الرئيسية / رؤى ومقالات / حمدي عبد العزيز يكتب …بعيداً عن التناول الفني لفيلم الممر

حمدي عبد العزيز يكتب …بعيداً عن التناول الفني لفيلم الممر

بعيداً عن التناول الفني لفيلم الممر الذي يمكن تقييمه فناً وموضوعاً بالمقارنة بأفلام مصرية سابقة تناولت حرب الاستنزاف علي نحو أعمق وأصدق ، رغم تمتع فيلم الممر بفارق التقنيات السينمائية الحديثة ..

بعيداً عن كل هذا باعتباري لاأملك إمكانات النقد الفني وهناك نقاد سينمائيين أجدر بتناول هذا الفيلم فنياً ..

مايهمني هنا هو كوني مواطنا مصريا من جيل وعت طفولته علي يوم الخامس من يونيو 1967 ، ولحقت سنوات صباه الأولي بأجواء حرب الاستنزاف ..

كنت طفلاً صغيراً استيقظ وعيي الصغير علي صوت صافرات الإنذار وآزيز الطائرات في سماء حي إمبابة حيث كنا نسكن علي بعد أمتار من كوبري إمبابة الشهير ، وتنتصب أمام نافذة وبلكونة منزلنا علي مرمي البصر مبني المطابع الأميرية الذي كان عملاقاً بمعيار المباني في هذا الزمن ..

في فيلم الممر يتحدث أحدهم عقب هزيمة الخامس من يونيو مباشرة عن طوابير الخبز الطويلة بمبالغة ساخرة عن طابور خبز يبدأ من السيدة وينتهي في باب اللوق ..

وأشهد أنا (ولعل هناك غيري من يشهد) بأنني في يوم الخامس من يونيو وفي الفترة مابين سكوت صافرة الإنذار وزعيقها ، كان أبي في عمله ، ولم يكن لدينا لباقي وجبات هذا اليوم … فطلبت أمي مني أن أذهب إلي المخبز المجاور لمسكننا لشراء خبز يكفي لبقية اليوم ، وربما اليومين القادمين ..

انذكر أنني ذهبت إلي المخبز واشتريت الخبز كما اشتري كل يوم ، ولم يكن هناك جديد سوي تحلق الناس حول مذياع صاحب المخبز ، وسؤاله عن عدد الطائرات التي أسقطناها للعدو ، حيث لم تكن حقائق الهزيمة القاسية قد اتضحت بعد ..

وانطلقت بالخبز إلي البيت هاتفا من أول درجات السلم إلي حيث باب شقتنا هتافنا اليومي كأطفال عندما نخرج من مدارسنا ..

(( عبد الناصر ياحبيب .. بكره هاندخل تل أبيب)) ..

وبالطبع كانت صدمتنا القاسية في اليوم الثاني والثالث عندما بدأت تتضح الحقائق ، وبدأ المصريون يتوقفون واجمين عن عد طائرات العدو التي تسقطها تلك البيانات العسكرية التي كان يلقيها المذيع أحمد سعيد ..

المهم (حتي لانذهب بعيداً عن تلك الشهادة) أنه لم تشهد هذه الفترة ولاغيرها ما جاء في فيلم الممر عن طوابير الخبز ..

بل أنني أستطيع أن أشهد أننا كأسرة مصرية أقل من متوسطة كنا لانجد صعوبة في شراء مانحتاجه من سلع غذائية حتي النصر العسكري المجيد في يوم السادس من أكتوبر 1973

واستطيع أن أشهد كمواطن عاش حياته بوعي يقظ وذاكرة حادة أن مصر لم تشهد ظاهرة الطوابير علي السلع الغذائية إلا في الجمعيات الإستهلاكية التي ضربها الفساد في بداية سبعينيات القرن الماضي ..

وأما طوابير الخبز
فأننا لم نشهد تأكدها ووضوحها كظاهرة إلا مع انفجار مظاهرات 18 و 19 يناير 1977 ، يوم قرر السادات رفع سعر الخبز وبعض السلع الأساسية ..

أما الشهادة الثانية فهي تتعلق بتلك المشادة التي حدثت بين ضباط الجيش وقائد مجموعة عملية الممر في الفيلم (أحمد عز) وبين أحد موظفي السنترالات (خدمة التليفون) وهي المشادة التي وقف فيها المواطنون داخل السنترال مع موظف السنترال (حجاج عبد العظيم) في سخريته الماجنة من ضابط الجيش ، في إشارة إلي تلك فجوة ظهرت بين الشعب والجيش وحالة السخرية تجاه الجيش ، وهو مشهد استفزني فيه ذلك الإختلاق المبالغ فيه لأشياء لم تحدث في واقع الأمر علي هذا النحو لدرجة أن تسجل ظاهرة يمكن البناء عليها في فيلم يتناول مرحلة من تاريخنا الوطني ..

وهنا أود أن أوضح مجموعة من النقاط ..

1 – بالفعل في لحظات المرارة والهزيمة عادة مايلجأ المصريون للتعبير عن تلك أحزانهم ومراراتهم بالسخرية ، وهذه مسألة عميقة عمق تاريخ المصريين ..

ولكن لم يوجه المصريون سخريتهم إلي الضباط والجنود ، كانت هذه السخرية عبارة عن نكات سياسية يتبادلها المصريون إسلوب الإدارة السياسية والعسكرية ، وعن عبد الناصر وعن عبد الحكيم عامر ، بمعني أدق كانت السخرية منصبة علي القيادة السياسية التي تتحمل مسئولية هذا الإخفاق العظيم ، وعلي عبدالحكيم عامر باعتباره أحد المسئولين الرئيسيين عن الهزيمة العسكرية ، وقد كان عبد الناصر نفسه يهتم بتجميعها وسماعها لقياس اتجاهات الرأي العام ..

ولعل من هو في جيلي يمكنه أن يراجع أشهر نكتتين وقتها ، وهما (نكتة لاتتنحي) ، (نكتة عبد الناصر وعبد والحكيم عامر) ، أو (نكتة المطار السري الذي يقف في محطته الاتوبيس) ..

، ولاينبغي أن ننسي أن عبد الحكيم عامر قد قال عشية الرابع من يونيو (أي نمله هاتعدي من إسرائيل هاافرمها بجزمتي) ، وهذا التصريح تصدر إحدي صفحات الأهرام مع صورة بطول الصفحة لعبد الحكيم عامر في الزي العسكري ..

2 – غداة هزيمة يونيو مباشرة تدافع المصريون للتبرع للمجهود الحربي بشكل منقطع النظير ..

3 – منذ الغد التالي للهزيمة وحتي إنتصار أكتوبر العسكري 1973 ، تدافع الشباب المصري للتطوع في الدفاع المدني في كل حي من أحياء مصر ، وبكامل إرادتهم وحماسهم ..

5 – شهدت هذه الفترة احترام غير مسبوق لجيشنا الوطني ، وكان وقوف الشعب خلفه في حرب الاستنزاف باهراً ..

وأشهد أننا كنا نطوف الأحياء حاملين صور الشهداء في معارك الإستنزاف ، بل كنا نعلقها علي حوائط بيوتنا ، وكان أصحاب محلات البقالة والمكتبات والخردوات يزينون بها حوائطهم ويتحدثون عن كل عملية وكل معركة وكل شهيد بفخر كبير ..

6 – كنت أشهد عند مرور أي جندي دعوات النسوة والرجال لهم بالنصر والحماية وحفظ العمر ..

هذه شهادة
مني كمواطن ربما لااستطيع في المستقبل القريب الإدلاء بها في أجواء تختلط فيها الحقائق والمفاهيم ، ويتم فيها اختلاق واستخدام الروايات هنا أو هناك لخدمة رسائل سياسية ، لا لخدمة وجه الحقيقة ..

الحقيقة التي ستظل عنيدة أمام رغباتنا ونوازعنا ودوافعنا المتباينة علي مر الأزمنة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: