الأربعاء , أكتوبر 16 2019

ملك الجمل

كتب:مصطفي بيومي

ليست المسألة أن يكون الممثل شريرا، لكن التحدي: كيف يكون؟. القبيح ذو الملامح المنفرة القاسية ليس شريرا بالضرورة، والجميل الوسيم قد يكون من عتاة الأشرار المولعين بالأذى. عندئذ، لا يملك من يحكمون بالظاهر المباشر إلا السقوط في شرك الأوهام والأحكام سابقة التجهيز. ما الشر؟. إنه سلوك إنساني متعدد الدرجات متباين الآثار: امرأة تغار على زوجها المخادع وتسعى للانتقام من غريمتها، خالة العريس التي تضيق بخطيبة ابن أختها وتأبى إلا أن تدمر العلاقة، عمة مأزومة معقدة تكره زوجة أخيها ولا تتورع عن إلحاق الأذى بأبناء الأخ بعد وفاته. هذه الأنماط جميعا تعبر عن شر فردي ذي دوافع ذاتية، وقد يتحول الشر إلى عمل احترافي وثيق الصلة بالمهنة التي ترتزق منها المرأة، ومن ذلك ما نجده عند بعض الخاطبات في إصرارهن على إتمام زيجات غير متكافئة بغية الحصول على عطاء مادي سخي. لا شك أن القوادة شريرة تفسد الأخلاق وتقود ضحاياها إلى السقوط في مستنقع الرذيلة، ولا خلاف أيضا على أنها تؤدي عملا كريها جديرا بالإدانة وإثارة الاشمئزاز، لكنه عمل في نهاية الأمر.
ملك الجمل ممثلة قديرة متمكنة، بارعة في تجسيد الشخصيات الشريرة، مثلها في ذلك مثل نجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم ونعيمة الصغير. كلهن قادرات على الإمساك بالمعنى الإنساني الكامن في لعنة الشر، ومن الذي يخدع نفسه والآخرين فيزعم هيمنة الخير واستثنائية نقيضه؟. في الوجوه المتنوعة للشر الذي نضيق به ولا نملك إلا التسليم بوجوده، تتألق ملك وتبدع وتقنع وتترك عظيم الأثر. ما تحظى به من كراهية المشاهدين دليل عملي ساطع على النجاح غير المحدود، لكنها الكراهية التي تختلط دائما بالإعجاب وتقدير البراعة. يعي الكارهون أنها تمثل، ويتورطون فيوقنون أنها لا تمثل، وأي تحقق للممثل يفوق وصول أدائه إلى محطة الاختلاط هذه؟.
……………..
“الشموع السوداء”، 1962، فيلم ذو أجواء أوروبية خالصة، يفشل صانعوه حتى في الاقتراب من تمصيره. صالح سليم نجم في كرة القدم ذو شعبية جديرة بالاستثمار التجاري، وأمينة رزق نمطية الأدء تكرر عشرات الأدوار السابقة واللاحقة مثل فؤاد المهندس في شخصية التابع، أما نجاة الصغير فتغني في المقام الأول. البطولة الحقيقية موزعة بين ملك، حكمت، وفتحي، صلاح سرحان.
تعي ملك في تعبيرها الرفيع عن الشخصية أن حكمت ضحية قبل أن تكون جانية، وتترجم وعيها هذا بأداء يبرر الشر ولا يدافع عنه أو يجمله. ظهور الممرضة إيمان، نجاة، ومغازلة زوجها السري وأم ابنها لها، قد يطيح ببقايا الأمل الأخيرفي استعادة كل أو بعض ما ضاع. لا تمارس الشر للشر، لكنها في حالة دفاع عن النفس وتشبث بالوجود. لا تنجومن التطرف في الحرب الشرسة التي تخوضها، وينبغي فيها إشهار المتاح من أسلحة المقاومة، وهكذا المعارك المصيرية دائما.
قد يكون صحيحا أن الشر المبرر يقود حكمت إلى سلوك عدواني مسرف في الشراسة، ويلحق الأذى والظلم الفادح بمن لا ذنب لهم في صناعة المأساة التي تكتوي بنيرانها، لكن تطور المعارك لا يتحمل مسئوليته طرف واحد من المحاربين. تتعمق ملك في دراسة الشخصية، وتتجنب المبالغة الفجة غير المقنعة. الشر في عينيها ومشيتها وصوتها، والوصول إلى محطة النهاية لا يغير شيئا في أسلوب الأداء المنضبط المحسوب، ذلك أنه الإبداع الذي يخلو من الاندفاع المرذول وليد الانفلات الفوضوي الذي قد يقع فيه غيرها. الشروع في قتل أحمد عاصم، بعد قتل فتحي من قبل على سبيل الخطأ، مبرر منطقي لا يتطلب إسرافا انفعاليا ذا نبرة خطابية زاعقة :”أنا لازم أعيش.. لازم أعيش عشان ابني.. ابني اللي مالوش حد غيري.. أنا قتلت أخوك عشان خاطره.. وها أقتلك انت كمان”.
إنها أم قبل أن تكون قاتلة حاقدة موتورة، ومن هنا التفرد في تقديم الشرالإنساني الجدير بالإدانة والإشفاق معا.
…………..
“أم العروسة”، 1963، فيلم اجتماعي مرح صادق في تعبيره عن حياة الطبقة الوسطى الصغيرة في مصر، حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين. في هذا السياق، يمكن القول إن شخصية خالة العريس جلال، التي تقدمها ملك الجمل، ليست حالة فردية استثنائية، والشر الذي تعبر عنه شائع منتشر كما يتجلى في التراث الشعبي المصري الحافل بالكثير عن الحموات وشرورهن.
أم جلال صامتة تكتفي بالامتعاض والتأفف، والخالة بمثابة الحماة البديلة. تتسم في ساعات الغضب بالحدة والإسراف في الهجائيات العنيفة، ولا تتورع عن توجيه الاتهامات القاسية والرغبة في إفساد الزيجة، على الرغم من الدور الإيجابي الذي تلعبه في التمهيد لها. لا تكتمل القراءة الصحيحة للمشهد بمعزل عن رد الفعل العنيف الذي تقوم به أم العروس، تحية كاريوكا، فهي لا تقل قسوة في الشتائم والتعريض بآل العريس.
القصف متبادل، والقصة في مجملها لا تنتمي إلى منظومة الشر الأصيل العميق. إنها مشاحنات نسائية معهودة تنتهي سريعا بالتصالح وتبادل القبلات ونسيان ما كان. المباراة متكافئة متعادلة بين ملك وتحية، والحوار بينهما ينم عن موهبة الممثلتين المتوهجتين المسلحتين بالحضور والعفوية والبساطة والصدق.
شر “مهني” محدود نجده في “إسماعيل ياسين في الأسطول”،1957 ، حيث الخاطبة التي تلح بكل قواها لإتمام زيجة غير متكافئة تعود عليها بالأجر السخي. البحث عن المصلحة الشخصية قد لا يخلو من الشر والأذى الذي يطول الأبرياء، وأي الأعمال تنجو من ذلك التوجه؟.
تزداد جرعة الشر العائلي عند العمة الموتورة في “نادية”،1969. كراهيتها قديمة ممتدة لزوجة الأخ الفرنسية، وتتحول ملك إلى إعصار مدمر بلا قلب لتصفية الحسابات والتنفيس عن الحقد الذي يسكنها. موت الأخ لا يدفعها إلى التعاطف مع ابنتيه وأرملته، وليس أدل على ذلك من رفض التنازل عن نصيبها في الميراث، بل إنها تستولي على كل شيء نكاية في أرملة أخيها.
تتسلح ملك بتلقائيتها الفذة للكشف عن دوافع الموقف السلبي المتطرف في تعنته وقسوته، وتوحي شراستها الفظة بأزمة نفسية تبرر الحدة التي تتجاوز كل الحدود. إنه وجه مختلف عن وجوهها في الأفلام السابقة، وعلامة النجاح تتمثل في الضيق بها وكراهيتها من المشاهدين الذين يتناسى قطاع عريض منهم أنها تمثل، ويجدون فيها نموذجا لابد أنهم يصادفونه في حيواتهم الشخصية.
……………….
المجتمع المصري الأخلاقي المحافظ إلى درجة التعنت، على الصعيد الظاهري، يتخذ موقفا سلبيا بالغ الحدة تجاه الشذوذ الجنسي والدعارة، ولا يحول موقفه هذا دون وجود الظاهرتين اللتين لا يخلو منهما مجتمع إنساني في المراحل التاريخية كافة. يُذكر لملك، الموهوبة المتمكنة القادرة على استيعاب الشخصيات التي تجسدها، ريادتها الجديرة بالتقديرفي التعبير عن النمطين الكريهين عبر أسلوب متفرد لا مباشرة فجة فيه ولا ابتذال.
في “الطريق المسدود”، 1957، تقدم ملك شخصية المدرسة حسنية، ذات الميول الجنسية غير السوية. ملابسها توحي بالاختلاف عن زميلاتها، ونظراتها للمدرسة الجديدة فايزة، فاتن حمامة، تنم عن اشتهاء تدعمه كلمات غزلية. قبلاتها الترحيبية المبكرة تخلو من البراءة، وتعليقها كاشف عن دوافع الإسراف في الترحيب المريب :”بقالي زمان ما شفتش الحاجات الحلوة دي”!.
تتساءل فايزة، كأنها تبحث عن تفسير للصوت المختلف ذي النبرة الذكورية :”انتِ عندك برد؟”، وتتصدى مدرسة الألعاب سعدية، وداد حمدي، للإجابة الدالة :”لا.. صوتها كده”!.
الإعجاب الذي تبديه حسنية بقميص نوم فايزة، دليل جديد على ميولها الشاذة، وتأكيدها على أنها لا تلبس قمصان النوم يسلط الضوء على توجهها المختلف :”أنا بألبس بيجامات”.
تنجح ملك في تحقيق التراكم الذي يصل بالمشاهد إلى استيعاب السلوك الجنسي المختلف، وكم هي بارعة في التعبير عن الكراهية التي تضمرها عندما تُحال فايزة للتحقيق، فتدلي بشهادة ترتدي فيها ثوب الأخلاقية المتطهرة لإدانة من ترفض بالضرورة سلوكها المنحرف :”وكان لها أحوال شاذة كده.. ما أعرفش إزاي!”.
لأسباب رقابية وأخلاقية، قليلة نادرة هي نماذج الشذوذ الجنسي في السينما المصرية، وحق الريادة لملك الجمل التي تنجح في التعبير عن ملامح الشخصية الشائكة مهرولة بعيدا عن الابتذال والمباشرة الفجة.
الإتقان نفسه تصل إليه الفنانة الكبيرة في “شفيقة ومتولي”، 1979، حيث القوادة البارعة المتمرسة هنادي. هي من تقود شفيقة، سعاد حسني، إلى بداية المصير المأسوي المهلك. نبرة الصوت في كلماتها المغرية المحرضة لا تصدر إلا عن قوادة خبيرة محترفة، فضلا عن لغة الجسد التي تغني عن المزيد من الكلمات. صوت كالفحيح، ووجه يقول ما لا يُقال، وحركة محسوبة كأنها تتهيأ للانقضاض والافتراس. ما أروعها وهي تتحدث عن “المقدر والمكتوب”، كأنها تبرر السقوط ولا تنكره.
……………
في “رصيف نمرة 5″، 1956 ، الفيلم المبكر في رحلة ملك السينمائية، تتألق الممثلة الشابة ذات الوجه المصري المألوف في تقديم شخصية الزوجة والأم الشعبية السكندرية، وفي أفلام أخرى غير قليلة يغيب الشر ولا تتوارى البراعة.
ليس صحيحا دقيقا ما يُقال عن “الشر الجميل”، الذي يقترن كثيرا بالقديرة ملك، ذلك أنها صاحبة البصمة التي لا تُنسى في ساحة الشر الإنساني الذي يمثل جزءا أصيلا من نسيج الحياة. “الشر للشر” مقولة مغلوطة، وليس مثل ملك، خالتي “بمبة” في البرنامج الإذاعي الشهير، والفنانة المسرحية والتليفزيونية المرموقة، في تقديم الدروس البليغة عن كيفية أن يكون الممثل شريرا إنسانا، تتصارع في أعماقه عناصر الخير والشر، فينتصر الشر مثلما هو الحال خارج ساحة التمثيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: