الإثنين , سبتمبر 23 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / هل أنا شريفة؟…قصة قصيرة/بقلم:امبي الدهاه عبد الرحمن/موريتانيا

هل أنا شريفة؟…قصة قصيرة/بقلم:امبي الدهاه عبد الرحمن/موريتانيا

ولدتُ في بداية الثمانيات و بالتحديد في أواخر الشهر الرابع منها، كنت الثانية عند أسرتي، و كنت المدللة لكن بدرجة أقل من أخي الأكبر، الذي كان مثابة الأب بالنسبة لي و للأسرة ككل في غيابي أبي، و حتى في حضوره كان في مرات عدة يختفي ضوء أبي أمام شعلته الوهاجة، أما أمي كانت تحب أختي الصغيرة، أبي كان حافظاً لكتاب الله وراعاً و يمتلك محظرة أسرية، أي جل الذين يرتادونها هم من الأقارب و المقربين، كان يجلد بدون رحمة، حتى أنا كنت أنال نصيبي من ألسنة السياط، و تأخذ الشمس المارقة نصيبها من جسدي، مع بقية الطلاب والطالبات. ترعرعت بين أسرة محافظة، لا يمكن لأي أنثى أن ترفع صوتها حتى تتأكد أن لا يلتصق صوتها بأذن رجل أجنبي كان أو من الأسرة. لكن أبي و أمي و أخي الأكبر كانوا متسامحين أحيانا غير كثيرة، نجلس كأسرة واحدة مشكلين نصف دائرة، و النصف الآخر يغطيه الأب، يبدأ يتلو نصائحه الخاصة لكل واحد منا حفنته، حتى أمي تأخذ نصيبها هي أيضا، و كان نصيب الأسد لي أنا، و كان يتمحور معظمه حول “الأسرة و شرفها في جيدك يا أبنتي” إن سقطتِِ سقطنا، و إن تزوجتِ وقفنا و حمدنا الرب عليه، لأننا نمتلك سمعة، و صيت، و شرف، و أصل، و فصل، و نسب، و حسب، و جاه في هذه الأرض، و كيد النساء عظيم، و مكرهن لا يكمن تخمينه، و كل بلاء يأتي هن السبب فيه، لذا أحثك على أن تعضي بالنواجذ على ستر، و شرف أبيك. كنا حين ننفض من مجلسنا تختلي بي أمي و تعيد و تأكد على مسمعي الحديث، مثنى و ثلاث، و كنت أُومِئُ برأسي و أُصيخ السمع لها جيداً. حفِظت القرآن قبل الكل، كنت نجيبة، ذكية و محبوبة عند الكل إلا أهلي، يطاردهم شبح الشرف هذا، مصابين ” بفوبيا الشرف” إلتحقتُ بالمدرسة بعد أن دفنتُ عمراً طويلاً بين المحظرة و الأعمال المنزلية، و بعد صراع دام خمس سنوات سُمح لي بالإلتحاق بها، درستُ بجدٍ و تفوقتُ في كل الفصول الدراسية، و نِلتُ كل الشهادات و بتفوق أيضاً، و أنا التي قد عقدتُ العزم على أن لا أُخالط الرجال ما حييت، حتى أتزوج، لكي لا يضيع شرف أبي و أصون سمعته. كان الشبان يجرجرون ذيولهم خلفي، و يكلمونني في الأماكن العامة، و الخاصة، في الشارع، و في المدرسة، في السوق، و حتى في المنام. كانت غريزتي تُحضرِّني على الفتك و نقض عهد أبي، كنت أحس بشعور داخلي يقطع أحشائي، و يدمي قلبي، كلما صادفت رجل، حتى أني لم أُكوِّن صداقة مع رجل قط، ولم أكن أناقش المعلمين، ولا الأساتذة، قرأتُ عن الحب، عن الجنس، عن الموسيقى، عن الفن والفنانين، عن العلاقات الغرامية الفاشلة منها و الناجحة، عن كل شيئ تقريبا حتى عن حياة كلنتون، كنت ممشوقة القامة، ناصعة الجمال، بيضاء للناظرين، أمتلك شعر طويل جذاب. بعد تخرجي من الجامعة إتصل بي والدي و كان أول ما سألني عنه هي علاقاتي بالآخرين، و وخصوصا الرجال، و حذرني منهم مع أنه كان يراقبني عن كثب، بواسطة جواسيس له، في الكلية، و في كل مكان، حتى أني لم أمتلك هاتفاً قط، لبرور يمينه، حين قال “أستحلفك أن لا تشتري، ولا تأخذي هاتفا حتى تتخرجي” كنت طوال هذه السنين البائسة، يائسة، متوحدة، منطوية، على نفسي، أشارك حياتي مع صديقة أو إثنتان فقط. اتصل والدي بأحدهم، و توعده بتوظيفي فطلب حضوري عند مكتبه، فلبيت رأساً، كان في سن أبي تقريبا، لكنه نحيل و هزيل العظام، يرتدي نظارات، و بدلة بدى لي أنها جديدة، و ربطة عنق سوداء، كان يتكلم في الهاتف، دافن قامته في كرسي أسود حين دخلت عليه، فانتصب واقفاً و حياني و أردف قائلا:
_ أانت فلانة إبنت فلان؟
_ نعم أنا هي
ضج المكان بالسلام و “التمرحيب” ثم استطرد يقص عليّ نوعية العمل، و طريقة الشغلة، و الجدول الزمني، و الموظفين و كان يحض على تحذيري من التعرف على أحد منهم، بيد أن أبي هو من سممه بهذه الفكر. مكثتُ هناك سنين أخرى أشتغل. زوجني أبي من رجل غريب لا أعرفه، متدين، و مُلتحي، و قصير حد التقزم، كنت أصرف عليه من راتبي، و في بيتي الذي إستأجرته بعد زواجنا، أنجبتُ منه ولدا إسمه أحمد، ثم طلقني بحجة أني لا اعود من الشغل مبكراً، لأعد له الغداء، ولا أقوم بواجباتي المنزلية كلها قبل الذهاب إلى العمل، ظاناً أني سأذهب و أترك له المنزل الذي عادتْ ملكيته لي، بعد شرائه، كان يعول على أبي الذي أصبح بجانبي، حين صنتُ له شرفه و أغرقته في المال و زينة الحياة. منذ ولادتي إلى هذا العالم، حتى قبل زواجي القهري، لم يمسسني رجل غير إخوتي، لأني كنت أحرس شرفي و شرف عائلتي، فشرف المرأة جسدها. لكني كنت أكذب، حين قلت لصديقتي أن أبي يسكن خارج الوطن، و أنه طبيب هناك، و مشغول كل الوقت، و حين قلت أن أمي أستاذة للتربية الإسلامية في قريتها، التي بالكاد حصلوا على الإبتدائية فيها، كنت أسرق نقود صديقاتي، حين يتركن متاعهن بجانبي، صاحب الحانوت و بائعة الملحف، كنت أنافق، و أنم، و أغتاب، و أتكاسل عن بعض الأوقاتِ ولا أصليهن، و كنت مدمنة على الأفلام الخليعة، و أظن دون تردد، ولا أساعد محتاج، ولا أتصدق خوفاً من نفاذ نقودي، و بعد توظيفي كنت لا أردُ يدي عن مافي الخزانة، فمال اليتيم كان هناك، أخذت منه، و المال العام أكلت منه، و مديري أخذت منه نقوداً كثيرة، على أني سأتزوج منه، نسيتُ نصف القرآن، ولولا خوفي من أبي لنسيته كله. لكن بقى الأهم و الأغلى “الشرف” فأنا أموت دون شرفي، لن يقال فلانة إبنت فلان بلا شرف أبداً، تربيت أن الشرف هو الجسد و مابين الفخذين بالنسة المرأة، و الرجل شرفه نقوده ولا يُسأل من أين جاءت. حتى تزوجتُ و نلتُ رضى الناس و أهلي و أبي و تناسيتُ عن رضى الله، و حقوق العباد.
هل حافظت على شرفي أم أنا بلا شرف؟
اليوم أقول أننا في مجتمع لا يقفه عن الشرف شيئ إلا ما كانت أنا أفقه.
هل أنا كنت شريفة مع أني تزوجت بكر و لم تلامسني يدي رجل قط؟

2 تعليقان

  1. رائع
    ابداع فی السرد

  2. جمييل جدّا 💜🌻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: