إلا عامين فقط .
لقد أتوا مهجرين من مدينتهم في صحبة موجات المهجرين الذين أجليوا عن حياتهم التي كانوا يعيشون فيها ؛ وقد أصبح وجودهم لسبب عام مصدر الم ؛ فهم يجسدون واقع المأساة التي وقعت وفداحة الهزيمة التي دمرت كل شيء ؛ حتي الصورة الأجمل والأكبر التي كانت لحاكم الدولة في خيالنا .

3

بعد أن وقعت المأساة ؛ وقد هزمنا في حرب كنا نظل قبلها أننا سوف نمحي العدو من الوجود ومعه كل الأشرار الكبار في الكون وكل الشياطين ؛ أصحاب النار التي تخرج من عيونهم ومن أفواههم ومن أدبارهم ؛ وكل العفاريت التي تخيفنا قبل نومنا وأثناء نومنا ؛ حتي أنها كانت تخيفنا في أحلامنا ؛ كنا نظن أننا من خلاب الحرب ؛ التي نسمع أطراف الأحدايث وفي الراديو وفي الجامع ؛ أننا سوف ننتصر فيها ؛ حتي أن هذا النصر سيشمل انتصارنا علي كل من كنا نكره جيراننا في البيت وكان هذا أمرا مفروغ منه ؛ ننتظر قليل من الوقت ليحدث ؛ فكان نتسلي حتي يحدث بإنتهاء عام الدراسة للأكبر سنا من عائلتنا لكي نذهب للمصيف حيث اعتدنا أن نذهب كل عام في شهور المصيف الثلاث ؛ يتركنا أبي ويرجع إلي عمله ويعود إلينا في ظهيرة الخميس ويغادر في صباح السبت .
كنا نظن قبل الحرب وقد تقمسنا أدوار الحكام المحاربين ؛ أننا سوف نغير الكون لنعلو فوق كل الشعوب ؛ وسوف نعيد رسم العالم بحيث يصبح زعيمنا هو حاكم كل الدنيا ؛ والكل يطيعه والكل يأتي لها بالهدايا والدهب ؛ سوف يأتي الكل ليكونوا عبيدا لنا وتحت أقدامنا ؛ سوف يأتوا ليكونوا غنائم لنا كلنا ؛ وكل عائلة سوف تأخذ جزءا من الغنيمة ؛ حيث يصبح ذهبهم الكثير تحت أرجل حاكمنا ؛ الذي دون أن ندري وسواء كنا صغارا أو كبارا ؛ كانوا قد غسلوا عقولنا ؛ لتظل صورته هو طاهرة أبدا ؛ نظيفة دائما ؛ نأكل لأنه يوفر لنا الطعام ونعيشرالأمن والآمان ، لأنه هو الذي يحمينا .

4

فجأة حدثت الهزيمة والإنكسار ؛ وقد صدمت سنوات عمري العشر ؛ وكنت أتعجب رغم صغري مما حدث وكيف حدث ؟!
كانت المدارس قد توقفت ؛ وأخليت ؛ وأتي الأهل من مناطق الحرب والقتال والهزيمة ؛ ليفروا إلينا ليختبئوا داخلنا ؛ أتوا جائعين علي عجل مسوقين في وجوم وهلع وقلق وضياع ؛ أتوا ليقتسموا معنا رغيف الخبز والأمل في أن ننام ونصحوا لنجد الهزيمة قد محيت والمعاناة قد انتهت والنصر قد حل .

5

كان صديقي وأبيه وأمه قد أصبحوا أصدقائنا : أبيه صديق أبي وأمه صديقة أمي وهو صديقي الأفضل ومحل عطفي وحبي وشفقتي ومواساتي ؛ فقد كنت دائما أتصور أني قد حللت مكانه هو في المأساة وأنني قد نجوت من مثيل وضعه وحالته ومصيره ؛ لكوني أبن أبي وأمي هي أمي وأخواتي هم أخوتي وقد نجونا من الحرب لأننا نعيش في مدينتا التي تبعد عن مكان الحرب ؛ وأن هذا هو قدرنا الآمان ؛ وأن صديقي وعائلته حظهم عاثر فقد ولدوا وعاشوا منذ سنوات علي بعد ليس طويل من خطوط إطلاق النيران ؛ بل هم يعيش في جبهة القتال .

6

لم أكن أشارك من كانوا يظنون أن “المهاجرين ” دخلاء علي حياتنا ؛ أزحموها وأفسدوها وهم مختلفون عنا ، وقد تغيرت الحياة في مدينتنا للأسوأ بوجودهم : بناتهم مستباحات لنا ؛ والأمهات منهن يقبلن معاشرة الرجال الأغراب ؛ لأجل المال وأيضا لأجل الفحش ؛ وهم بطبعهم يقبلون الأعمال المتدنية والحقيرة ؛ بل أن الأفكار الحقيرة تخرج منهم ؛ هم مثل الأعداء شياطين والقليل منهم هم الطيبين ؛ لأنهم تخلصوا بالهزيمة في الحرب من طبيعتهم الشريرة . هم سبب الهزيمة التي حدثت وهم عبئها ولولاهم ما حدثت الهزيمة ؛ فهم إما خانوا أو أنهم لا يحسنون القتال ؛ وأن الحاكم قد أخالهم عن مدنهم ؛ حتي لا تتكرر الخيانة ؛ وحتي يستطيع أن يحارب بحرية وينتصر علي الأعداء ؛ ثم يتفرغ بعد ذلك لمحاسبة من خانوا . كانت هذه الصور عن “المهجرين” الذين أصبحوا يسكنون شارعنا ؛ تتسرب إلي خيالنا وعقولنا وقلوب بعضنا ؛ جهة جبارة خفية توزع علينا مثل هذه الأفكار والخيالات والصور عن المهجرين ونصحوا من النوم لنجدها في عقولنا ونتصرف بوحيها .

7

كان صديقي يثبت لي دائما أن هذا كله خطأ ؛ فصديقي من ” المهجرين ” وهو طيب وأمين وغير شرير وعفيف وهو يجيد الغناء ويجيد العزف علي ” السمسمية ” رغم صغره وكان يسحرنا ويثبتنا من حوله حين يغني ، كان عيبه الوحيد أنه كثيرا ما يكون غاضبا ؛ غاضب من التحول الذي حدث في البلد وغاضب للتحول الذي حدث في أسرته وغاضب للتحول الذي حدث في حياته هو ؛ حيث أصبح بعد أن أتي إلي بلدنا وعاش في مدينتنا ؛ وفي نظر صحبة المدرسة والشارع ” الولد المهجر بتاع السمسمية ” وكان يعبر عن غضبه بركل ما يصادف من حصي أو حجارة بقدمه ؛ إذا ما كان حافيا ونحن نلعب ” الكورة ” وإذا ما كان عائدا من المدرسة لابسا حذائه .

8

حين أتذكره الآن ذلك الصبي الذي بقي معي رغم فراقه المبكر ؛ بلا لقاء بعد الإفتراق ؛ فكأن الأرض قد بلعته وأبيه وأمه ؛ فقد ذهبوا ؛ حيث الإختباء الأبدي منمن يبحثون عنهم أو يفتشون عليهم ؛ ولكنه بالنسبة لي فقد بقي : كانت مغامراتي الأكثر شقاوة معه ؛ وكان عالم خيالي المحبوب كان هو من كونه لي وأعطاه لي في بساطة ومحبة أثناء أيامه معنا ؛ كان هو صاحب الحديث الدائم عن السفن والحياة بالقرب من البحر ؛ وهو الذي كان يتذكر أيامه وعمله بجوار أبيه في مجري ” القناة ” حتي حدثت الحرب التي طردتهم من جوار بحرهم ومن الإسترزاق من سفن القناة ؛ وعقب الحرب فقد أغلقت القناة وأغلق من وراء ذلك مدن القناة ؛ فمات الحياة التي كانت صاخبة عامرة بالرزق ؛ لا يوجد تحت سمائها عاطل أو جائع .
كان يتجنب حديث الحرب قدر إمكانه ؛ فقد كانت ذكراه من وراء تفاصيل الحرب وأيام وحتي تم إخلائهم من مدينتهم ؛ حديث مؤلم يظهر بوضوح علي قسمات وجهه ؛ وحين يظهر تألمه أستحثه أنا علي حديث القناة وسفن القناة التي تعبر قوافلها فكأنها تشق عالم من الحكايات ترمي ؛ قصصتها إلي البحارة المسترزقين من خدمة السفن . كنت استحثه علي الحكي ؛ فيعود للحديث عن سرب “الفلايك ” الصغيرة التي تذهب إلي مرسي السفن في ” الإنتظار ” في تحسس للرزق ؛ فتحدث التجارة التي تأتي بالسلع والأشياء الخيالية التي مجرد ذكرها في ذلك الوقت كان يجلب شعور خاص باللذة ؛ فقد كانت بضائع غير مألوفة ولم تعد تستورد وأصبحت نادرة ومقصورة علي الأثرياء وأهل النفوذ والسلطة في الدولة .

9

عندما رأيت أبيه يصفعه علي وجهه ؛ لم أراه يبكي وقتها بمثل ما رأيته يبكي عند انتحار البنت التي هي من ” اامهجرين ” ؛ فقد صادف ورأيتهما في مدخل البيت ؛ كان أبيه قد حاصره ؛ في المدخل ويعنفه بشدة لم أرها منه في خلال إقامتهم غب بيتنا وسمعت صديقي يقول لأبيه في ثبات : “خلاص ؛ آخر مرة ” فاكتفي بدفعه في الحائط ؛ فلما ارتد له وكاد أن يقع ؛ صفعه وقال له : “لا تكن مثل الكرة ” .
فقال هو : “خلاص آخر مرة ” وبكي
فصفعه أبيه مرة أخري وقال : “لقد كبرت علي أن تبكي ” . وبكي وقال : “خلاص آخر مرة ”
لماذا تضرب الطوب والظلط بالحذاء ؛ فيتهربد ويتمزق ؟!
قال : إني أصادفه ؛ بل يأتي الحصي نحو حذائي ؛ فأدفعه عني .
قال أبيه : لأنك تمشي أعمي ؛ أرفع رأسك وأنت ماشي ؛ لست صغيرا علي أن تضرب أو تنهر !!
فقال : خلاص أخر مرة . فقال أبوه : لن تكون آخر مرة يا ابن الكلب .
فقال : سماح ؛ خلاص ؛ بلاش شتيمة .
فبكي أبيه وقال له : ” تبسم ؛ اضحك ؛ مش عايزك خرع ”
فصمت وقال أبيه : هذه آخر مرة أضربك فيها ؛ لقد كبرت ”
لم أظهر نفسي لهما وقت أن كان أبيه يضربه وهو يبكي بلا صوت ؛ فقط انهمرت الدمعات علي خده . ولما سألته بعدها :
” لماذا كان يضربك ؟! ”
– أمي اشتكتني لأبي ؛ وهو قد ضبطني ساعة ضربني وأنا أشوط الظلط بحذائي ؛ وهو قد حذرني قبل ذلك من أن أفعل هذا فالحذاء يبلي ؛ وهو قد قال لي أنه لم يعد لديه قدرة لشراء أكثر من حذاء في العام . أمي اكتفت بأن تنهرني ، وقالت : ” كل يوم حذاء جديد لك ؛ إذا بلي قبل موعده سوف تظل حافيا ” . وبعد أن قالت ذلك ؛ جذبتني من يدي لجسمها حتي بتنا متلاصقين وكان حضنها هو أماني وهو ما يردني لصفوي ومرحي ؛ فوضعت يدي في جيوبي وبدأت صفيري المرح حين أصفو ؛ فأبعدتني عنها وقالت : ” أخرج يديك من جيوبك ولا تصفر في أذني ؛ لا تعلم كيف أتعب في تنظيف وغسيل جيوبك ؛ ماذا تضع فيهما عندما تكون خارج البيت ؟! “. وقلت متحديا طيبتها : ” دعيني أنا أغسل هدومي ” واخرجت يدي من جيوبي ولكني تماديت في تصفير لحني دون ان أبالي بنهرها . أحبها ؛ لولا أمي لمتنا ” .

10

كان حبي الطفولي الأول في سنوات العشر الأولي من عمري ؛ هو شاهده ؛ بعد أن علمني ركل الحصي والظلط بالحذاء ؛ أثناء سيري في الطرقات ؛ فقد كنت أحذو حذوه ؛ كنت أراها في الشارع مصادفة ؛ وقد أردت مشاكستها ولفت نظرها : وجدتها أمامي وتذكرت قدمي الطفل التي كانت قدمي ودفعت الحصاة التي وجدتها لحظتها ؛ ودفعتها ودفعتها بدقة وبرفق كأني أحملها رسالتي إليها ؛ فتدحرجت بعيدا عن مسافة واخترقت انفراجة المسافة بين قدمي الفتاة المحبوبة في شقاوة طفولتي التي اكتسبت شحنة جديدة مضاعفة من الشقاوة بفعل صداقتي لصديقي . مرقت الظلطة من بين قدميها دون أن تحتك بهما حيث كانت هي علي مقربة خطوات مني في المقابلة وتجاوزتها وهي أيضا قد تجاوزتني ؛ ورأيتها تلتفت وأنا متشاغل عنها بالبحث عن مستقر ” الظلطة ” التي دفعتها قدمي لتمر من بين قدميها ؛ وربما يكون عدم اكتراثي بإلتفاتاتها هي ما جعلها تنتبه لوجودي في الحياة ؛ فبعدها صرنا صديقين ؛ ولكن مازال عالقا بذهني شيئا غريبا قد حدث بعدما تجاوزتها الظلطة المدفوعة بهدوء وبدقة لتمر من بين قدميها المكشوفتان تحت الفستان الأبيض القصير ؛ أن “الظلطة” المندفعة بركلة قدمي ؛ لم تستقر واندفعت مع إنحدار الشارع ؛ حتي ظننت أنها لن تتوقف أبدا ؛ فجريت نحوها فقد كنت أريد أن أحتفظ بها لسبب استحثني عليه شيء داخلي ؛ ولكن ” الظلطة ” دونما وهم مني ومن سذاجة طفولتي ؛ اندفعت وتجاوزت الفتاة والأشجار التي علي جانب الطريق ؛ واستمرت مندفعة في اندفاعها اللانهائي دون ادني مبالاة برغبتي في التعرف علي مكان استقرارها ؛ ولم أعثر عليها وقتها ؛ وظللت بعد ذلك أتعجب كيف لم أعثر عليها وقد اعتبرتها من مفقودات حياتي ؟! .

11

شاهدت إنكسار صديقي الوحيد في “طفولتي الشابة” ؛ شاهدت إنكساره الفريد ؛ مرة واحدة ؛ ذلك الإنكسار الذي أصبح هو مقياس الإنكسار بالنسبة لي ؛ فما دونه لا أعده إنكسارا ؛ هو مقياس الإنكسار في الحياة طوال حياتي ؛ يومها : أوقفنا مبارة للكرة كنا نتنافس فيها مع من يتحدوننا في الساحة التي كانت بالقرب من بيتنا في الميدان ؛ وكانت المبارة في “ثاني أيام العيد ” وكانت المراهنة واللعب علي كل فلوس “عدية ” اليوم الأول ؛ وكان مبلغ المراهنة مرتفعا ؛ وشهود المباراة كثر . أوقفنا المباراة حين سمعنا صريخا وهلعا ؛ فلما عرفنا أن فتاة من ” المهاجرين ” قد أشعلت في نفسها النار رغبة في الإنتحار ؛ بعد أن أغواها شاب وداوم علي معاشرتها ؛ فلما حبلت فقد ضاق بها ؛ وصرفها عنه . وعندما لخص لنا من سألناه عن الجلبة والضوضاء والصريخ المتواصل الذي اندلع قبل قليل بالقرب منا ؛ أثناء سير المباراة ؛ وقد أجاب بما لم نر : ” بنت مهتوكة ” من المهجرين ؛ ولعت في نفسها والإسعاف علي بال ما جه ؛ كانت ماتت قبل ما يوصل ؛ وبتوع الإسعاف رفضوا يشيلوا جثتها ” .
كان صديقي تقريبا قد مات خجلا عند سماعه هذا ؛ وكأن العار عاره والبنت أخته ، وظللت أنا متألما للمشهد عموما ؛ ولكنه وحتي غادرونا كان يشعر بالعار والخزي من هذه القصة تحديدا ؛ ومن غيرها من القصص الشبيهة ، ولكن رؤية البنت المحترقة ؛ كانت هي ما أبكته في المرة الوحيدة التي رأيته فيها يبكي بحرقة ؛ غير ” بكاء الضحك ” الذي كان يبكيه عندما شاهدت أبيه يصفعه لما قطع مجدد حذائه ؛ بركل الظلطات والحصي أثناء سيره في الشوارع .
كنا قد تسمرنا انا وهو أمام جثة الفتاة الملفوفة بإحدي بطانيات الإطفاء التي لفها بها أهلها ؛ وكانت رائحة الشواء للحم البشري مازالت موجودة ؛ مختلطة برائحة البطانية ؛ بعد أن رفض “الإسعاف ” حمل الفتاة الميتة . وبعدها بقيت تنبعث داخلي نفس الرائحة وأتشممها حين أري مأساة تحدث أمامي ؛ أو أنها قد حدثت وقد رأيت بقاياها مازالت متواجدة .

12

كان إفتراقهم عنا قد حدث ؛ بعد حادث القطار ؛ وكانت وفاة أمه بعد إنتقالهم من منزلنا مباشرة ؛ وقد ذهبت وأمي وأبي وأصدقائي ؛ إلي منفاهم الجديد بعدما علمنا بالوفاة المفاجأة ؛ في ثاني يوم لهم في سكنهم الجديد ؛ الذي ذهبوا إليه ؛ لكي نبتعد عن بعضنا ؛ فقد علم أبي بلعبنا “القمار ” وبتنظيم مباريات كرة القدم بالفلوس ؛ وتدخيننا السجائر في هذا السن المبكر ؛ ومصادقتي للفتاة التي كانت تلفتني إليها بإحمرار وجهها الدائم . ثم جاءت حادثة القطار لتكشف كل المخبوء الذي كان أبي لا يحبني أن أفعله وفي مثل هذا السن الصغير .
كان أبي قد علم أنه هو الذي اقترح علي أن نجرب ركوب القطار لمحطة واحدة بدون تذكرة ؛ ثم العودة في قطار آخر ؛ أو العودة سيرا علي الأقدام ، حتي النادي الذي كنا نرقب فيه من يلعبون “البلياردو ” حيث كانت لعبتنا الأولي المفضلة .

13

كان أبي قد سألني عن إختفائي مع صديقي ؛ يوم ضرب العدو ” المطار الحربي ” الذي يقع في وسط الحقول بالقرب من مدينتنا وقد كذبت عليه ؛ وقلت له أننا كنا ” مركز الشباب ” طوال اليوم ؛ وكان قد شك من شكلي بعد أن رجعنا من مشاهدة المطار المدمر ؛ في أجزاء كثيرة من مدارجه ومبانيه وحظائر الطائرات ؛ وقد شاهدنا المعركة الجوية التي كانت فوق سماء المطار ؛ كانت الحرب قد إنتقلت إلي مدينتنا ؛ حرب حقيقية وصل فيها العدو بطائراته ؛ إلي عقر دارنا ؛ لم يخف صديقي وقتها مثلما كنت أنا خائف ؛ كان هو قد اعتاد عيش واقائع الحرب الرهيبة ؛ بينما كنت أخوض أنا الحرب لأول مرة وأعيش لحظات الموت الآتي من السماء لأول مرة ؛ لقد شجعني صديقي علي ألا أخاف من الحرب وألا أخاف من مواجهة العدو وأن العدو ليس بعيدا كما كنت أظن ؛ وأن المسافة بين العدو ؛ هي مجرد دقائق بالطائرة ؛ وأن الآمان فقط يحدث عندما نكون نحن أقوي من العدو ؛ نمتلك طائرات أحدث وأسرع من طائراته .

14

يوم أجبرني أبي علي عدم محادثته وعدم مصاحبته في أي شيء ؛ كان يوما سيئا أعقبه يوم أسوأ وهو اليوم الذي ماتت فيه أمه بعد أن تركوا منزلنا ؛ وكان ذلك في أعقاب يوم القطار ؛ فقد كان هو قد اقترح علي أن نجرب “لعبة القطار ” كنا نجرب ركوب القطار لمحطة واحدة بدون تذكرة ؛ وكنا نصعد القطار بسرعة وهو علي وشك أن يتحرك ؛ وما أن تأتي المحطة الرئيسية القريبة من المحطة الرئيسة التي كنا نركب منها ؛ كنا نقفز من القطاربسرعة قبل أن يستقر علي رصيف المحطة ؛ كانت مغامرة ممتعة تخلق داخلي نشوة كبري وكنت أعلم أن أبي يموت وأنا وحيده ؛ لو علم أني أقوم بلعبة الموت الخطرة هذي ؛ فكثيرا ما كنا نسمع عن حوادث الذين يموتون تحت قضبان القطار بعد أن يسقطون في الفاصل الضيق ما بين الرصيف والقطار الذي يتحرك والضحية لم بستطع إنهاء نزوله الآمان من القطار . شيء وحيد جربه صديقي في “لعبة القطار: ولكني لم أستطيع أبدا أن أصاحبه فيه أو أجاريه ؛ عندما قام هو بالمغامرة بالصعود فوق سطح القطار ؛ وجلس مع ” المسطحون ” وتحرك بهم القطار ؛ لقد أشعرني هذا بالخوف الشديد عليه ؛ فقد كان المسطحون يسقطون من فوق سطح القطار أو يصطدمون بسرعة القطار في أسفل الكوبري الذي يمر عليه القطار ؛ لقد وقفت متسمرا في مكاني حتي رأيته عائدا من مغامرته المنفردة وهو سائرا علي قدميه وقد احتضنته وقبلته لأول مرة منذ تعارفنا ؛ فقد شعرت بالسعادة لأني قد رأيته قد انتصر علي الموت وعاد سالما من الموت ؛ وأنه انتصر نيابة عني علي خوف من خوض أي تجربة ولو كانت لعبة ” تحدي الموت ” .

15

كان يوم فشلنا الكبير والأخير ؛ غير متوقع ؛ إطلاقا فقد كنا قد احترفنا “لعبة القطار “ومغامرة القطار ؛ ولكن هذه المرة كان هو قد اقترح تطويرا جديدا في اللعبة ؛ وقال لماذا لا نذهب بالقطار حيث يقف في محطته الأخيرة بالقرب من بلدنا ؛ بالقرب من “الجبهة ” ومن هناك سوف نذهب إلي منزلنا وسوف أريك الحرب وماذا فعلت ببلدنا ؟! ؛ وجاريته وركبنا القطار حيث كانت محطته الأخيرة ليست بالقرب من الجبهة ولكنها تبعد عنها عدة كليومترات ؛ تستلزم مواصلات خاصة تابعة للجيش . لما فشلنا في الوصول إلي ” بلدهم” لعدم وجود مواصلات مدنية تذهب إلي هناك ؛ فقد قفلنا إلي المحطة ؛ نروم قطارا يعود بنا . لم يكن هناك قطارا عائدا إلي بلدنا ؛ فاستقلينا القطار الوحيد ؛ والذي سوف يغادر هذه المحطة المتطرفة عن المدن والقريبة من الجبهة . وعندما هممنا بركوب قطار متحرك من ” المحطة التي قربت المسافة قليلا من مدينتنا ؛ فقد قبض علينا داخل محطة القطار التي كنا نروم عبرها العودة ؛ كانت المدينة شبه مقغرة وكل الأشخاص المتحركون في محطتها قيد الإشتباه ؛ فلم نفلح في ” لعبة القطار” واستسلمنا للتقييد والإشتباه والإستجواب . وقد استلزم الأمر استحضار ولي الأمر ؛ بعد أن بقينا تحت التحفظ في غرفة مسئول المحطة لكوننا ” صبيان ” أغرار ؛ ولقد مكسنا إلي أن أتي أبي وأبيه معا ، وقد استلمانا بعد التعهد بألا يتكرر هذا السلوك وبعد أن دفع أبي ثمن تذكرتين لي ولصديقي ؛ مضاعفا ثمنهما بعد الغرامة ” والتطويق ” .
واستطاع رجاء الأبوان أن ينجح في وقف ” محضر” التزويغ من دفع قيمة تذكرة السغر التي أتينا بها إلي ” مدينة القرب من الجبهة” وكذلك تم وقف ” محضر ” إحداث شغب وفوضي في محطة السكك الحديدية التي تهنا إليها وتهنا فيها .

16

طوال وقت الرجوع إلي مدينتنا ؛ لم يتكلم أحد فينا ؛ لم يتكلم أبي مع والد صديقي ولو بحرف واحد ؛ وكان هذا عندي هو دليل غضب أبي الشديد ؛ وأنه انتوي فعلا . ولم يكلمني أبي عند رجوعنا البيت ؛ ولكني عرفت من أمي أن أبي فور رجوعنا ودخوله البيت ؛ قد طلب من والد صديقي أن يرحلوا عن بيتنا ؛ فإن البيوت في البلد كثيرة ؛ وهو سيدفع أجرة عاما مقدما ؛ يدفعونها في ” السكن ” الجديد . وقد أرشد أبي أبيه إلي منزل صديق له ؛ يبعد عن بيتنا كثيرا ؛ وقد يسر لهم أبي الإنتقال في نفس اليوم الذي اكتشف فيه “حادثة القطار ” وبعد أن رجعنا من ” محطة الجبهة” فورا .

17

كانت المرة الأخيرة التي شاهدت فيها صديقي ؛ ولكن دون حديث بيننا ؛ كانت بعد أن إنتقلنا إلي سكنهم الجديد ؛ عقب وفاة أمه ؛ فقد أخبر صديق أبي الذي انتقلوا للسكني عنده ؛ أن أم صديقي قد ماتت ؛ وقد صحبنا أبي دون تعليمات ؛ كما كان يفعل ويملي تعليماته التي علينا طاعتها ؛ دون مناقشة ؛ ولكني استأذنت أبي واستمهلته أن ينتظر قليلا حتي أخطر باقي الرفاق أن أم صديقنا قد ماتت ؛ فانتظر فعلا حتي أحضرت من وجدت من الرفاق . رأيت صديقي حزينا دون بكاء وقد وقفت إلي جواره ؛ ومعه ؛ بينما كان يتم تجهيز الجثمان ؛ وبينما نحن وقوف صامتون ؛ أتي الولد الذي كان قد أخبرنا بقصة الفتاة المحترقة ؛ وحين رأي والد صديقي لحظة خروج جثمان أمه من المنزل الجديد ؛ الذي لم تبت فيه غير ليلتين وقال لصديقي : ” أبوك بيعيط ؛ زي العيال ” . فصمت ولم يرد ولم يبكي ؛ ثم اندفع ليحمل جثمان أمه مع الحاملين ؛ فقد كانت المقابر التي سوف تدفن فيها أمه هي “مقابر الصدقة ” حيث كانت بالقرب من بيتهم الجديد .
كنت أرنو إلي صديقي وهو إلي جوار أبيه ؛ يحمل جثمان أمه ؛ وشعور خفي أنني قد رأيت المشهد هذا قبل ذلك وقد عشته ؛ وأن هذا هو آخر عهدي بصديقي الوحيد .

تعليق واحد

  1. احسنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: