الإثنين , سبتمبر 16 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / قراءة الأساتذة: منوبية الغضباني/ تونس.. لنص الشاعر محمد كامل العبيدي/ تونس.

قراءة الأساتذة: منوبية الغضباني/ تونس.. لنص الشاعر محمد كامل العبيدي/ تونس.

قراءة الأساتذة: منوبية الغضباني/ تونس.. لنص الشاعر محمد كامل العبيدي/ تونس.

النص: واحِدٌ مُلاحَقٌ مِــــن أَهْـــلِ هَذِه التُّـــربة ..شعر محمد كامل العبيدي/ تونس

واحِدٌ مُلاحَقٌ مِــــن أَهْـــلِ هَذِه التُّـــربة
وَاحِدًا،
وَحـــيدًا.. وأَنْتَ تَجْمَعُ شَتاتكَ
بعد انْكسارك والهَزيمة
هَــــلْ يَعرِفُ البُّوليس أَنَّكَ عُدْتَ واحِــــدًا مُنكَسِرًا؟
وَاحِدٌ يُحاصِره واقعٌ لا مرئِي
و غَدٌ يَترجَّلُ عَكْس المَرحلةِ
وَاحِدًا،
وَحـــيدًا.. وأَنْتَ تَخْلَعُ الفِــــكرَةَ
وَتُحاولُ عَبثَا قَتْلَ النَّبي الذِّي فيك
وَسِرًّا تتَجرَّدُ من القضيَّةِ.
هَــــلْ يَعرِفُ البُّوليس أَنَّكَ عُدْتَ واحِــــدًا
وأنَّ لا فائِدةَ في أنْ يُكَثِّفَ الرَّقابة
وأنْ يَستأجِرَ في الحَيِّ عيونا أُخْرى
فَجَرَّة أَحلامِكَ قَدْ كُسِرَتْ..
كُسِرَتْ…
والجُرْحُ بالقَلْبِ يَدْمى
إِستِدْماءِ جوارح اللَّيْلِ ببُكائِها.
وَاحِدًا،
وَحـــيدًا.. في مَجرَّةِ المُستحيلِ
ركِبْتَ خُطاكَ عَكْسَ اتِّجاهِ الرِّيح
تَنْــزَعُ الطَّريقِ عنِ الحصى
وعن المَحْرقة.
وَحِـــيدًا تَرْسُمُ خَريطَةَ التُّفَّاحةِ تَنْخَرُها الفَضِيحة
وَتَستأجِرُ مُعلِّمَ الجُغرافيا
لِيُؤدي بِنا الصَّلاةَ الأَخيرة
إلى وِجْهَةِ ثاني القِبْلتينِ
ودون أنْ يَرُدَّ السَّلامَ
يَلُفُّ الخَريطَةَ وَيَرْحَلْ..
بَيْننا عَهْدٌ
نُحرِّرُ المـــساء مِنْ آلهةِ الصَّمْتِ
ونَركَبَ فَوهَةَ الوَقْتِ
وَنْبـــني للشِّعرِ مِـــئذَنة
وَنُحَرِّرَ الرَّصيفَ مِنْ غُبار “النَّاصريِّ” واليَساريِّ حَبيبا الله
وَحْدَهُ الله يَعرِفُ سِــرَّ السَّـــنابِلَ الطَّالِعةَ مِنْ مِلْحِ الدَّمِ
مِلؤُها قَمْحٌ وعـــاصِفة.
مَا جَدْوَى أنْ نَهْدِمَ أَسْوارَ الحُدُود
ونُلغي التَّأْشيرَةَ و نَتَوحَّدْ
والصَّلاةُ للْفَقيرِ وللغنِيِّ المِئْذَنة
ما جَدوى..
ما جَدْوى أنْ نَتوَّحَدْ
والشَّاعِرُ المُفْتَخِرُ باعَ حِصانَهُ
وغَيَّرَ اللُّغَةَ..
وضاجَعَ قَصيدته الفاجِرة وَسكَنَ المَقبرة
وَفقيه الدِّين حَرَّمَ على البَغيّ بيعَ لَحْمِها
وحَلَلَّ بَيعَ القَضيّة
وبيعَ اليابس و الأخْضَرْ.
***
محمد كامل العبيدي
القراءة:
_____________
“واحد ملاحق من أهل هذه التربة”
القصيدة سياسية والشاعر محمد كامل العبيدي من الشعراء الذين يركبون مخاطر الكتابة في السياسة بما تقتضيه من جرأة و خاصّة من محافظة على المنحى الإبداعي للشّعر والقصيد…
وهو من الذين يبرعون ويوفقون في توظيف طاقته الشعرية في هذا الغرض …فجلّ قصائده تنهل من الأوضاع السياسية المتردية ومخلفاتها من قمع وكبت الحريات …وهي ذات خصائص معيّنة جمعت بين السياسة والمحافظة على شعرية القصيد وقيمه الفنيّة والتعبيرية لتبقى متماسكة مستجيبة للإبداعات الشعرية غير مستهجنة بها…
وسنرى هذا في قصيدة الحال
ففي هذه القصيدة تحضر الشخصية كإحالة ومرجع بانية للنص الشعري ولبؤرته الدلالية تتنامى عبرها الأحداث والوقائع ويمارس عليها القمع والضغط وهي في كلّ هذا عتبة المتلقي الى أسرار النّص
واحدا
وَحـــيدًا.. وأَنْتَ تَجْمَعُ شَتاتكَ
بعد انْكسارك والهَزيمة
هَــــلْ يَعرِفُ البُّوليس أَنَّكَ عُدْتَ واحِــــدًا مُنكَسِرًا؟
فتدرجات النّص تفتح أبواب تأويل وتحيل على شخصية مخصوصة ليست ذات صلة بالحب ولا العشق ..فهذا التقديم الذي صدّر به صورة الملاحق المطارد في مقطعه الإفتتاحي (واحدا…وحيدا…منكسرا …منهزما…يترجل عكس المرحلة )يمرّر الصورة باتقان صورة ملاحق مطارد وهو في تربته يغمره اضطراب ..انكسار …خوف …احساس بالخطر …شعور بالغبن …بالظلم
وتتلاحق المقاطع بعد هذا التقديم متواترة في نصّها الشّعري متلاحقة بكثافة المعنى وقوّة العبارة
وَاحِدًا،
وَحـــيدًا.. وأَنْتَ تَخْلَعُ الفِــــكرَةَ
وَتُحاولُ عَبثَا قَتْلَ النَّبي الذِّي فيك
وَسِرًّا تتَجرَّدُ من القضيَّةِ.
فقوّة العبارات وحسن تنظيم تواترها في النّص الشعري غدت قوة مدمرة لهذا الواحد الوحيد …والتعريف بها وتقديمها للمتلقي مرتبط بقدرة المبدع وبراعته …فهذه المشيرات تتعلق بمحاصر ومطارد في هذا الوطن ..يقتفون خطاه يضيقون عنه الخناق ومادروا أنّه أحرق أفكاره وقناعاته تخلّى عن قضاياه واصبح مجبولا على الإستسلام والإنكسار….فالفعل “تخلع” لغة يفيد القلع العنيف والتعسف في إزالة الشيء أو الشخص ….فالمفعول به مخلوع مورس عليه الفعل ولعلها اشارة ذكية من الشّاعرلتداول المصائر بين حاكم ومحكوم…….ولدفع للتّأمل فيها…
هَــــلْ يَعرِفُ البُّوليس أَنَّكَ عُدْتَ واحِـــ
وأنَّ لا فائِدةَ في أنْ يُكَثِّفَ الرَّقابة
وأنْ يَستأجِرَ في الحَيِّ عيونا أُخْرى
فَجَرَّة أَحلامِكَ قَدْ كُسِرَتْ..
كُسِرَتْ…
والجُرْحُ بالقَلْبِ يَدْمى
إِستِدْماءِ جوارح اللَّيْلِ ببُكائِها
.
يستهلها باستفهام مستعملا فيها هل التي تستوجب جوابا بنعم او لا. وهو حد بلغ به الشاعر الشخصية المدار الى الوعي بذروة المعاناة في عالمها المرتبك المختنق….كما أنّ انخراط النص في ضمير المخاطب صرفا هو خطاب سجال بين الشاعر وهذا المطارد الملاحق من البوليس…وقد بلغ في هذا الخطاب للشخصية غليان الشعر حتى كأنّي به يتلذذ باستثارة انفعالاته وردّة فعله …وهو في أشدّ حالات التّأزّم من مراقبة وملاحقة أصبح لا مبرّر لها…..
فكلّ الإستفهامات المطروحة على الملاحق تضخّم الأمر وتصوغ مرارته صياغة سياسية هادمة للكيان البشري التّائق لحرية التّعبير (هل يعرف البوليس أنك عدت وحيدا وتكرار وحيدا لأكثر من مرّة تتعمّد تعميق المآل الحتمي لهذا المطارد في تربته..خلع الفكرة و.كما أن الألفاظ رقابة واستئجار عيون أخرى هي معجم يقوم على الحرمان من الحقوق والتسلط والترهيب ..وقتل النبي فيك …وقد قيل أن الشعراء خليفة الأنبياء…و هو مأساة المثل السيء في القتل…
والملاحظ تغير صيغة الخطاب في المقطع الأخير من القصيد الى ضمير الجمع المتكلم ليجعلنا كمتلقين في لبس يتماهى بنا بين المتكلم عنه ونحن المتكلمة في هذه الافعال (نحرر…نركب……نبني….نلغي)
ليخفّ هذا اللّبس عندما ندرك فحوى رسالة الشّعراء والشّعر فمتى تطابقت الأهداف والمقاصد توحدت الكلمة
ببيْننا عَهْدٌ
نُحرِّرُ المـــساء مِنْ آلهةِ الصَّمْتِ
ونَركَبَ فَوهَةَ الوَقْتِ
وَنْبـــني للشِّعرِ مِـــئذَنة
وَنُحَرِّرَ الرَّصيفَ مِنْ غُبار “النَّاصريِّ” واليَساريِّ حَبيبا الله
وَحْدَهُ الله يَعرِفُ سِــرَّ السَّـــنابِلَ الطَّالِعةَ مِنْ مِلْحِ الدَّمِ
مِلؤُها قَمْحٌ وعـــاصِفة.
مَا جَدْوَى أنْ نَهْدِمَ أَسْوارَ الحُدُود
ونُلغي التَّأْشيرَةَ و نَتَوحَّدْ
والصَّلاةُ للْفَقيرِ وللغنِيِّ المِئْذَنة
فهناك اعلان عن التزام يخرج بالشعرعن من مجرد متلفظ …وقد وفر الشاعر في منجزه النصي مصطلحات لغوية دقيقة بليغة أخذت تجلياتها المؤثرة في نفس المتلقي لتكون على ألسنتنا فيكون حضورنا والتزامنا بها يتجاوز الإستعاب الى الإسهام
فقوله نحررالمساءمن آلهة الصمت….نركب فوهة الوقت…..نبني للشعر مئذنته..نحرّر الرّصيف من غبار….اليساري والناصريّ
فالحفز مشجع والامبالاة في التحدي سمة الشعر والشعراء
هي قراءة عابرة لم تقف عند كلّ مضامين هذه القصيدة ….أردت أن الفت بها الإنتباه لكتابات هذا الشاعر التونسي وانموذجها …نموذج للشعر السياسي المشتغل على ظواهر القمع والإستبداد …فهذا الجنس من الشعر توفرت فيه حظوظ الإبداع الفني على عسره عند محمد العبيدي بما يعطي للنص نكهة الشعر وسماته …فجل قصائده في هذا الغرض ترفل ببهاء اللغة وجمالها وبلاغة الإستعارات ..فتحية لهذا الشاعر الذي يحمل قضايا مُدانة ويسير في منهج لا يضمن أمنا لسلاّكه في أوطان جبلت على قمع شعوبها وتكميم أفواهها….

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: