الثلاثاء , يوليو 14 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / حارة الصوره…بقلم محمد نشوان/ المغرب

حارة الصوره…بقلم محمد نشوان/ المغرب

حارة الصوره
حائط حارتنا صحيفة يومية ناطقة، لا كذب فيه و لا رياء.
من خلال حيطان الحارات يمكن التعرف على اسماء الباغيات و الشواذ و المخبرين و الحرفيين…
لا فرق بين الامس و اليوم، الفرق فقط في التفاصيل، بالامس جدار الحارة و اليوم حائط فايسبوكي مستفز ينشر غسيل كل رواده.
شباب الحارة مقسم بشكل اعتباطي، حيث توزعوا الى فئات مختلفة، واحدة تعيش عالما افتراضيا و تسافر عبر بطولات رياضية وهمية خارج الحدود و فئة ثانية تدمن كل انواع الكحول و المخدرات، و ثالثة ارخت اللحي و خفت الشارب، و بدأت تحلل و تحرم حسب هواها…
كنت ضائعا وسط هذه الفوضى، اتنقل من حين لاخر من فئة لأخرى، دون التقيد بفكر معين و دون الحاجة لإذن بالدخول او الخروج…
كنت كمن يبحث عن نفسه، عن ذاته عن وجهه وسط هذه الوجوه المقنعة و كان شباب حينا اشبه بدمى متحركة تتلاعب بها رموز سياسية…
و في الجهة الشرقية لحارتنا، تسكن ربيعة العبديه، امراة في الثلاثين، قدمت الى مراكش مع عودة متطوعي المسيرة الخضراء، و استقرت بحارة الصوره، في بيت متواضع، رفقة ابنها. للعبدية غمازة تشبه البدر و هيئة اجمل من نور الفجر.
تقول والدتي و بتحفظ كبير انها من عبده و انها وحيدة، و انها تمر بظروف صعبة و أنها…
و تتوقف عن الكلام، و لا افهم ما تود البوح به إلا بعد تسلل مجموعة من الرجال كل مساء إلى بيتها رغبة في إفراغ مكبوتاتهم في جسدها النحيل .
حتى فقيه حارتنا كان يتردد على بيتها باستمرار، مدعيا مساعدتها على إبطال السحر و طرد الجن !
كنت استرق السمع و اطل من ستار تغير لونه بفعل التقادم، فارى سريرا قديما يئن كلما صعده زبون او عاشق مخمور، و صندوقا أصفر هو بمثابة دولاب لملابس و ذكريات العبدية، و نافذة جد صغيرة اشبه بكوة يتسرب منها ضوء خافت، و طاولة خشبية قديمة فوقها صينية نحاسية، عليها كؤوس لا يمكن الجزم بمحتواها، و ارى العبدية تشد على خصرها بمنديلها المزركش، و ترقص على إيقاع أغاني شعبية مبتذلة، مستسلمة لوضعها البئيس، و زبونها المخمور ينهش جسدها بعينيه الزائغتين، ناعتا إياها بالباغية و الكلبة.
كنت أهتم بالأصوات اكثر من اهتمامي بالوجوه، فلا أنسى صوتا سبق لي سماعه و لو مرت شهور و شهور، أميز همسه و صراخه و ذبذباته الخفية…
كل مصطلحات قاموس الشارع يستعملها و يتلذذ بتعذيبها و التنكيل بها، نافحا اياها أوراقا مالية كثيرة…
يتخيلها عاهرته الأبدية و ترى فيه حبل نجاتها، و منقذها و فارس أحلامها.
تخبره انه املها و يهمس لها أنها المه.
يبدأ ليلهما خمرا و رقصا، وينتهي شتائم متبادلة و ركلا و رفسا، يتهمها بالسحر و الشعوذة، وانها سبب مآسيه، حتى فقد فحولته…
يتدخل الجيران و بعض فاعلي الخير لاصلاح ذات البين، و فض الخصام و إعادة المياه الى مجاريها.
كانت فضيحة العبدية شهية ذلك اليوم، لدرجة ان كل سكان الحارة رغبوا في تذوقها. و كنت أقرأ الكذب في عين أمي كلما سألتها عن الواقعة، فتراوغ و تماطل ما استطاعت الى
ذلك سبيلا. كانت العبديه تحب عشيقها بشكل جنوني، رغم ما تتعرض له من إهانة و ضرب و تحقير، و كانت تريد القيام بعمل يخلصها من هذا العبء و هذا العذاب المتكرر. لذا فكرت و خططت، و في إحدى الليالي المقمرة، و هما في قمة نشوتهما، دوت صرخة كسرت جدران بيوت الحارة، لقد استلت العبدية سكينا و غرسته في مناطق مختلفة من جسده الضخم و هي تهذي بكلام غير مفهوم :
– لقد قتلني الف مرة قبل ان اقتله، اريد ان ارناح، ارتاح فقط…
قصة العبدية لازال يتداولها ابناء الحارة و مصير ابنها لازال مجهولا منذ الواقعة المشؤومة و التي تتذكرها النسوة بكل حسرة و هن يرددن محاسنها ، إنها امرأة بألف رجل!
في حارتنا بعد التاسعة ليلا، يستحسن ان تفرض على نفسك حظر التجول، قبل ان يفرضه عليك قطاع الطرق و صعالكة الزمان و المكان…
و في الصباح، تعود الحارة لممارسة روتينها اليومي المعتاد، مرتدية ثياب الطهر و العفاف، و واضعة ابهى المساحيق، و خليط من الاصوات المتنافرة ، يسود حوارات اهلها…
محمد نشوان
مراكش
المملكة المغربية
يوليوز 2019

2 تعليقان

  1. عبدالعاطي جميل

    سرد ممتع … محبتي الشعرية

  2. اخبال لحكايه

    صغيرا كنت و كان أبي ينسج تذكارات تقليدية للأجانب ، أبيعها بكل اللغات ، لم أعرف متى وكيف تعلمت الفرنسية والاسبانية والإنجليزية ولغات أخرى ، لم ألج مدرسة بعد ومع ذلك ..
    أطفال مراكش يتكلمون كل اللغات ، ويتقنون كل اللهجات ، وتبقى ساحة جامع الفنا مدرسة لكل المهمشين ، الضائعين ، الباحثين عن لقمة عيش…
    كان هناك إتفاق أو لنقل شبه إتفاق مبدئي ، بيني والوالد ، آخذ بموجبه خمسة دراهم عن كل تذكار أقنع السائح بشرائه . دراهم أبي رغم هزالتها فتحت لي العين على ملذات الحياة ، فصرت لا أميز بين حلالها و حرامها …
    ملحوظة لابد من ذكرها ، أبي كان يحاول ـ من حين لآخر ـ أن يخدعني عند تصفية الحساب ، ظنا منه أني لا أتقن حساب ما فوق الرقمين … أمثل دور الساذج بإتقان فينهار ويسقط بسهولة في شباكي .
    معمل أبي الصغير ، مشيد ـ بشكل كاريكاتوري ـ هندسة لا مثيل لها ، مقارنة بكل أنواع التصاميم في العالم ، إنه أشبه بفطر بري ظهر ذات صباح في هذا الحي الشعبي الموغل في القدم . أمصفح القريب من الولي الصالح سيدي عبد العزيز التباع .
    حاولت معرفة أصل التسمية ، لكن دون جدوى ، لا وجود في هذا الكهف الصغير لأي شيء يحفظ كرامتنا …
    كبرت في هذا الفضاء ، و كبر طيشي و معرفتي بأمور كثيرة ، وبدت لي مراكش ، الساحرة ، الفاتنة ، كعاهرة تفتح أبوابها لكل العابرين و الضائعين …
    جنسيات كثيرة مرت من هنا ، و كان أبي سيد زمانه في صنع هذه الهدايا ، من بقايا الخيوط المهملة ، حيث كان يمسك ما فضل من السدى و لخبال ، و يجتهد في جمعها وربط بعضها ببعض ، و تشبيكها لتشكيل لوحة إبداعية رائعة ، و يفتخر كثيرا لكون هذه التذكارات مسجلة باسمه .
    الأجانب يقدرون العمل اليدوي ، و يهتمون بهذه التحف ، و التي يتم صنعها أمام أعينهم ، يلتقطون صورا للمنتوج ، وهو قيد التصنيع ثم تكتمل فرحتهم عندما يصبح بين أيديهم …
    أذكر ذات صيف ، حلت عندنا أسرة فرنسية ، المرأة الحامل وزوجها و ابنتهما ، إقتنوا مجموعة مهمة من الهدايا ، كان المكسب كبيرا ، أخذنا صورا تذكارية بجانبهم ، و حتى يعبر أبي عن فرحته و سعادته ، فقد أعد لهم شايا على الطريقة المغربية . تتكلم معي الفرنسية الحامل ، أعجبتها لكنتي ، أعجبني شكل بطنها ، تلمس يدي من حين لآخر، يدها ناعمة وهادئة ، ويدي خشنة و خجولة . كم عشقت وقتها لمس بطنها ، إحساس جميل هذا الذي أشعر به كلما فكرت في الأمر.
    أتخيل اليد الخجولة ـ يدي ـ تلامس البطن الناعم ـ بطن الفرنسية ـ و تحدث تلك الدغدغة الغريبة ، أتخيل حركات الجنين و هو ينفلت من ارتعاشات اليد و إحساسه بأن جسما غريبا يقض مضجعه و يعكر صفو إقامته المؤقتة ، فيصير الجنين سمكة ، وبطن الأم بحرا ، و أنا التائه المشتعل والمنشغل ، الباحث عن المحار في أعماق البحار . إحساس أكثر من رائع …
    كل الأجناس البشرية تعرفنا عليها في هذا المعمل الصغير ، وكل كلمات الترحيب والإطراء واحترام الغير ، تعلمناها هنا ، لم نكن في حاجة إلى معلم لغات ، ولا كتب صفراء تعلمنا كيف نتكلم في خمسة عشر يوما ، هي الممارسة فقط و ربما هي الحاجة …
    حتى أبي وفي غيابي ، يتفوه ببعض التعابير الأجنبية ، وبشكل يدعو للضحك ، يتكلم اللغة دون معرفة ماهيتها ، يبيع منتوجه حتى بالإشارات إن اقتضى الحال ، دون الحاجة إلى خدماتي المؤدى عنها سلفا…
    يقول أبي ـ والله أعلم ـ أن نبي الله إلياس ، كان نساجا ، ناسكا ، متوحدا وزاهدا في الدنيا ، ذاق لذة اللقاء مع الله ، وعاش في كهف أعلى الجبل ، يلبس جبة صوفية ، كان هو صانعها ، وهي معروضة الان في متحف غربي ، في بلاد بعيدة ،ولا أصدق هذه الرواية لعدة اعتبارات لاداعي لذكرها الان ، وأكتفي بالقول بأن أبي غالبا ما يجمعنا حوله ، ويحكي لنا عن بطولات وملاحم زائفة ، أحيانا كثيرة يكون هو بطلها ، ونبقى مندهشين لطريقة سرده ونسجه حتى يغالبنا النوم دون معرفة أصل وفصل الحكاية …
    فقط يختمها بلازمته المعهودة : ومشات حاجيتي مع الواد الواد و بقينا مع لجواد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: