الثلاثاء , أكتوبر 22 2019

عدوي غيث

كتب :مصطفي بيومي

الرجل الطيب الوديع الوقور، البسيط العميق ذو الحضور والجاذبية، تشعر في حضرته الحانية بأنه الأب الذي تحن إليه، وترى فيه الحصن والملاذ وواحة الأمان، أو ربما حائط المبكى الذي تتخلص في أحضانه من أوجاع الروح.
ممثل قدير من طراز فريد، مسكون بهدوء الحكماء، خفيض الصوت كأنه يجد في الضجيج عيبا ومرضا. ما أكثر أفلامه التي تبرهن على موهبة أصيلة، جوهرها الإدراك الواعي لأبعاد الشخصيات التي يجسدها ويصادقها، فتبوح له بالأسرار والخبايا.
…………………
في آخر أفلامه :”مستر كاراتيه”، 1993، يترك لعشاقه ومحبيه ذكرى لا تغيب؛ الأستاذ عزيز الذي يعيش مع سيارته القديمة، شريكة رحلة العمر، قصة حب غير تقليدية، تنعش الأرواح المرهقة في زمن بلا قلب. لا يشك المشاهد لحظة أن السيارة تبادله حبا بحب، وتشتاق إليه اشتياقه لها. ما أروعه وهو يحنو عليها ويأبى أن يتولى عامل الجاراج الجديد عمر، أحمد زكي، مهمة تنظيفها، ويبوح له بحقيقة المشاعر التي يكنها :”عايز أقولك حاجة.. دي بتزعل قوي لو ما كنتش أنزل أصبح عليها.. عشرة عمر بقى يا ابني”.
لا ذرة من التصنع والافتعال والإسراف الانفعالي المرذول في كلماته هذه، والسيارة رفيقة العمر هي كل ما يتبقى للشيخ الوحيد في الفصل الأخير من حياته. “ربنا يخليها لك يا حاج”!، كلمات يقولها عمر جادا صادقا، والدعاء العذب صادر عن قلب طيب بريء، يستوعب بفطرته النقية بلا شوائب ما تمثله السيارة في حياة الرجل الطيب.
عندما يصيبه الأرق ويعزّ النوم، لا يجد الأستاذ عزيز إلا حبيبته الأثيرة ليجالسها وتؤنسه، أو على حد قوله لعمر :
“-أنا أصلي ما جليش نوم.. قلت أنزل أقعد معاها.
– مين؟
– عزيزة صاحبتي”.
ما أنسنة السيارة إلا ترجمة أمينة دقيقة، مؤلمة موجعة، لتوحش البشر وهيمنة التشيؤ وطوفان الاغتراب. الأستاذ الطيب ليس مجنونا مضطرب الأعصاب، بل إنه سيد العقلاء في عالم بلا عقل.
مساحة المشهد محدودة، وكلمات عدوي غيث الهامسة قليلة بسيطة، لكن الممثل الفذ يقدم دورا غير مسبوق في عمقه الشجني الخلاب. انفعاله محسوب بدقة المحترف المتمكن، وإحساسه المرهف بأزمة الشخصية ينم عن دراسة واستيعاب ومعايشة. من هنا يتعاظم التأثير، وينجح الفنان القدير في التفاعل الإيجابي مع المتلقي الذي يدرك حجم المأساة ويتعاطف بلا شفقة زائفة مع الأستاذ الذي يموت وحيدا، وتتهيأ السيارة بعده للضياع في سراديب اليتم.
قبل أكثر من عشر سنوات، 1981، كان عدوي بارعا في تقديم شخصية العجوز رياض في “موعد على العشاء”. زوزو ماضي، العجوز مثله، هي بديل السيارة في فيلمه الأخير، والحلم الذي يراهنان عليه أن يتزوجا ويسعدا في القليل الذي يتبقى لهما من العمر، لكن الموت يتدخل ليطيح بالعروس وهي تتهيأ للزفاف، ويسدل الستار قبل بداية العرض!.
يا لتعاسة البسطاء المحرومين قهرا من اختلاس لحظات السعادة القصيرة الاستثنائية، وما أكثرهم.
……………..
العجوز الطيب الوديع مورو، في “الحريف”، لاعب قديم متقاعد يتعذب قرب نهاية العمر بالفقر والفراغ والوحدة، ويتشبث بعشقه لكرة القدم عبر المشاهدة والمتابعة والتشجيع. المحبة والاحترام المتبادل قوام علاقته مع فارس، نجم الساحات الشعبية والمراهنات، وفي نظرات عيني الممثل القدير للنقود في القهوة ما يكشف عن قسوة الفاقة والحرمان وإدمان الصمت. لا مهرب من تجهم الواقع إلا بالعودة إلى ذكريات الزمن البعيد المندثر، الحافل بالخير والطعام الوفير الرخيص، والحياة البسيطة السعيدة بلا تعقيدات وجفاف. الحاضر مختلف مسرف في شحه، لا متسع فيه للسمن البلدي والتهام خروف كامل:
«-أمال انت دلوقتي بتعمل إيه يا كابتن مورو؟
-بأديها رز ومكرونة عشان تتملى».
يمتهن العجوز المرهق عملا متواضعا محدود العائد، وليس مستغربا أن يتعاطف معه فارس الأقل فقرا، ويقدم له دعما ماديا: «دول سلف لغاية ربنا ما يسهلها.. امسك .. خلاص بقى.. دا انت خيرك سابق علينا من زمان».
لا يبوح الرجل عزيز النفس بمتاعبه وهمومه، ولا يشكو شيئا مما يواجهه من عنت واضطراب، بل إنه يبدى الحزن الصادق ويتوجع متعاطفا مع الأكثر تعاسة وتدهورا، كما يتجلى في حواره مع فارس:
«-انت فاكر الواد لوقا كابتن شبرا؟
-آه.. عارفه.. بقاله مدة مش باين.
-قابلته النهارده جهة الباطنية.. وصدقني يا فارس ماعرفتوش.. حالته بقت تصعب على الكافر.
-إيه.. حصل له إيه؟
-بيريل وأصفر وممصوص زي الغابة.. بقى واحد تاني خالص لدرجة إنى ما عرفتوش..
-وإيه اللي عمل فيه كده؟».
المخدرات تقود لوقا إلى الانهيار الشامل الذي يحيله إلى جثة حية، فهل يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للكابتن مورو؟. ليس مدمنا، ويعتز بكبريائه وكرامته، ويعيش أيامه الأخيرة متدثرا بزاد من الذكريات الإيجابية، متشبثا باللعبة التي يحبها ويتابع تحولاتها المثيرة من مقاعد المتفرجين الخبراء.
في المشهد الأخير من الفيلم، يندمج مع فارس الذي يلعب مباراته الأخيرة كأنه يخوض معه معركة حاسمة للانتصار والدفاع عن الوجود أو بقاياه: «يا سلام يا فارس.. قلبي معاك».
الكابتن مورو نموذج ثالث للرجل الطيب المقهور التعيس، مثل عزيز ورياض، وفي هذا النمط من الشخصيات يتحقق عدوي غيث ويتألق، لكنه لا يكرر نفسه. لكل شخصية خصوصيتها، والمشترك الراسخ هو الإرهاق متعدد الأسباب والتوتر الذي يعكر صفاء الروح والوقوف على حافة الهاوية؛ هاوية النهاية المأسوية.
……………..
في “الحب فوق هضبة الهرم”، 1986، لا يعيش عبد الستار أفندي وحيدا مثل عزيز، ولا يحلم بحياة جديدة قرب نهاية العمر كما يحلم رياض، ولا يتقاعد متحسرا على ماضيه الكروي حسرة الكابتن مورو. إنه موظف عادي من المحسوبين على الطبقة الوسطى الصغيرة قبل انهيارها، ورب أسرة يعاني أفرادها شظف العيش ويتعذبون بالتحولات الانفتاحية الكارثية التي يقودها السادات لتدمير ما تبقى من منظومة القيم المتماسكة في المجتمع المصري.
لا يملك عبد الستار غير الحيرة بلا قدرة على المقاومة ، والاستسلام حتمي جراء الطوفان العارم الذي لا قِبل له بمواجهته. ثيابه تشهد على أزمته، ونبرة صوته تعبير عن اليأس والتعب، والتنازلات التي يقدمها تباعا لا مهرب منها ولا بديل لها. الأمر هنا ليس فرديا خالصا، ويعي الممثل الكبير أنه ينوب عن طبقة تحتضر، وعندئذ يكتسي وجهه بحسرة تشبه شواهد القبور وعلامات السقوط الأخير.
لا يختلف الأمر إلا قليلا في “النمر والأنثى”، 1987، حيث ضابط الشرطة المتقاعد والد الضابط الشاب وحيد، عادل إمام. قد يكون صحيحا أن المستوى الاجتماعي أرقى نسبيا، وأن الستر لم يتبخر بعد، لكن الشرفاء مهما تعلو مناصبهم عرضة للحياة على الهامش البعيد عن الاستقرار. ربما يتوهم المشاهد الشاب أن ملامح الفنان الوديع لا تتوافق مع مهنة تقترن في أذهان المعاصرين بالشراسة وغطرسة القوة، لكنه يتغافل عن حقيقة ينبغي الوعي بها: لم يكن ضابط الشرطة في العهود القديمة إلا جزءا أصيلا من منظومة آحاد الناس، يمتهن وظيفة مدنية لا شيء يميزها ويحيطها بهالة من التفرد والاختلاف.
بملامحه الطيبة الرقيقة يبدو عدوي غيث مقنعا في الأدوار التي تتوافق مع شكله الوديع الذي يناسب رجال الدين والشيوخ الورعين والمواطنين الصالحين، لكنه قادر على كسر النمط عبر تجسيده لشخصيات مغايرة، لا يتخلى فيها عن طيبته المعهودة، لكن التوظيف يختلف جذريا، كما هو الحال في “احنا بتوع الأتوبيس”، 1979، و”كراكون في الشارع”، 1986″، و”كتيبة الإعدام”، 1989.
……………….
رجل الدين المعتقل في “احنا بتوع الأتوبيس”، لابد أن يكون من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ذلك أن النظام الناصري لم يُعرف عنه اعتقال الأزهريين، لكن صانعي الفيلم يجدون حرجا محسوبا في التصريح بإخوانية الشيخ، ويقدمونه في إطار المتدين المتسامح المظلوم، والهدف الكامن سياسي بغية إدانة عبد الناصر وعهده. يجتهد عدوي في تقديم الدور المكتوب بكل ما في بنائه من خلل، لكنه يبدو قلقا يدرك في أعماقه ما تتسم به الشخصية “ورقيا” من اهتزاز واضطراب.

على النقيض من ذلك تماما ما نجده في “كراكون في الشارع”. الأجواء والعلامات الدينية التي تحيط بشخصية المقاول وتنم عن الورع والتقوى، اللغة والملابس وديكورات المكتب، ليست إلا أدوات الاحتيال والنصب التي يتسلح بها لإتقان عملية الخداع والسرقة الفاجرة. من يرى الممثل القدير لا يشك لحظة في صدقه وجديته، وهكذا الأمر مع محترفي استثمار التدين الشكلي المزيف.
مصطفى الغريب، عم الدكتورة نعيمة في ” كتيبة الإعدام”، شيخ ضرير يعيش لهدف واحد: الثأر من الأعداء التاريخيين وحلفائهم المحليين، أولئك الذين يقتلون الابن والأخ في حرب 1973. مشهد وحيد يظهر فيه مع ابنة أخيه، معالي زايد، ويعبر بوجهه ودهاليز روحه عن نيران القلق ولهفة الانتظار التي تسكنه. دور صغير ربما، لكن الرجل يقترب فيه من قمة التعبير عن أعماق الشخصية المعذبة.
لا تتيح السينما المصرية لعدوي غيث، وأمثاله من أفذاذ الموهوبين الجادين، فرصة الكشف عن إمكاناتهم الخارقة، لكن القليل المتاح لهم يعلن عن معادنهم النفيسة التي لا يطولها الصدأ.
…………….
يغادر عدوي دنيانا قبل ربع قرن تقريبا، ويخّلف تراثا غزيرا في السينما والدراما التليفزيونية. غيابه لا يعني الغياب، فهو واحد من الناس الذين يسعون في شوارعنا ويجلسون في قهاوينا ويشكون من متاعب الحياة في وادينا الذي لا يعرف العدل والإنصاف.
تراه فتستعيد زمنا مندثرا تحن إليه وتتطلع إلى ما فيه من دفء ومودة، وترتوي من حنان عينيه والخير العميم الذي يختلط مع التجاعيد التي تملأ وجهه الجميل الطيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: