الإثنين , سبتمبر 16 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / صفوت عمران يكتب: إلى اللواء طارق مهدي.. هذا ليس وقت الرومانسية.. إصلاح الإعلام يحتاج إرادة.!

صفوت عمران يكتب: إلى اللواء طارق مهدي.. هذا ليس وقت الرومانسية.. إصلاح الإعلام يحتاج إرادة.!

الصدفة وحدها قادتني لحضور ندوة بعنوان “الإعلام الاجتماعي بين الواقع والمأمول” ينظمها احد المنتديات الإعلامية الجديدة برئاسة اللواء طارق مهدي الذي سبق له تولي منصب القائم بالأعمال والمشرف على وزارة الإعلام عقب ثورة يناير 2011، ولم يستمر على رأس المنظومة الإعلامية سوى سبعة أشهر ليغادر بعدها في أغسطس من العام نفسه محافظا للوادي الجديد، ورغم جدية العنوان وتنوع الحضور، ورغم وجود إعلامي قدير بحجم إبراهيم الصياد يدير الندوة، فوجئت مثل كثيرين، بان السيد طارق مهدي يدير الامر بطريقة “ون مان شوه” يتحدث ولا يصمت، يعقب على الجميع، يعطي الكلمة لمن يريد، يقطاع من يريد، يلقي الايفهات المضحكة وغير المضحكة بلا توقف، ففقدت الندوة قيمتها وتحولت لمجرد “مكلمة” لا طائل منها، في ظل عدم حضور حقيقي لممارسي المهنة والاكتفاء بعدد من الاكاديميين والكثير من غير المختصين، وكأن ازمة الإعلام في النظريات وليس في التطبيق.

السيد طارق مهدي، بدأ كلامه بدغدغة المشاعر وتخدير العقول، قائلا: “نحن نعيش رومانسية وطنية .. ونهيم في حب افلاطوني لمصر” وغيرها من التعبيرات الانشائية التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بموضوع الندوة، لنصل لنتيجة معروفة، وجمل محفوظة، لا يمل الكثيرون من تكرارها دون مواجهة، ودون علاج، ودون اصلاح، ودون تطوير لصالح الدولة.. نتيجة مفادها “اتهام الإعلام الاجتماعي بأنه خطر على الوطن ويجب السيطرة علية بمزيد من القيود والقوانيين والصاق كل نقيصه به، وإن الإعلام التقليدي خاصة الرسمي منه مقصر واصبح بلا دور ويجب وأده لصالح الوطن واستقراره ووحدة وسلامة أراضيه” وهذا ما ردده كثير من الحضور دون إرهاق انفسهم بالبحث عن اسباب المشكلة، ولا طرق علاجها، ولا إيجاد مقترحات للاستفادة من الإعلام الجديد، وتحقيق التكامل بينه وبين الإعلام التقليدي لخدمة الوطن وصالح المواطن، والاستفادة من رؤية قامات علمية كانت حاضرة امثال الدكتور حسن عماد مكاوي عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق والدكتورة هويدا مصطفى عميدة إعلام القاهرة حاليا، والدكتورة نرمين خضير عميد إعلام الجامعة العربية المفترحة، ولم يُترك لهم مجال للحوار مع الحاضرين للوصول إلى نتيجة مأمولة.

الواقع.. ان إصلاح الإعلام لا يحتاج إلى الرومانسية كما ردد اللواء طارق مهدي، فلم يعد لدينا وقت للرومانسية، ولا لدغدغة المشاعر، فنحن نبحث عن إعلام يعبر عن مصر الكبيرة التي نريدها.. مصر القوية والمؤثرة التي نفتقدها .. في ظل عالم يموج بالصراعات، وهو ما يستوجب أن نمنح تطوير الإعلام وإصلاحه لأبنائه المتخصصين “اكادميين وممارسين” وليس للمتاجرين به، إصلاح الإعلام يبدأ بادراك قاعدة أساسية مفادها: “الإعلام ضحية وليس مجرم” وبالتالي يحتاج إلى مساندة وليس حساب، ولا اتهامات، ولا عقاب على ذنوب لم يرتكبها، وجرائم لم يكن مسئولا عنها، إدراك أن الإعلام “جديد وتقليدي” أحد مكونات القدرة الشاملة للدولة يتم استثماره لتحقيق رؤية الدولة محليا واقليميا ودوليا، بما يخدم حق الشعب في المعرفة، ويعزز دوره في رقابة المؤسسات وإيصال صوت الجماهير، ومواجهة التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية التي تجابه الدولة، ويساهم في بناء دولة قوية نريدها جميعا، لكن للأسف نحن لا نعمل بشكل صحيح على تحويل ارادتنا لواقع ملموس، بل يرتكب البعض اخطاء تطيح بالإعلام المصري من على الخريطة الإقليمية والدولية، بشكل مخيف، ولا يفيد حسن النوايا ولا نبل الأهداف في تبرير ما نشاهده من جرائم في حق الإعلام، فالقاعدة تقول: “الأهداف دائما نبيلة.. المهم الوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الأهداف” وهنا يمكن أن نتفق أو نختلف.

#السيد طارق مهدي.. ليس معنى الجلوس على رأس وزارة الإعلام لمدة سبعة أشهر في ظرف استثنائي، انك تكتفي بالحديث عن وجود ازمة يعاني منها الإعلام فأي مصري قادر على ان يقول ذلك، بل أي مشاهد أو مستمع أو قارئ يدرك ذلك.. أي شخص حول العالم يمكنه بقليل من البحث أن يخبرنا أن الإعلام المصري يعاني من ازمة اخرجته من دائرة التأثير سواء محليا أو إقليميا أو دوليا، ويزيدك من الشعر بيتا بأن قنواتنا واذاعاتنا وصحفنا باتت تحدث نفسها مثل “حوار الطرشان”، لكن هذا ليس “مربط الفرس” أذا كنا نريد حقا إصلاح الإعلام، فلا بد أن نعرف اولا من “افسد الإعلام المصري” ونحاسبه، ثم نضع توصيف دقيق لمشكلات الإعلام مع “أبناء المهنة الحقيقيون” وليس “مرتزقة الإعلام” ومن ثم إيجاد حلول حقيقية لما نعانيه حتي يتحقق دور الإعلام المصري في خدمة الشعب و”الوطن والدولة”.

البداية لا بد أن نعرف أن “الإعلام الجديد” ليس عدو، ولا يجب أن نجعله عدو.. لان الواقع يثبت انك لن تستطيع مواجهته حتي لو وضعت مزيد من القوانيين والعقوبات، وحتي بالحظر والمنع والاغلاق، فقد اصبح المواطن في أي مكان يمارس دورا إعلاميا، وقادرا على نقل الحدث لحظة بلحظة، لذا الأفضل أن تتحالف مع الإعلام الجديد وتترك له المجال لنقل الحقائق والمعلومات سواء عبر المواقع الإلكترونية او قنوات اليوتيوب وغيرها، ويصبح دور الدولة هو التنظيم فقط لضمان التزام هذا الإعلام بمعايير المصداقية، لكن التضييق يجعل الجميع يفرون لمواقع التواصل الاجتماعي والتي لا تستطيع السيطرة عليها إطلاقا مهما فعلت، فاذا كانت اليوم الدول تتحكم في شبكات الإنترنت وتجعله بمقابل مادي، فإنه في المستقبل القريب سيكون الإنترنت بالمجان وبدون سيطرة من الدولة المحلية، وسوف يكون لدينا شبكة عالمية للإنترنت يمكنك الإتصال بها من اي مكان وفي اي وقت وبدون سيطرة من الدولة، وهو ما يعني ان المنع والحجب والحظر لن يكون لهم مكان.

اذن.. مواجهة اخطار الإعلام الجديد كما يسميها البعض، لن تتم إلا بتحرير المعلومات، رفع القيود عن نشر الحقيقة، احترام الرأى العام، بناء جسور ثقة بين المواطن ووسائل الإعلام بان تعود مرة أخري للتعبير عنه وعن طموحاته وأماله وآلامه، واحترام عقله في ظل عالم بات قرية صغيرة، وإدراك ان المنع والحجب وتحويل وسائل الإعلام لنسخ مكررة “تشبه الصينيين” جعل المواطن يتجه لقنوات اجنبية وخارجية لها اجندة ربما لا تتطابق مع الاجندة المصرية، فتشير اغلب التقارير أن اغلب المصريين انصرفوا عن إعلام “الشئون المعنوية” وإعلام النشرات لصالح إعلام المعلومات، سواء كانت صحيحة أو مضللة.

#الواقع.. أن المواطن في عصر المعلومات، لن يقبل الوقوع مجددا فريسة لاعلام السعيدين “احمد سعيد مذيع صوت العرب ابان نكسة 67 وسعيد الصحاف وزير اعلام صدام حسين ابان الاحتلال الأمريكي للعراق” وهو ما يستوجب نظرة مغايرة لبناء منظومة إعلامية تلبي حق الشعب في المعرفة وتواجه التحديات والمخاطر التي تحيط بالدولة، ودون اعتبار المتلقي غبي أو سلبي أو يمكن التلاعب به، فقد ثبت فشل كل ذلك على مدار السنوات.. لذا الأفضل لنا تحقيق التكامل بين الإعلام الجديد بكل مكوناته مع الإعلام التقليدي الذي يحتاج إلى تطوير شامل، يبدأ بضرورة إدراك القائمين على ملف الإعلام أننا لسنا معرضا للسلع الغذائية يمكن حساب المكسب والخسارة بالارقام، لكن الإعلام في العالم تقاس قيمته بمدى التأثير والاستحواذ على الرأى العام والمساهمة في تحقيق مصالح الدولة العليا على كافة المستويات والمساهمة في تحقيق الإصلاح المنشود في مختلف القطاعات، لذا تجد BBC في بريطانيا، CNN في أمريكا، فرانس 24 في فرنسا، روسيا اليوم، والجزيرة في قطر، العربية في السعودية، وغيرها يمثلون اعلام دولة ينفق عليهم مليارات، لتحقيق مصالح دولهم، لكن في مصر ننفق مليارات على قنوات المحاسيب دون تأثير يذكر، مقابل تضييق غير طبيعي على الإعلام الرسمي “صحف قومية وماسبيرو” رغم أنه الأحق بالرعاية، لما يمتلكه من شهرة ومكانه وامكانيات، فلا يليق التعامل مع العاملين فيه بمنطق “أولاد الزوجة القديمة” الذين يجب حرمانهم من كل شئ، وانفاق الكثير على “الزوجة الجديدة واولادها” رغم أن تأثيرهم صفري، بل سلبي يضر اكثر مما ينفع.. وبدون التأثير وربط وسائل الإعلام بالمتلقي فإن الدولة سوف تخسر مرتين ” الأولى أن رسالتها لن تصل للرأي العام الذي يتجه للإعلام الخارجي الموجهة والثانية أن الأموال التي تدفعها سوف تضيع هباء، خاصة ان تحويل الإعلام الرسمى والخاص لنشرات مكررة بـ”الكربونه” أفقده الجمهور ثم أفقده الإعلان فأصبح دخله ضعيف مما اضطر الحكومة لتعويض الفرق لاعتبارات الآمن المجتمعي، ثم العودة الشكوى من ذلك رغم أن الإعلام برئ وليس متهم”.

فأي تطوير نتحدث عنه في ماسبيرو، وانت تبدأ بإغلاق “شركة صوت القاهرة وقطاع الإنتاج والقطاع الاقتصادي” وهي التي كانت تمثل مصدر الدخل داخل ماسبيرو، أم أن المقصود تعظيم الخسائر وتصبح “الأرباح صفرية” حتى يتم الإغلاق دون أن يترحم عليه أحد، وسط حديث أن الخطوة التالية فتح باب الانتداب من ماسبيرو إلى أي وزراة لتفريغه من العاملين به، وفتح باب المعاش المبكر لمن يريد، اما فيما يتعلق بالمؤسسات الصحفية القومية فيجب التعامل معها بمنطقية انها مؤسسات وليس مجرد مطبوعات صحفية، وهذا امر غائب عن الكثيرين حيث يوجد بكل مؤسسة إلى جانب المطبوعات يوجد “شركة للاعلانات الصحفية وشركة لإعلانات الطرق وشركة طباعة وشركة توزيع” وبعضها يوجد لديها شركات إستثمار وجامعات، وجميعها كانت ومازالت تمثل مصادر دخل مهمة إلا انه تم التضييق عليها بفعل فاعل، لذا إصلاح المؤسسات الصحفية يتطلب نظره شاملة، والاستعانه برؤية أبناء المهنة الممارسين وليس الاستعانة بالطامعين في المناصب والكراسي ولو على حساب مؤسساتهم وعلى حساب مصالح الوطن، ولنا في اداء قيادات المنظومة الإعلامية في الفترة الأخيرة خير دليل.. فالحلول موجوده لمن يريد ومن يسمع.. حلول تحقق المصلحة العليا للدولة وتراعي محددات الآمن القومي، وتحافظ على المؤسسات وتطورها، وتحترم سيادة المواطن المستهدف الرئيسي من أي عمل إعلامي، فاصلاح الإعلام التقليدي وتحقيق تكامله مع الإعلام الجديد خطوة مهمة لتطوير الإعلام الرسمي، خاصة في ظل تقلص سوق الاعلام التقليدي وتحول آلاف من العاملين فية إلى عاطلين وسنويا ينضم للطابور آلاف الخريجين من كليات ومعاهد واقسام الإعلام، الذين يصبحون بلا عمل، مما جعلهم جميعا يذهبون مضطرين للإعلام الاجتماعي سواء بشكل منظم يحقق ربح أو بشكل تنفيث لطاقات الغضب الداخلية، وهو ما يستوجب علاجا شاملا لازمة حقيقية تهدد الوطن واستقراره ومستقبله، علاج ينطلق من قاعدة غائبة عن الكثيرين وهي: “الإعلام ضحية تحتاج للوقوف بجانبها حتي تعود قوية ومؤثرة ومنيرة للناس والوطن وليس مجرم يستحق العقاب وتضييق الخناق والسجن والاعدام فوقتها تخسر الدولة ويخسر الجميع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: