الثلاثاء , يوليو 14 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / كنت جنديا…قصة قصيرة بقلم مَحّم الطيب/موريتانيا

كنت جنديا…قصة قصيرة بقلم مَحّم الطيب/موريتانيا

انتفض من فراش نومه ليس على عادته بعدما عبثت به الأحلام وهو يغط في نوم عميق راسمة له خطوطا وردية لمستقبل مشرق يعيش فيه بعيدا عن أعباء”الجندية” التي أثقلت كاهله وأنهكت قواه دون أن يبلغ مناه أو يقاربه، فما إن دبت اليقظة بتمامها في أجفانه طاردة آخر سرب من أسراب الكرى من مقلتيه، واستوى جالسا بين أطفاله الصغار وأمهم في “الكبَّة”، حتى توارت تلك الأحلام التي خيمت عليه وراء ستار المجهول ودفعت به إلى عالم الحقيقة بعدما عبرت به عباب أنهار الخيال.

لبث عبد الله هنيهة تنتابه موجات تثاؤب متسارعة، والأفكار تتواثب إلى رأسه مثلما تتواثب الحشرات حول الموقع في ليلة حالكة الظلام، وتتزاحم في رأسه المشاكل أيما ازدحام. كان يفكر في شيء واحد هو البحث عن مصدر لقوته اليومي لسد رمق أطفاله الصغار الذين ما فتئوا يتضورون من لوعة الجوع، ويكتوون بنار الحرمان في بلد يزخر بالخيرات الأرضية.

صلى أحمد صلاة تتصارع فيها الطمأنينة والاضطراب، ثم خرج قاصدا صديقا له قد جمعته به وشائج البراءة الطفولية، ليقترض من عنده ما يسد به خلته وخلة عياله، فما إن أصبح قريبا منه ورآه سليمان حتى كسف وجهه وتجهم لأنه أدرك من ملامح عبد الله وتجاعيد جبينه المتعرقة أنه أحوج ما يكون للمساعدة، فعز عليه أن يرده خائبا، وكان سليمان قد انتكس انتكاسة جراء تعرضه لسرقة أتت على كل ما في محله التجاري من أموال.

وقف الصديقان يتحدثان بعد تبادل التحيايا الفاترة في جو من التهيب والارتباك، فبدأ سليمان يروي قصة سرقة دكانه بكل أسى إلى أن ختمها عند آخر كلمة، بينما كان عبد الله شاردا لا يكترث لأحاديث سليمان المفعمة باليأس والقنوط، فأدرك سليمان أن صديقة يعاني هما وكمدا مضاعفا، فتجشم اقتحام الموقف وسأله عن سر مجيئه باكرا، فأجاب عبد الله بصوت مبحوح تخالطه التأوهات:<<جئت البارحة قادما من نواذيبو ولم تصاحبني أية نقود ، لقد كان جيبي خاليا إلا من بضعة ألاف لا تربو على العشرة، ولما وصلت إلى منزلي استقبلتني ابنتي الصغيرة رثة الملابس مشتتة الشعر بادية على محياها مخايل الإرهاق والسهاد، فاحتضنتها بحرارة وسألتها مداعبا عن والدتها، وليتني لم أفعل فقالت -وقد أجهشت- إن أمي منذ يومين لا تراوح المنزل لشدة ما تعاني من وجع الحمى، فتملكني القلق، ودلفت إلى باحة المنزل، فما إن استويت في فناء العريش حتى ارتسمت أمامي تلك المعاناة المزدوجة: أطفال يتضورون من ألم الجوع، وأم تتململ من وقع المرض، فامتدت يدي إلى جيبي فأخرجت منه بضعة آلاف لاقتناء الدواء وترتيب إجراءات العلاج،و ابتياع الطعام، فما هي إلا عشية وضحاها حتى نفد ما في جيبي، فهاجمتني الفاقة وطوقتني الهموم، فبت ليلتي أتململ على فراشي بين السنة والنوم، وما إن انبلج الصبح وانقشعت أمواج الظلام الكثيفة حتى هرعت مكرها علِّي أجد عندك ما أصبو إليه.قال ذاك وتنفس وأصوات المأساة تتموج على مسامعه لأنه لا يملك ما يدفع به عاديات الزمن ويخفف أعباءه، فرد سليمان ردا جميلا لكن عبد الله لم يقتنع وازدادت وطأة كمده ، فلم يجد بدا من أن يلجأ إلى حيث يلجأ صغار الموظفين الذين طحنتهم الفاقة وأعوزهم البحث عن ما يجلب القوت اليومي ألا وهو البنك، ليقترض راتبه مقدما، فيمم وجهه شطر البنك، وقد انتشى لتوصله لهذا الرأي، فجاء إلى البنك مشرئب العنق مرفوع الرأس، فألفى الطوابير قد اكتظت أمامه وازدحمت بالزبناء، وماهي إلا بضع دقائق حتى جاء دور عبد الله فدخل مشرئب العنق مرفوع الرأس باسم الثقر، فجلس على الكرسي جلسة المنتصر وفتح حقيبته ليخرج منها صكا تمهيدا لتنفيذ العميلة فلما رأى مديرالبنك الشيك وأدخل رقم حسابه، رد إليه الشيك وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه رافعا يده في إشارة منه إلى زبون آخر بالدخول، فارتاع عبد الله لصنيعه، وسأله مطرقا بكلمات تمتزج فيها الحيرة بالإنكار: ما المشكلة؟ فقال المدير إن راتبك لا يبلغ النصاب الذي يخولك الاستفادة من هذه الخدمة، فوقف عبد الله وقلبه يعتصر من الألم وعيناه تغطيهما غياية من الظلام، منكسر الخاطر، متناثر الأحلام، شاحب العواطف، ، ولسان حاله يقول:<<إن راتبا مثل هذا يقصي صاحبه من أتفه خدمة ويرده منكس الرأس، عاري الكرامة لهو أجدر بصاحبه أن يتوارى تائها في الفلوات طالبا العيش مما تجود به الطبيعة بدل أن يتخذ من عنقه وشرفه تِرْساً لحماية الآخرين وهم يستمتعون بكل ما تصبو إليه نفوسهم، وهو يكتوى بنار الفاقة متقمصا ثوب موظف ليس له من الوظيفة إلا النصب، ليتنا كنا رعاة للأنعام لا رعاة للأنام.

وبينما هو سائر بين أكوام القمامة يخطو بخطوات متخاذلة مسترسلا في تلك الإحساسات الشاحبة، أبصر عن بعد على حافة الطريق الآخر سيارة رباعية الدفع رمادية الزجاج ورأى حذوها شخصا يطيل النظر إليه وكأنه يعرفه، فمال إليه بدافع حب الاستطلاع ليختبر حدسه، فلما اقترب من السيارة خرج منها شاب توحي ملامحه بالرفاهية وسعة العيش، فابتدره بحفاوة وعانقه بحرارة، وعبد الله في حيرة من أمره، وسأله "هل عرفتني يا عبيده وكان هذا اسم ينجذب إليه عبد الله عندما ينادوه به أترابه حين كان صبيا، وكان عبد الله قد خامره الشك قبل ذلك في أن صاحب السيارة لا يعدو كونه لصا محترفا يحاول بمكره أن يستحوذ على ما بيده، فقال في نفسه ليست مشكله بحوزتي سلاحي العسكري، وفي نفس الوقت أنا أعزل من كل نقود، قد لا أخسر شيئا فطوقه بذراعه واقتاده إلى المقهى بجانبه فشرع يقص عليه قصته ويحكي له عن أيام الصبا: أنا زميلك وأخوك عثمان كينغ كما كنت تدعونني كنت ألعب معك حين كنتم جارنا في السبخة وكنت حينها لا أحسن الألعاب وكنت أنت مساعده، وكنت لا أحسن الكتابة في الفصل وكنت أعتمد عليك في تقويمي، وكنت لا أراجع دروسي وكنت تساعدني، والآن وقد التقيت بك بعد 15 سنة وبعد تيه وفراق طويلين فلا أتركك حتى أقاسمك ما عندي، فأنا قد أصبحت رئيس مصلحة سامية، وأنت حامل شهادة المتريز في القانون لكن الأيام ظلمتك، وسأمنحك وظيفة تنسيك أعباء الجندية وأدرانها، فلم تمر أيام حتى عين عبد الله بمرسوم رئاسي مديرا للميزانية فتغير وتحسنت حالته الاقتصادية ولمع نجمه وارتقى عدة مناصب في الدولة وصار نجما تلفزيونيا تجتليه الأعين من كل حدب وصوب، ونغمة قوية على كل إذاعة، إلا أنه كان لا يُرى إلا مبررا لتدني الأوضاع المعيشية وملتمسا لها مسوغات واهية في الغالب وكأنه نسي تماما ما مر به في معراج الفقر الطويل فسبحان مقلب الأحوال والأفعال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: