الإثنين , سبتمبر 23 2019
الرئيسية / تقارير وتحقيقات / مجموعة جولينيشيف المثيرة!

مجموعة جولينيشيف المثيرة!

كتب :مصطفي شريف

“فى الوقت الحاضر لا تبخل كل الأمم المتحضرة فى تقديم الموارد المادية والجهود للحصول على الكنوز الأثرية للشرق الكلاسيكى، وتتنافس كل من إنجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا وأمريكا على تحمل النفقات الكبيرة اللازمة لإرسال البعثات وإجراء عمليات الشراء. وقد شاركت روسيا، التى تقع أقرب منهم إلى الشرق جغرافيا وثقافيا وسياسيا، نتيجة للنشاط الفردى لجولينيشيف فقط… المجموعة… لا تمثل فقط كنزا ثمينا من الآثار القديمة، ولكن أيضا فخرا قوميا مهما، لإثبات الإسهام الروسى فى منجزات الشعوب المتحضرة”
– من خطاب موجه من “بوريس ألكسندروفيتش توراييف” إلى اكادمية العلوم الإمبراطورية “الروسية” فى عام 1908م.
فيما سبق ورد عدة أسماء وأمور تحتاج إلى توضيح مثل : “جولينيشيف” “توراييف” و “المجموعة”!
نبدأ بجوليشنيف فهو “فلاديمير سيميو جولينيشيف” (1856م – 1947م)، ارتبط اسم جولينيشيف بازدهار علم المصريات الروسى، كانت عائلة جولينيشيف تعمل فى مجال استكشاف وصناعة الذهب، مما وفر له المال لكى يحقق رسالته فى دراسة العالم الغامض والمثير، كان له شغف كبير بكل ما له علاقة بمصر، ففى عام 1879م أنهى جولينيشيف دراسته فى كلية اللغات الشرقية بجامعة سان بطرسبورج.
كان فى اعتقاد جولينيشيف أن جمع المقتنيات الآثار والقطع الفريدة غير المزيفة عمل هام جدا، لذلك كان يهتم حتى بالقطع متناهية الصغر وكل ما يحتاجه فى دراسته الفريدة، وكونه ميسور الحال تمكن جولينيشيف من اقتناء حوالى 6000 قطعة من الآثار المصرية غالية الثمن والقيمة، وكذلك قيامه بستين بعثة للبحث عن الآثار وعن المخطوطات الأثرية على نفقته الخاصة.
ففى ذلك الوقت كان عصر النهب المنظم للآثار المصرية القديمة، وكان مبرر علماء المصريات هو نفس مبرر شامبليون عندما كون مجموعته الخاصة وهو “اذا لم احصل عليها ستكون عرضة للتدمير أو النهب من عديمى المعرفة!”، وكان فى ذلك الوقت – عصر محمد على – تجارة الآثار عمل مربح ومنظم بل ومصرح به من الباشا مثلما حدث مع اكبر لصوص الآثار سولت ودروفيتى وهما القنصل الانجليزى والفرنسي بالإضافة إلى الإيطالى بلزونى المحتال!
وزاد الطلب على جمع الآثار المصرية القديمة، مع بناء المتاحف الأوربية ونشأة علم المصريات مع اكتشاف شامبليون المذهل، فكانت رغبة كل متحف فى تكوين مجموعته الخاصة، حتى ظهر علماء المصريات ورغبة كل منهما فى تكوين مجموعته الخاصة بنفسه حتى أنه أصبح السعى إلى هذا المجد العظيم مجال كبير للتنافس!.
وهكذا بدأ جولينيشيف فى تكوين مجموعته الضخمة مع أول زيارة له لمصر عام 1879م، وكان اهتمامه الخاص بالنقوش الصخرية المتعددة للحيوانات والأشخاص.
وكان جولينيشيف يتحدث باللغة العربية، مما سهل له أمور كثير من معرفة تجار الانتيكات ومعرفة أماكن حصولهم على هذه القطع، فكان يفتخر أن مجموعته ليس بها قطعة مزيفة!
وفى عام 1887م أصبح جولينيشيف مالكا لثلاثة رسائل خاصة بارشيف تل العمارنة، وكان هذا الاكتشاف والذى شهده جولينيشيف قد مكن العلماء من معرفة ما كان غامضا فى تاريخ حاكم التوحيد الشهير “اخناتون”.
كون جولينيشيف ” مجموعته” من التجار المحليين وسوق الاقصر ومنها تابوت خشبى متعدد الالوان، وحصل على بعض القطع الأخرى من المزادات، والبعض الآخر حصل عليه من عمليات التنقيب التى قام بها بنفسه فى الدلتا وشمال وادى النيل.
المجموعة :
تتميز مجموعة جولينيشيف بذوق خاص فقد جمعت بشغف شديد وحب للفن فكان منها قطعة من نصوص الأهرام، وقناع للملك بيبى الثانى وتماثيل كبيرة وصغيرة من الدولة الوسطى، ولكن الملفت فى المجموعة هو مجموعة بورتريهات الفيوم والتى اعتبرت مزيفة عند ظهورها فى الأسواق – يوجد أكثر من 600 قطعة معروضة فى متاحف العالم – وضمت باقى المجموعة آثار من حضارات أخرى.
– فى هذه الاثناء تعرضت عائلة جولينيشيف لخسارة كبيرة بسبب انهيار شركة الذهب الخاصة بهم، بعدها تعرض جولينيشيف لمحنة كبيرة فوجد نفسه على حافة الإفلاس، فكان الحل فى عرض مجموعته الفريدة للبيع، وقد أورد كتاب “الروس فى بلد الاهرام” نصا من تقرير أرسله جولينيشيف إلى مكتب وزارة البلاط الإمبراطوري يقول فيه :
“كان حلمى المحبب هو أن أحافظ تحت يدى حتى الموت، على تلك الأشياء التى بحثت عنها وحصلت عليها ورعايتها بولع المحب، والتى كنت أريد مع مرور الزمن أن اورثها لأى من المتاحف بوطنى”.
بعدها انتشر خبر بيع المجموعة، ولكن رغبة جولينيشيف كانت للبيع لأحد متاحف روسيا، وبسبب البيروقراطية تعطل الامر كثيرا فظهرتوراييف داعما قوية لشراء المجموعة،
– وتوراييف هو عالم مصريات ومستشرق روسي وأستاذ بجامعة سان بطرسبورج، تتلمذ على يد كل من أدولف إيرمان وجورج شتايندوف وجاستون ماسبيرو، وعمل بنجاح فى متاحف ألمانيا وانجلترا وفرنسا وايطاليا، وكانت رسالته للماجستير التى تناولت عقيدة الإله توت، ويعتبر “توراييف” وريثا لجولينيشيف، بل أطلق على “توراييف” أنه أبو علم المصريات فى روسيا.
وقد بذل “توراييف” جهودا كبيرة فى بقاء مجموعة جولينيشيف فى روسيا عند عرضها للبيع، وعلى حد قول توراييف أن هذه المجموعة بأنها الوحيدة بين المجموعات الخاصة من حيث القيمة والانتقاء التى تضم أساسا آثارا مصرية قديمة وبعض الآثار الشرقية الأخرى.
وفى 10 مايو 1909م وافق مجلس الدوما على شراء المجموعة، والتى استقرت فى متحف موسكو وفى 12 مايو 1912م عرضت المجموعة أمام اول زائر!
بعد قيام الثورة البلشفية قرر جولينيشيف إلا يعود ابدا إلى وطنه، وحاول إيجاد عمل له فى الجامعات بالخارج، وحسبما ورد فى كتاب (الروس فى بلد الاهرام الصادر عن المشروع القومى للترجمة عام 2007)، أنه فى عام 1923 م دعى للعمل بجامعة القاهرة حيث أسس الدراسة الأكاديمية لعلم المصريات واستمر بها حتى عام 1947م، وتوفى فى نفس العام ودفن فى “نيس” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: