الرئيسية / كتاب وشعراء / هل الشعر موهبة؟… بقلم موسى حوامدة/ فلسطين

هل الشعر موهبة؟… بقلم موسى حوامدة/ فلسطين

هل الشعر موهبة؟ أم هناك شياطين للشعراء، أم هو اهتمام يتطور إلى حرفة؟
كان اليونان يعتقدون أن الشعر يأتي من الإله أبوللو، إله الفنون، ونسب إلى إلهات الشعر أو (الميوزات) فضل إلهام الشعراء القصائد، أما العرب فحالهم كان أصعب، فقد كانوا يؤمنون أن لكل شاعر شيطانًا يملي عليه القصائد، فكان “مسحل بن أثاثة” شيطان الأعشى، و”السنقناق” شيطان بشار بن برد، أما حسان بن ثابت فكان شيطانه من بني الشيصبان وهم قبيلة من الجن كما قيل، وقال حسان أنه كان يتناوب قول الشعر مع شيطانه، بل إن أجود شعره كان من الشيصباني (فطورًا أقول وطورًا هوه). ولا ندري هل ظل شيطان حسان ملازمًا له حتى بعد إسلامه، أم غادره ولذا ضعف شعره.
وحتى جرير والفرزدق والأخطل كانوا يؤمنون أن لهم شاطين تسكن وادي عبقر، وربما لا زال هناك من يؤمن أن للشاعر شيطانًا.
لا شياطين للشعر ولا أرباب، ولكني أعتقد أن هناك موهبة واهتمامًا تطور إلى احتراف، فالشعر والفنون تنبع من داخل الإنسان نفسه، وأن قضية الشياطين والآلهات ما هي إلا مبالغة كان يراد بها تحصين الشعراء عن النقد، أو إظهارهم بصورة غرائبية تضيف لهم هالة من السحر،
حتى الموهبة تعريف غير دقيق، والإلهام تعريف غير مدرك، أو مصطلح غير واضح، وكل ما يتعلق بالشعر من مفاهيم ومصطلحات غير واضحة، لكن هذا قد يكون منطقيًا، فالشعر نفسه لا يمكن تعريفه في قالب محدد، وهو معنى متجدد، غير قابل للتحديد، وربما من الأفضل ألا يقنن تعريف الشعر وألا يحشر في تعريف رياضي محدد، لأن في ذلك مقتله.
لكن كيف يصبح فلان شاعرًا، وهل هناك أسباب لذلك، بالطبع فالبيئة التي يولد فيها الشاعر، والامكانات التي يتمتع بها شخص دون آخر تجعل من هذا الشخص شاعرأ، لكني أفترض أن الشعر يولد مع الشخص ينمو ويكبر معه مثل جسده، ولعل الذين قالوا الشعر كبارأ كان الشعر كامنًا فيهم، ولنفترض على طريقة اليونان، أن الشعر لعنة قد تصيب شخصًا ما، وذلك مثل سهم كيوبيد إله الحب، هنا أظن أن سهم الشعر، حين يضرب طفلًا ما، يصاب بلعنة الشعر، ويبدأ بالتحول إلى شاعر قبل أن يعرف ما هو الشعر، وقبل أن يتلعثم بالحروف، ويعرف الكلمات، فالسهم الذي يضربه يصيبه بلعنة لا فكاك منها مهما عاش، فيصبح دون أن يدري عاشقًا للشعر، عاشقًا للقصيدة، مع فهمنا أن سهم الشعر هنا، يختلف عن سهم الحب، وهذا يختلف عن فهم الاغريق والعرب القدامى بأن الشعر يجيء من إلهة إغريقية أو من شيطان عربي.
صعقة السهم هنا تختلف عن قضية الالهام، فحين يطلق إله الشعر سهمه على شخص ما يتحول إلى كائن شعري، فحين يسري مفعول السهم أو السم فيه، يصبح منذ الطفولة شاعرًا، لكنه لا يكتب الشعر طفلًا، والأطفال الذين يكتبون الشعر صغاراً، ليسوا شعراء ولن يكونوا.
فالشاعر لا يكتب الشعر طفلًا لأنه يكون في مرحلة التأسيس والتكون والتبلور، وحين أرى طفلًا يقول أهله أنه يقول أو يكتب الشعر، أعرف أنه يلقن تلقينًا، ولن يكون شاعرًا.
أما في الوضع الطبيعي، فيبدأ الطفل الذي أصابه سهم الشعر، بالتشكل، رويدًا رويدًا، وربما ينفجر الشعر فيه وهو يافع، وقد يتطور مع طفولته ومعرفته، ويكبر مع صاحبه، ولكن ليس كل من يمسه سهم الشعر يصبح شاعرًا، فهناك من يدفن هذه الموهبة وهناك من تدفن موهبته الظروف، وكثيرًا ما مات شعراء حقيقيون قبل أن يجدوا الفرصة وقبل ان يستكملوا الطريق فربما استنكفوا عن المتابعة أو توقفوا او لم يكن السهم قد نفذ الى أعماقهم تمامًا وفضلوا الهناء على القلق، والطاعة على العصيان، والتدجين على الغضب،
والأهم في الشاعر الطفل هو الحساسية المفرطة تجاه ما يرى وما يسمع وما يتعرض له في حياته، فيكون سريع البديهة، سريع الحفظ والفهم والتقاط الأشياء وإعادة تشكيلها وبلورتها والتأثر بما يقرأ وبما يسمع من غناء وموسيقى قبل أن يميز أو يدرك ان هناك شيئًا في الوجود اسمه الشعر.

تعليق واحد

  1. أن تكون شاعرا يعني أن تشعر بكل ما حولك وكأنه كائن حي… كل شيء -حتى الهواء الذي يظنه الناس فراغا- تتحرك فيه وأنت تعرف أنك تراقص ذراته تبعدها وتقربها لتجد مكانك المناسب بينها كما في مكعب (روبي) 
    أن تكون شاعرا يعني أن ترى بعينك الثالثة الخيوط التي تربط الأشياء جميعا ولا يراها الباقون، تلك الخيوط التي يتطلب منك الأمر أحيانا لتفكيك عقدها ويؤلمك قصرها عن مدى طموحك ويؤلمك قطع بعضها لتعيد ترتيبها كما يليق بالوجود المتناقض مع الواقع. أن تكون شاعرا هو عمل لوقت كامل ما يظهر منه (القصائد) ليس سوى رأس جبل الجليد.
    أنت تحاول نقل كل هذا بكلمات وصور قد يراها البعض للوهلة الأولى تخريفا وروابط عجيبة وقد تبقى بالنسبة لآخرين لغة عصية على الفهم
    أن تكون شاعرا يعني أن تخلق عالما على مقاس حلمك بالضبط وأن يكون مع هذا صالحا -مع القليل من التعديل- ليلبسه الآخرون ويتورطوا بكامل رغبتهم ومتعتهم في لعبة (المكعب)
    أن تكون امرأة شاعرة يعني كل ذلك وفوقها أن تحطم القالب الجاهز الذي خلقت فيه وتمسك بتلابيب الحب كدرع واق من مخالب من يدعي الشعر
    .
    جميل مقالك الذي عثرت عليه صدفة …أحببت القفلة التي تصف ما يسميه علم النفس بالذكاء الحسي وربما هو مرادف للموهبة التي قد تصقل أو تسحل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: