الأربعاء , أكتوبر 16 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / أحمد العش يكتب …قسوةُ التاريخ أم غفلةُ المؤرخين 3

أحمد العش يكتب …قسوةُ التاريخ أم غفلةُ المؤرخين 3

هل أتاك حديث الأندلس ؟؟
بهذه الهل الاستفهامية ، أستهل مقدمة مقالتى بنهج لم يعتاده قلمى ، وكذلك جل قرائى ، فقد كان الدارك والدارج عن أيديولوجيتى المطلعية ، أن أصطحب القارىء إلى أطوار المقال الثلاث ، أأخذ بناصيته إلى الطلع الإنبائى بإسهاب دون إطناب ، ثم بعينيه إلى ثنايا المقال بإطناب وإطراب ، ثم بمهجته ووجدانه إلى خاتمة الذروة بفيض إلى الإعجاب ،،،
غير أن هذا المقال له منهجية مغايرة عن ذى قبل ، لا لشىء سوى لغزارة مضمونه وعظم منطوقه ، وبراعة محصوده ومحصوله ،،،
أكرر السؤال مجدداً ، وأعلم الجواب مؤكداً ( هل أتاك حديث الأندلس ؟؟
يا حمرة الخجل على ثلاثة أرباع المسلمين ، أن يجهلوا تاريخ دولة مثلت زمنياً من التاريخ الكلى للإسلام ( ثمانمائة سنة ونيف بتقدير قطعى الدلالة ) بما يعادل ثلثى تاريخ الإسلام الراسخ فى الدهر بألف وخمسمائة سنة ،،،
ثمانمائة سنة ( 711 م – 1492م ) ، فترة شاسعة من عمر التاريخ ، كانت اشراقاتها أكثر من سباتها ، وانجازاتها أنصع من اخفاقاتها ،،،
ولعمرى لن يبرح قلمى فى هذا المقال ، إلا بسبر أغوار الملمح الأندلسى المزهر الأنيق ، وإن بعُدت عليه الشقة ، فإن عرضه سيكون قريباً ،،،
تبدو كل المظاهر الجمالية فى قصة الأندلس ، من بداية فتحها المجيد إلى زوالها المدلهم ، ولى فى تبويب حضارة المسلمين فى الأندلس مآرب أخرى ،،،
أشرقت شمس الإسلام على أرض الأندلس ، وقفاريها وصحرائها وجبالها ، بقدوم طريف بن مالك ، أول مسلم يطأ برجليه هذه البقعة المترامية ، ثم أتبعه شهاب طارق بن زياد الثاقب ، الذى استأصل شأفة القوط النصارى وألحق بهم هزيمة نكراء فى معركة وادى لكة عام 711م ، معلناً دخول الإسلام على أرض الأندلس ، واحتفى التاريخ بطارق بن زياد ، مرسخاً اسمه على ذلك الجبل الذى وطأته جيوش عند الفتح ( جبل طارق ) ، وكان موسى بن نصير قائداً صادق الوعد ، وكان رسولاً عسكرياً ،،،
وليعجب النظار إلى الرجل عقبة بن الحجاج السلولى ، الذى خير بين ولاية الأندلس وغيرها ، ففضل الأندلس لكونها أرض جهاد ، والتى أسلم على يديه فيها ألف أسير ، رغبة وطواعية ،،،
وفى تاريخ الأندلس الدروس والعبر والمثلات ، وبضرب المثال يتضح المقال ، ضرب الله مثلاً عبداً مقهوراً من عباده الصالحين ، كان وحيداً تحت سطوة العباسيين ، فاستغاث بربه ، فأغاثه ربه بأن ألهمه التسبيح فى الفرات ، ولولا أنه من المسبحين ، للبث فى الفرات إلى يوم يبعثون ، أراد الله أن ينجى عبده عبدالرحمن بن معاوية الشهير بعبد الرحمن الداخل من بطش العباسيين فى الشرق ، لعلمه أنه سيقيم راية الإسلام فى الغرب ، حقاً على الله نصر المؤمنين ، وإن كان رجلاً واحداً ، وشهد شاهد من أعدائه وخصومه ، إنه أبى جعفر المنصور العباسى ، الذى اضطر صاغراً أن يلقب عبدالرحمن الداخل بصقر قريش ، بعدما أحبط حلمه وأمله فى ضم الأندلس لملك العباسيين قائلاً ( دخل الأندلس منفرداً بنفسه ، مؤيداً برأيه ، مستصحباً بعزمه ، يعبر القفر ويركب البحر ، حتى دخل بلداً أعجمياً ، فمصر الأمصار وجند الأجناد ، وأقام ملكاً بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه ) ، وظل عبدالرحمن الداخل عظيماً مهيباً على رأس دولة الأندلس لنحو اثنتين وثلاثين سنة كاملة ، قامعاً لخمسٍ وعشرين ثورة ضد عرشه ، منتشلاً الأندلس من أشداق السباع البشرية ، مشيداً على ثراها أجمل الصروح التى منها مسجد قرطبة ، ليخلفه ابنه هشام الرضا الذى لم يتغير عن منهج أبيه قيد أنمله ، يعظم شريعة الله ويدنى العلماء منه ، مستبدلاً المذهب المالكى بالمذهب الأوزاعى ، حتى لقبه أهل الأندلس بسادس الخلفاء الراشدين ، وكذلك عبدالرحمن الناصر لدين الله ( عبدالرحمن الثالث ) أول خليفة على أرض الأندلس ، وأعظم حكام أوروبا فى القرون الوسطى ، وبانى مسجد الزهراء العتيق ،،،
وضرب الله أمثلة أخرى فى نصرة الأندلس برداء الإسلام ، بأمداد بشرية من وراء أمداد كثيرة ، فى لحمة إسلامية ولمحة باسلة ، كادت الأندلس أن تفنى من مسرح التاريخ ثلاث مرات ، فقدر الله بقائها بعباده الصالحين ، مهرولين من خارج أراضيها طائعين ، دولة المرابطين ودولة الموحدين ودولة المرينيون ، فهذا يوسف بن تاشفين حاكم دولة المرابطين ، الذى فزع لمحنة المعتمد بن عباد ضد نصارى الأندلس قشتالة وليون ( فألحق بهم هزيمة نكراء فى معركة الزلاقة عام 1086م ) ، وذاك أبويوسف يعقوب المنصور الموحدى ، ينقذ أرض الأندلس من دنس نصارى أيبيريا ، فى موقعة الأرك المجيدة عام 1195م ، ومن بعده أبويوسف يعقوب بن عبدالحق المرينى الذى تجلت عبقريته القتالية ، لما دحر نصارى الشمال الأندلسى ، فى معركة الدونونية عام 1276م ، مؤجلاً سقوط الأندلس لقرنين من الزمن ،،،
ألا أدلكم على نجم الأندلس الأعظم ، الذى لم تنكس له راية قط ، وحبذا الحديث عنه إن كان من بسطاء الناس فلا هو ابن ملك ولا ابن وزير ، إنه الحاجب محمد المنصور بن أبى عامر ، ذلك الرجل الذى أهلته عبقريته وألمعيته للظفر بحكم الأندلس فى فترات اضمحلالها ، مكث فيها حاكماً من ( 976م حتى 1002م ) ولله در ابن عامر الأندلسى ، صاحب الاسم الذى ظل يثير الفزع فى نفوس كل حكام أوروبا ، هذا الرجل الذى خاض اثنتين وخمسين غزوة ضد نصارى الأندلس ومن عاونهم من كل حدب وصوب ، فلم يهزم فى واحدة قط ، ويكأنه ينسج ملحمة خالد بن الوليد من غابر التاريخ ، هذا هو المنصور بن أبى عامر ، الذى سير جيشاً لاغاثة ثلاث فتيات مسلمات ، هذا الذى أذاق أعداء الإسلام فى الأندلس وبال أمرهم ، وأجبرهم على الخنوع والخضوع ، وجعلهم أذلة مضعضين فى الأرض ، رحم الله الحاجب المنصور بن أبى عامر ، الذى استحق أن تنقش على قبره هذه الأبيات ( آثاره تنبيك عن أخباره – حتى كأنك بالعيون تراه – تالله لا يأتى الزمان بمثله أبداً – ولا يحمى الثغور سواه ) —-
يا أسفاه – يا حزناه على ماض الأندلس الذى ذهب ولن يعود ، والذى لا أجد رثاء له إلا فى كلمات أبى البقاء الرندى ( لكل شىء اذا ما تم نقصان – فلا يغر بطيب العيش انسان – هى الأيام كما شاهدتها دول – من سره زمن ساءته أزمان – وهذه الدار لا تبقى على أحد – ولا يدوم على حالٍ لها شان ) ——

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: