الرئيسية / كتاب وشعراء / براميل الموت .. قصة قصيرة بقلم يسرى منصور البشيري – اليمن

براميل الموت .. قصة قصيرة بقلم يسرى منصور البشيري – اليمن

دق منبه جوالي إنها الرابعة عصراً ,
أسبح في نوم عميق ,
كانت ليلة أمس متعبة جداً في المستشفى الذي أناوب فيه ليلاً ,
يقع في أطراف مدينة حلب
كانت الشمس تملأ غرفتي ,
العصافير تغرد في النافذة ,
استغربت كثيرا , لم أسمع اليوم قصفا ولم أستيقظ على صوت مخيف ,
كعادتي لبست وخرجت من غرفتي إلى صالون بيتنا البسيط ,
لقد أخذت الحرب مظهره الجميل ، أصبح مشققا ونوافذه عارية
لم يعد يسترها غير بعض الأحجار ‘
جلست أشارك أختي ذات الأربعة أعوام ,
كانت تلاعب أخي الرضيع بدميتها التي صنعتها أمي ,
لها قبل أيام قليلة ، قالت لي :
أريد أن تصنعي لها فستانا جديدا
أرجوك؟
فابتسمت وقلت لها سأفعل ,
هيا تعالي وساعديني ,
حضنتني بقوة وكانت عيناها الزرقاء تلمع من الفرحة
أخذت الإبرة وقصصت ثوبي القديم حتى أصنع لدميتها فستانا جميلا
كنا أنا و أمي و أبي نجاهد كثيراً حتى نصنع الفرحة لهذه الطفلة التي لم تخلق إلا على أصوات الصواريخ و النيران ,
كانت ابتسامتها إنجازا عظيما لنا جميعاً ,
مرت ساعة و اكملت ذلك الفستان ,
كانت تطير من الفرح وترقص في أرجاء المكان ,
ضحكات أبي و أمي تملأ البيت رغم الحزن الساكن فينا جميعاً ,

كان شبح الحرب وشبح الموت لايغادرنا أبداً ,
كنا نحارب لنبتسم ونتناسى قليلا ,
أذن المسجد لصلاة المغرب ,
خرج أبي لذلك الجامع القريب من منزلنا , كان خروج أبي دئما من المنزل كما لو أنه لن يعود أبدا ,
فقد كان هوس الموت يلاحقنا في كل خطواتنا عند نومنا ,
حضنت أبي بصمت وهو يشعر بماكنت أشعر به ,
مسح على وجهي و ابتسم وذهب ,
صليت أنا و أمي و أختي الصغيرة وفي نهاية الصلاة كانت دموعنا تذرف بغزارة فنحن نركع أمام الجبار الذي لا إله إلا هو ,
وحده من سيغير حالنا هذا المأساوي كانت الآمال متعلقة بالله وحده ,

تبقى لي ساعتان وسأذهب للمناوبة ,
لقد شعرت بإحساس غريب شعرت بأن علي
استغلال هذه الساعات بالاستمتاع مع عائلتي الصغيرة
دخلت المطبخ لأصنع العشاء
دقائق ثم يكتمل
أتممنا وحمدنا الله على هذه النعمة فحالنا أحسن من جيراننا الذين ينامون دون وجبة عشاء
فقد تعطل الجميع عن العمل ,
دمرت جميع المصانع أصبح الجميع بدون عمل يعيشون على تلك المساعدات الدولية أما نحن فقد كنا
على وشك أن نكون مثلهم ,
فلم يتبق لدينا إلا القليل ,
كنت مضطرة للذهاب للشغل في المشفى حتى أساعد عائلتي التي لم يبق لها من أمل سواي ,
كان علي أن أستمر في عملي ليلاً وقد كانت قلوبهم و أعينهم تبكي كل ليلة لكن لايوجد حل آخر ،
في آخر ساعة قبل ذهابي كنت أجدل شعر أختي
كان شعرها أشقر كخيوط الشمس ,
فرحت كثيراً و أصبحت جميلة جداً احتضنتها بقوة ,
جوالي يهتز ,
سائق باص المشفى
يخبرني بأن أتجهز
شعرت بالحزن على وجه والدي

تجهزت بسرعة
فاحضنتهما بشدة وحبست دموعي حتى لا أزيد وجعهم ,
نظرت لأخي الرضيع وهو نائم كان كالملائكة
شممت ريحته ,
وضممته لصدري وشعرت بني سوف انفجر بالبكاء , كانت كل ليلة بالنسبة لي هي آخر ليلة
كان القصف على مدينه حلب هستيريا
كان الوداع يأتي في كل ساعة لزيارتنا
ربما اعتدنا هذا ؛

صعدت الباص ,
أنظر من النافذة إلى حارتي المظلمة , انقطعت الكهرباء بفعل الصواريخ التي دمرت
مناطق كبيرة من حلب
كان نباح الكلاب مخيفا تلك الليلة
وصلت للمشفى
جميع الممرضات هناك ,
شعرت بالأمان قليلا

كنت أقضي ساعات الليل في مجارحة تلك أولئك المصابين ,
كان معضمهم أطفالا ,
عيناي تبكي وقلبي يحترق
ماذنب هولاء ؟
لماذا ليسوا في سررهم الناعمة؟
لماذا لا يحتضنون ألعابهم وينامون ويحلمون تلك الأحلام الملونة ؟
ماذنب هذه البراءة ؟
لماذا ؟
كانت ساعات العمل لدي طويلة جدا
من هول ما كنت أشاهد وأسمع من أنين الكبار وبكاء الأطفال
كنت أحاول ان أبدو قوية
مرت الساعات حتى صلاة الفجر
قام الجميع للصلاة
والدعاء و التضرع لله

لحظات واهتزت حلب بأكملها بأصوات مخيفه جداً
ذعر الجميع !
مالذي جرى ؟
لقد توالت الانفجارات ونزل الجميع إلى الطابق السفلي للاحتماء ,
كنت خائفة جدا ,
أريد أن أتصل بجارنا الصحفي لكن هاتفي على الشاحن ,
المستشفى الوحيد الذي يوفر الكهرباء ,
صعدت للأعلى ونظرت من النافذة
كانت سماء حلب سوداء مخيفة جداً
دب الرعب في ,
أسرعت و أخذت هاتفي واتصلت بجارنا الصحفي
أجابني بكل خوف ,
اذهبي أنت وسيارات الإسعاف إلى الجهة الشرقية من حلب
فقد تدمرت بأكملها بسبب البراميل المتفجرة
شعرت حينها أني سوف أقع أرضا ,
إنها منطقتي
أهلي , جيراني كيف ؟
كانت البراميل تدمر المدينة بأكملها ,
أسرعت إلى سيارات الإسعاف
وكان الجميع متخوفا من الذهاب ,
ركبت السيارة وكنت أتخيل أن أهلي قد نجوا
لالا لم يموتوا
كانت يداي كقطع الثلج من الخوف ,
اقتربنا من المكان ,
كانت النيران تشب في كل مكان و الدخان المتصاعد
و أنين الجرحى كموسيقى ,
لم أكن أنظر إلى شيء ,
كنت مسرعة نحو منزلي ,
أنظر إلى كل من حولي ,
أخترق الدخان وأمشي فوق الأشلاء , المحترقة ولم أكن أشعر بشيء
سوى أن ألتقي أهلي وهم ناجون فقط ,
وصلت منزلي
كان كله حطاما على الأرض ,
لم أصدق ماتراه عيناي ,
لا يوجد شيء سوى النيران والدخان والتراب والحجارة التي تنام تحتها أمي و أبي وأختي وأخي نومتهم الأبدية ,

صرخت لااا
عائلتي لم تمت !
هيا تعالوا !
ارفعوا معي الحجارة
لم يات أحد ,
كان الجميع ينقذون البيوت شبه المحترقة و المدمرة ,
كنت أسحب الحجارة بأقوى
ماعندي من قوة و أنا أصرخ
لا لم يموتوا لا
نظرت تحت الصخرة
كانت جدائل أختي الشقراء ظاهرة
شعرت بالفرح حينها وقمت بإزاحة الصخرة وحضنتها ,
تغرق بالدم كان وجهها مشوها بأكمله
بترت أقدامها ,
ضممتها لصدري و أنا أشهق و أرتب شعرها و أمسح الدم من جسمها لكن لافائدة ,
أتى المسعف ليأخذها مني و أنا أقاوم دون جدوى ,
رحلت أخي للسماء
كانت لعبتها بجانبها ممزقة
أخذتها وكأني وجدت كنزا ,
فهذه الدمية سوف تجعلني أشتم رائحتها عليها هناك,
كنت مجنونة أبحث عن بقية أهلي
أتى بعض المسعفين للبحث ولم يجدوا شيئا سوى أشلاء محترقة فقط
أشرقت شمس ذلك اليوم على لون الدم والدخان ولم يكن لخيوط الشمس أي ظهور , حجبتها ألوان الحرب ,
جلست ساعات أبحث عن أشلائهم
أشتم فيها رائحة أمي و أبي و أخي لكن دون فائدة ,
لقد سحلت أجسادهم مع حجارة منزلي وتراب مدينتي , دفنت بدون مقبرة ,
ودفنتني أنا أيضاً ,
لم أعد أشعر بالعيش على هذه الأرض ,
أكن أعلم أن ليلة أمس هي الوداع الحقيقي , وداع ليس مزيفا كالعادة
لم أكن أعلم أن عدد جدائل أختي كانت هي نفس عدد الأعوام الأربعة التي عاشتها في حروب ودمار
لم تعش أختي
إنها فقط اتت لترى بشاعة العالم وقسوته ,
لقد رحلت أختي بذلك الطهر التي أتت فيه
كان حضن أمي هو الأخير
وضمة أخي أيضاً

لم يتبق لي سوى الذكريات تطحن عظام صدري.

تعليق واحد

  1. روعه جدا وقصة من محاكاة الواقع المؤلم شعورا وكفاحا وحزنا وحبا وصبرا وقوة تحمل لتلك الظروف القاسيه وكذلك حجم المعاناة التي يعيشونها تحت وطأت الحرب وننشد السلام فالحرب نار تحرق الاخضر واليابس وتحرق القلوب والانسانيه كوحش لا يعرف الطفل الرضيع ولا الطفله البرﯾئة ولا يعرف من يستحق الموت ومن لا يستحق فسلاما لليمن وسلاما للكاتبه المتألقه يسرا البشيري ذات الابداع الرائع وحفظكم الله وحفظ اليمن واهلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: