الثلاثاء , أكتوبر 22 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / جمال غيطاس يكتب ….بين المالي والسياسي ..نظرة على المفهوم العلمي للفساد

جمال غيطاس يكتب ….بين المالي والسياسي ..نظرة على المفهوم العلمي للفساد

لو طالعت المفهوم العلمي الرصين للفساد، ستلاحظ أنه حينما يدور الحديث بكثافة عن الفساد المالي فى مجتمع يحكمه نظام ديكتاتوري، يكون الأمر في بعض الاحيان اشبه بقرع الطبول فوق رؤوس آلاف من البشر، فرض عليهم الصمت المطبق قسرا، بعد حشرهم في ميدان مترامي الاطراف، سدت منافذه عليهم بإحكام، ليصرف صوت الطبول انتباههم عن ما قادهم إلي الصمت والحشر داخل اسوار الميدان …. كيف ذلك؟

وضع علماء الاقتصاد السياسي، والمؤسسات المعنية بقضية النزاهة ومكافحة الفساد، العديد من التعريفات والمفاهيم الخاصة بالفساد، ومن ذلك ما أورده الباحث الامريكي رونالد وينتروب في كتابه “الاقتصاد السياسي للديكتاتورية”، وما قدمته مؤسسات دولية، كمؤسسة الشفافية الدولية، والمشروع العالمي للعدالة، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ووحدة ابحاث الايكونوميست، والبنك الدولي وغيرهم.

من التعريفات البسيطة المباشرة للفساد التى وردت بهذه الادبيات تعريف يقول أن الفساد هو” اعلاء المصلحة الشخصية عبر استغلال الوظيفة العامة أو الموظف العام، لتحقيق مكاسب شخصية، مع ما يؤدي إليه ذلك من إهدار للمصلحة العامة بشتى صورها، ولقيم العمل والانجاز”

إلي جانب التعريف، وضع الباحثون تسعة مبادئ، يتعين علي أي مجتمع أو دولة التقيد بها، لكي تنأى بنفسها عن الوقوع في شرك الفساد، وتستطيع مكافحته إن نشأ، وهذه المبادئ هي:

ـ أن يكون الشعب مصدر السلطات.
ـ أن تطبق قيم الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة.
ـ احترام وتفعيل الرقابة المجتمعية.
ـ احترام وتفعيل الرقابة البرلمانية.
ـ عدم هيمنة السلطة التنفيذية على السلطات الاخرى.
ـ استقلال القضاء وسيادة القانون.
ـ ان تكون الوظيفة العامة تكليف لخدمة الشعب.
ـ احترام حرمة الملكية العامة والخاصة.
ـ قوة واستقلالية مؤسسات الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية

إذا دققنا النظر إلي التعريف جنبا إلي جنب مع المبادئ التسعة، سندرك أن ظاهرة الفساد بأي دولة، تبدأ من نقطة محددة، هي علاقة نظام الحكم القائم ـ بدستوره وقوانينه ومؤسساته والقائمين عليه، من قمة هرم النظام إلي سفحه الأدنى ـ بهذه المبادئ التسعة، فبمقدار ما يحترم نظام الحكم هذه المبادئ ويحترمها، بمقدار ما يبتعد عن الفساد، ويقترب من النزاهة والرشد، وبمقدار ما ينتهكها ويهدرها، بمقدار ما يغرق في الفساد والغي والجنوح والحمق.

لو طبقنا هذه القاعدة علي الأنواع المختلفة من نظم الحكم ، سنجد أن النظم الديمقراطية أقرب للتوافق مع مبادئ منع الفساد التسعة السابقة، لأنها نظم قائمة ابتداء علي القيم العليا، من سيادة الشعب، والحرية والعدالة والمساواة، والخضوع للقانون، وعدم التمييز بكافة اشكاله، واحترام حق المشاركة والمكاشفة والشفافية والنزاهة والمساءلة والحوكمة، واحترام الكرامة الانسانية، وغيرها.

أما نظم الحكم الديكتاتورية، فهى الاقرب للتعارض مع هذه المبادئ، والاكثر ميلا لهدرها وانتهاكها، إن لم يكن محوها تماما في ممارساتها العملية، فهي نظم قائمة علي الحكم بالقهر والعنف والقبضة الأمنية شديدة الغلظة، ويسلب فيها نظام الحكم حق الشعب في أن يكون مصدر السلطات، وحقه في المشاركة باتخاذ القرارات، وحقه في التعبير عن نفسه بحرية، وحقه في مساءلة حكامة وتغييرهم وعزلهم ومحاسبتهم، وتميل هذه النظم دوما إلي تغذية وإشاعة صورا شتي من التمييز بين مجموعات وطبقات مختلفة، علي حساب مجموعات وطبقات أخرى، وذلك بالطريقة التي تري أنها تضمن لها البقاء.

إذن .. فنظام الحكم الديكتاتوري في حد ذاته، هو أول حالة من حالات الفساد بالمجتمع، ويصنف علي أنه “فساد سياسي”، لأن النظام في هذه الحالة يكون ـ بحكم التعريف العلمي السابق ـ قد قام بإعلاء المصلحة الشخصية للقائمين عليه، وحصل لنفسه علي حقوق ليست من حقه، لأنها في الأصل مملوكة للشعب بطوائفه المختلفة، كحق الانفراد المطلق باتخاذ القرار، وحق الإعفاء من المساءلة، وحق انزال العقوبات بما يتماشي مع رؤيتهم للأمور، بغض النظر عن توافقها أو تعارضها مع مبدأ سيادة القانون.

تؤكد التجارب التاريخية لأنظمة الحكم الديكتاتورية ـ التي درسها وحللها الباحثون مثل نظام ستالين فى روسيا، وماركوس بالفلبين وبينوشيه في شيلي وموبوتو في الكونغو وغيرهم ـ أن الفساد بمعناه السياسي علي النحو السابق، كان النبع الأعمق والأكبر الذي خرجت من عباءته كافة أشكال الفساد الأخرى بهذه المجتمعات، وفي مقدمتها وأكبرها الفساد المالي.

السبب في ذلك أن نظام الحكم الديكتاتوري يعلم يقينا أنه لا يستند في بقائه إلي قاعدة صلبة من الرضاء الشعبي العام، لأنه ببساطة اغتصب وسرق حقوق الشعب الأساسية المشار إليها، وبالتالي يتعين عليه أن يبحث لنفسه عن آليات يثبت بها أركانه، ويطيل من خلالها أمد بقائه بالسلطة لأطول فترة ممكنة.

في هذا السياق يتحدث الباحثون عن آليتين اعتادت أنظمة الحكم الديكتاتورية اللجوء إليها منذ عهد الرومان إلي اليوم، وتعتبران “الباب الملكي” للفساد المالي بالمجتمع، الأولى آلية بناء الولاء، وتتم في صورة ميزات وعلاوات وحقوق مادية وعينية تمنح للأطراف التي يري النظام أنه من المهم شراء ولائها، ويمتد نطاق هذه الميزات والعلاوات لتشمل زيادة في الرواتب والمخصصات المباشرة، وتصل ذروتها إلي إصدار قوانين تضفي نوعا من الشرعية علي هذه الميزات، التي يجني الموالون من ورائها ثروات طائلة، فيما يعرف “بالفساد المشرعن”، أو الفساد بالقانون، وعمليا يعد انحرافا صريحا بالسلطة، وإهدار صريحا للمال العام، لأنه في جوهره عبارة عن تكلفة اقتصادية يتكبدها الشعب من ماله العام، وينعم بخيرها القلة المطلوب ضمان ولائها، وتتركز ميزات الولاء عادة في أجهزة السلطة وما يرتبط بها من شرائح عليا في المؤسسات البيروقراطية وفئة اصحاب الاموال.

الآلية الثانية هي آلية القمع وهدم المعارضين، وتتجسد في كافة الاجراءات القمعية من سجن واعتقال وتعذيب وقتل وترهيب وإرهاب، تتخذ لكسر شوكة المعارضين والمنتقدين والمعارضين للسلطة أولا بأول، وهذه ايضا لها تكلفتها الاقتصادية، التي تتمثل في الانفاق السخي علي الاجهزة القمعية، وفيما يحصل عليه القائمين علي التنفيذ من سلطات واسعة، عادة لا تكون مصحوبة بضوابط للمساءلة والمحاسبة، مما يجرها إلي مزالق اساءة الاستخدام، بل والمتاجرة بالسلطة والنفوذ علي حساب الكثير من المواطنين البسطاء، تحت شعار حماية الوطن او النظام.

اللافت هنا أن العديد من قيادات هذه الانظمة، تسرف في الاعتماد علي آلية بناء الولاء، وآلية القمع، بما تجسدانه من فساد سياسي، وما تجرانه ورائهما من فساد مالي، وفي الوقت نفسه يكونوا هم المستوي الشخصي من ذوي النزاهة والاستقامة المالية، وهو ما يجسد ظاهرة الاشخاص ذوي “العفاف المالي” و”الفساد السياسي” في آن واحد.

أثبتت التجارب فى البلدان المشار إليها وغيرها، أن الفساد المالي الذي تشكل حول آلية بناء الولاء، وآلية القمع وهدم المعارضين، كان عريض النطاق، وعميق المستوي، وفي بعض الاحيان بدد شرائح مهمة من الثروات الحية الحرجة للشعوب التي وقعت تحت نير هذه النظم، مما قادها في النهاية للفقر والتوترات الاجتماعية، والمدهش أنه في النهاية لم يحقق الحماية والاستدامة لهذه النظم، وكان تضخم هذا الفساد سببا في انهيارها، إما من داخلها، أو تحت وطأة ثورات شعبية عارمة.

نخلص من ذلك كله إلى أن تكثيف الحديث عن فساد مالي في مجتمع محكوم ديكتاتوريا، وإدخال المجتمع في جدل كبير حول مكتسبات حصل عليها البعض هنا أو هناك، هو محاولة لتضخيم الفرع الصغير من الفساد المتمثل في سرقة الأموال، لإلهاء الشعب عن الجذر والنبع الكبير للفساد، المتمثل في الديكتاتورية القائمة علي سرقة الإرادة وحق المشاركة والتعبير، ولا يهم أن تكون الأموال الجاري الحديث بشأنها ضخمة بعض الشيء، فهذه أمور لا تذكر، وتبدو تافهة أمام عملية فساد سياسي كامن في نمط بناء نظام الحكم ذاته، وهذا ما يجعل “الطنين” حول الفساد المالي يبدو في بعض الاحيان وكأنه ـ كما سبق القول ـ اشبه بقرع الطبول فوق رؤوس آلاف من البشر، فرض عليهم الصمت المطبق، بعد حشرهم في ميدان مترامي الاطراف، سدت منافذه عليهم بإحكام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: