الثلاثاء , نوفمبر 19 2019
الرئيسية / ثقافة وفنون / إحسان شريف

إحسان شريف

كتب :مصطفي بيومي

ممثلة ذات موهبة من العيار الثقيل، وأستاذة في الأداء الراقي المدروس المبرأ من لعنة الانفعال الكاذب والافتعال الفج، لكن قطاعا عريضا من مشاهديها قد يجهلون اسمها. كم من النجمات ذائعات الصيت باهظات الأجر، لا تملك واحدة منهن عشر معشار حضورها وقدرتها غير المحدودة على الإمساك بمفاتيح الشخصية. ربما يُقال إنهن أكثر جمالا، وهي مقولة مغلوطة مدمرة تضفي شرعية زائفة على إهدار المعايير الموضوعية. الجمال الشكلي، وهو نسبي متغير، لا يعني شيئا في ذاته، والحياة مثل السينما تماما، تنتمي الأغلبية الساحقة من نسائها إلى عاديات الجمال.
إحسان شريف جميلة الإبداع، واعية بأبعاد الدور الذي تجسده حريصة على إتقانه وتجويده. مشاهدها المحدودة تخلو من الاستسهال والتمثيل الروتيني الركيك فاقد الروح، وعندما ينطلق التقييم من القيمة الفنية المضافة، دون نظر إلى مساحة الدور، ستصعد إحسان بالضرورة إلى الصدارة التي لم تعرفها يوما. بعض أدوارها تقليدي لا يعجز غيرها، مثل تجسيدها لشخصية الأم في عدد من الأفلام، لكن مسيرتها تضم محطات غير قليلة من التفرد الإبداعي غير المسبوق.
………………
في “الغريب”، 1956، تنفرد مدبرة المنزل بأداء رصين متزن يزداد التقدير له والإعجاب به عند النظر إلى مبالغات يحيى شاهين، ونمطية ماجدة، والإحساس الباهت لمحسن سرحان. كلهم يمثلون ويسرفون في الانفعال المفتعل، باستثناء حسين رياض وعبد الوارث عسر، أما إحسان فلا يملك المشاهد إلا الإقرار بحقيقة إنها متماسكة متوازنة مسلحة بالثبات الانفعالي. قصة الفيلم مقتبسة من رواية “مرتفعات وذرينج” للكاتبة الإنجليزية إيملي برونتي، ولأن الاقتباس حرفي لا تمصير فيه، تسود الأجواء الغربية الخالصة البعيدة عن الروح المصرية. تتحرك إحسان في إطار استيعابها للمنهج الذي ينبغي تمثله والالتزام بقواعده، فهي غربية الإيقاع والمشاعر. تحب وتشفق وتتعاطف وتتألم في انضباط يليق بالعقلية الغربية، وينساق الآخرون وراء الأسلوب الزاعق الذي يروق للجمهور المولع بالصياح والمبالغة الفجة.
العانس رئيفة في “أين عمري”، 1956، دور آخر متميز ينم عن موهبة القديرة إحسان. شخصيتها أقرب إلى الشر والغل مقارنة بشقيقتها سوسن، عزيزة حلمي، المماثلة لها في العنوسة وانتظار ما لا يأتي، المختلفة في أسلوب التواصل والتفاعل مع الوضعية البائسة. تستمع رئيفة إلى ثرثرة شقيقتها بعد وصول أخيها العجوز وعروسه الشابة، زكي رستم وماجدة، فتقول الكثير بانتفاضة الجسد واكتئاب الوجه ورعشة اليدين، كأنها تترجم ما يعتمل في أعماقها من مشاعر معقدة مركبة تتجاوز قدرة اللغة على التعبير.
نظراتها للعروس حافلة بالكراهية، وانهماكها في أعمال التريكو يبدو تنفيسا يكشف عن طبيعة الأزمة الخانقة المزعجة التي تعكر صفو حياتها. لا يسهل القول إنها شريرة بالمعنى التقليدي الشائع للكلمة، بل إنها قاسية جراء أزمة العنوسة المزمنة بكل ما يترتب عليها ويصاحبها من آثاروتداعيات. الفارق شاسع بين الشر والقسوة في أداء الواعية المتمكنة إحسان شريف، وليس أدل على ذلك من تجسيدها الخلاب لشخصية الناظرة، قوية الحضور المخيف كأنها من عتاة الطغاة، في “الطريق المسدود”، 1958.
استقبالها للمدرسة الجديدة فايزة، فاتن حمامة، يتسم بالطابع العسكري الصارم الجاف، والتأمل في ملابس الناظرة وعويناتها وتسريحة شعرها، فضلا عن النبرة الخشنة لصوتها، يشير إلى شخصية منضبطة لا متسع عندها للعواطف الإنسانية والمشاعر الإنسانية والحد الأدنى من المرح. منذ البدء، لا تروق لها فايزة بثوبها الأنيق وحذائها الراقي وجمالها الهادىء، وإذ تخاطبها المدرسة عديمة الخبرة بكلمة “أبله”، تشن الناظرة المتحفزة هجوما سريعا عنيفا لا شيء فيه من الرقة ومراعاة خصوصية التجربة الجديدة :”أبله؟.. أبله دا إيه؟.. انتِ فاكرة نفسك لسه تلميذة؟”.
نصائح الناظرة للوافدة البريئة تؤكد حرصها على التقاليد والأعراف الريفية التي تحكم المجتمع التقليدي المحافظ، والشعارات الأخلاقية عندها وثيقة الصلة بالمظاهر والطقوس الشكلية. تتجلى القسوة الوظيفية للناظرة، مشوبة بموقف شخصي سلبي لا يخفى، عند اتهام فايزة بالمسئولية عن شروع مراهق في الانتحار مدفوعا إلى فعلته هذه بحبه لها. تسارع بالإدانة والتحامل، فهل ينبع موقفها من التعنت الأخلاقي أم من الكراهية الشخصية؟.
……………
لعل بهيجة “بنت سلطح بلطح” في “إشاعة حب”، 1960، هو الدور الأشهر في مسيرة إحسان السينمائية، فمن خلال الفيلم الكوميدي الناجح يعرفها قطاع عريض من الجمهور. امرأة متغطرسة تنتمي إلى عائلة أرستقراطية فقيرة، ولا شيء تباهي به وتفاخر إلا أصناف الطعام المسجلة باسم أسرتها البائدة. تضيق بصراحة وفظاظة حسين، عمر الشريف، ابن شقيق زوجها، وتعاني من إدمان الزوج، يوسف وهبى، للخيانة. من الصراعات والمشادات المتكررة بينهما، تتولد مواقف كوميدية لا تشارك فيها إلا بتهيئة أجواء المرح. مثل كل امرأة، تبحث بهيجة عن كلمات الإشادة والإعجاب، وتكره بطبيعة الحال أن يُشار إلى تقدمها النسبي في العمر. لا شر هنا أو قسوة، بل إنها المرأة العادية التي قد يضيق بها المشاهد قليلا ولا يتورط في كراهيتها.
في إطار مشابه تقدم إحسان شخصية أم العريس جلال في “أم العروسة”، 1963. غطرستها المتعالية تتمثل في الصمت الذي تلتزم به طوال أحداث الفيلم، فلا سلاح تستعين به إلا تعبيرات الوجه ومصمصة الشفتين ونظرات العينين، للكشف عن مواقفها المتأففة الناقدة غير الراضية. قد يتعقد المسار ويصل إلى مرحلة الشجار العنيف الذي ينبىء بإفساد الزيجة، لكنها تحتفظ بالصمت الذي يستفز أم العروسة، تحية كاريوكا، فتهاجمها بعنف لا هوادة فيه، وتقلد حركات شفتيها ساخرة متهكمة :”ما تنطقي بدال المصمصة دي.. إيه؟.. بنتكلم مع خرس.. انطقي وخلصينا”.
تجتاز إحسان التحدي العصيب بنجاح وتمكن ، ويكشف تعبيرها بالصمت وحده عن موهبة لا احتياج معها إلى اللغة، أداة التعبير الأيسر عن الرؤى والمشاعر والأحاسيس.
الاعتماد على لغة الجسد وإيحاءات الوجه وتحولاته العفوية الصادقة، موهبة استثنائية لا تُتاح إلا للأفذاذ من مبدعي فن التمثيل، وبعد ربع قرن من “أم العروسة”، تستعين إحسان بمفردات السلاح نفسه في “خرج ولم يعد”، 1985. يتقدم بها العمر، وتبقى نظرات العينين الذابلتين المرهقتين دالة بما يفوق الكلمات القلائل التي تنطق بها في امتعاض ساخط، يليق بأم العروس القلقة من تعثر خطيب ابنتها، يحيى الفخراني، في العثور على شقة الزوجية.
……………
محدودية المشاهد لا تخدش بطولة إحسان شريف، ذلك أن بطولتها تكمن في الأثر العميق الذي تتركه في نفوس المشاهدين. في “الناصر صلاح الدين”، 1963، مواجهة قصيرة بين الأمومة والزعامة المنتصرة، وشجاعة الألم واللهفة تتجسد في أسلوب أداء إحسان وصوتها الملون بمزيج من الخوف والاحتجاج والقليل من الأمل :”أأنت .. أأنت يا سلطان المسلمين.. أأنت يا من يشيعون عنه العدل والرحمة بينما جنوده يخطفون الصغار من أحضان الأمهات”.
صوت مثقف يعرف قواعد اللغة ويتحكم في إيقاعها، وأداء محسوب ينطلق من الوعي بمعنى شجاعة الأم وقوتها المباغتة عندما يتعرض صغارها للخطر.
حميدة، جارة القتيلة في “زائر الفجر”، 1975، كشف جديد عن إمكانات الممثلة الكبيرة التي تكره جارتها وتتماسك في التحقيق بلا خوف كالذي يسكن زوجها المرتعش، الموصوف على لسانها بأنه :”طول عمره خواف”.
لا تفاصيل عن طبيعة حياتها، لكن مؤشرات الأداء تنبىء عن تعاسة ووحدة كئيبة، ولا شيء عندئذ إلا التلصص وإدمان المشاجرات الصغيرة والولع بالتشنيع والإدانة الأخلاقية غير الموثقة.
شخصية أم أحمد في “البوسطجي”، 1968، كما يرى كثير من محبي إحسان، هو الدور الأهم والأنضج في مشوارها السينمائي. امرأة خبيرة متفتحة في بيئة صعيدية مغلقة متعنتة، والخدمات التي تقدمها هي الأمل الوحيد الذي تراهن عليه جميلة، زيزي مصطفي، للتواصل بريديا مع الحبيب، ثم لمراودة الخلاص من فضيحة الحمل التي تفضي بالضرورة إلى نهاية كابوسية كارثية.
النظرات التي تتبادلها أم أحمد مع ناظر مكتب البريد، شكري سرحان، تنبىء عن شخصية مختلفة، ولغتها رقيقة ذات مذاق إنساني دافىء عند المقارنة بالكتلة الخشنة الموغل أفردها في الجفاف.
لا يمكن القول إنها “قوادة”، فهي مجرد واسطة حسنة النية تسعى إلى الخير، و”بوسطجي” مستقل لمن لا تُتاح لهم فرصة التعامل مع البريد الحكومي الرسمي.
ترق الموصوفة بالقسوة في أفلام سابقة ولاحقة، وإذا بها واحة استثنائية في صحراء التقاليد الصعيدية الخانقة. وجه مختلف مقنع مشبع، وما الممثل العظيم إلا صاحب الوجوه المتناقضة المتباينة.
…………………..
طابور طويل من عباقرة مبدعي الظل، يضم عشرات الرجال والنساء، لا شيء في جعبتهم إلا الموهبة والجدية والوعي وحب الفن. إحسان شريف في طليعة هؤلاء، ومثل رفيقاتها الموهوبات لا تحظى إلا بأقل القليل من أضواء الشهرة، والأمل أن تصدق مقولة لابد من الإيمان بها: لا يصح في النهاية إلا الصحيح.

تعليق واحد

  1. فادي سراج الدين

    شكرا استاذي علي هذا الوصف الدقيق والتحليل الإبداعي لشخصية جدتي الفنانة القديرة رحمها الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: