الرئيسية / ثقافة وفنون / عبد العليم خطاب

عبد العليم خطاب

كتب :مصطفي بيومي

الفارق دقيق عميق بين القوة والقسوة، والخلط وارد عند الكثيرين بينهما وبين الشر. في الحياة والسينما معا، تتحول بعض الأحكام الانطباعية إلى حقائق راسخة مستقرة، ومن ذلك أن يُختصر الإبداع التمثيلي للعملاق المثقف عبد العليم خطاب في ساحة تجسيد أدوار الشر. فضلا عن صعوبة الاتفاق الحاسم على تعريف الشر، لأنه مفهوم نسبي مراوغ، فإن عبد العليم فنان متنوع الأدوار، ومن المسيء لموهوب متمكن مثله أن يكون تقييمه متعجلا لا ينهض على قراءة شاملة واعية لكل أو جل محطات رحلته الطويلة مع السينما.
للرائد المحترم إنجازات شتى في المسرح والإذعة والإخراج السينمائي، ويُذكر له بكل التقدير إيمانه بأن الفن رسالة سامية قوامها مزيج من الموهبة والوعي والثقافة والعمل الجماعي المنظم، الذي لا يعتمد على النجم الفرد الذي يستأثر وحده بالاهتمام دون غيره. لا ينفرد عبد العليم في أي من الأعمال التي يشارك فيها بالبطولة ولا يقترب منها، ذلك أن مواصفات السينما التجارية لا تنطبق عليه، ووجوده في الصدارة لا ينعش شباك التذاكر؛ اللعنة التي تلحق الظلم الفادح بعشرات المواهب في تاريخ السينما المصرية.
………………….
الموظف البنكي في “الطريق المستقيم”، 1943، والشاب الأرستقراطي العاطل المستهتر في “ابن الحداد”، 1944، والضابط هامشي الوجود في “ليلى بنت الفقراء”، 1945، وغير ذلك من الشخصيات التي يقدمها عبد العليم في الأربعينيات، أدوار صغيرة غير مؤثرة، منقطعة الصلة بالشائع المنتشر من أعماله في الخمسينيات والستينيات، وهما العقدان اللذان يشهدان الأهم والأنضج في مسيرة عطائه.
ربما يبدأ اقتران عبد العليم بالشر في “قطار الليل”، 1953، فردا من العصابة التي تصنع الأحداث، وفي “ريا وسكينة”، العام نفسه، يجسد شخصية فرغل الفرارجي، الذي تطارده الشرطة متهما بالتعاون مع منفذي جرائم سرقة وقتل السيدات، ويُقتل عمدا في المقابر لتموت أسراره معه، وفي “الهاربة”، 1958، يتألق عبد العليم في الشخصية التي تحمل اسمه. القروي المحافظ الذي ترفض ابنة عمه زينب، شادية، أن تتزوجه، وتؤثر الهروب، ما يدفعه إلى الشعور بالإهانة التي تتجاوزه إلى العائلة وسمعتها المهددة :”يا دي الفضيحة اللي اتفضحناها.. نودي فين وشنا من الناس”.
لا شك أن الدفاع عن الشرف ومنظومة القيم الأخلاقية الموروثة هو دافعه الأساس للغضب والإصرار على الانتقام من ابنة العم. إذا كان الأب كبير العائلة، زكي رستم، يضعف ويميل إلى الغفران والتسامح، فإن عبد العليم لا يلين ولا يتراجع، ويحاصره الإحساس الموجع بالعار، لكن الوصول إلى الهاربة قرب النهاية لا يفضي إلى القتل، ويقنع بعقوبة النفي :”اللي زيك القتل شوية عليه.. لكن أنا إكراما للراجل اللي كلنا بنحبه وكنا عايشين على حسه.. وعشان خاطر المسكينة دي.. أنا ها أسيبك تروحي لحال سبيلك.. لكن البيت ده.. والبلد كلها.. ما تخطيهاش بعد كده.. انتِ اخترتِ لنفسك طريق.. خليكِ فيه على طول.. حد الله بينا وبينك”.
يدافع القروي القوي المحافظ عن كرامة العائلة وقيم المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي هذا السياق لا يمكن القول إنه شرير جدير بالكراهية والإدانة. أسلوب الأداء حافل بالثقة والقدرة على الإقناع، والقامة الفارعة تتحالف مع الجسد القوي والصوت العميق لإضفاء المصداقية على موقفه المعبر عن الشائع من قيم في المرحلة التاريخية وما يتلوها من مراحل، لكن الأمريختلف في “دعاء الكروان”، 1959، أشهر أدوار عبد العليم السينمائية والأكثر التصاقا بجمهور السينما المصرية.
الخال جابر ليس أخلاقيا مخلصا في دفاعه عن الشرف والقيم التي يقدسها المجتمع، فهو ظالم يتحامل منذ البدء على شقيقته وابنتيها، ويعاقبهن في قسوة غير مبررة بالنفي والتشريد بعيدا عن الأهل والعشيرة، جراء الانتهاكات المشينة التي يقترفها زوج الأخت قبل قتله. كيف لمن يزعم الحرص على الشرف وضرورة صيانته أن يعرّض شقيقته وابنتيها لمخاطر الضياع في المدينة بلا عائل؟، وكيف له أن يقتل هنادي لتفريطها وهو الذي يبيع شقيقتها آمنة تحت مظلة الزواج مقابل عدة ريالات؟. كتلة مزعجة من التناقضات والمفارقات يبدع عبد العليم خطاب في التعبير عنها ببراعة وتمكن،مسلحا بثبات انفعالي منضبط يحول دون الانحراف عن ملامح الشخصية المعقدة المحكومة بالازدواجية والمزيج المعقد الغرائبي من التزمت والجشع.
………………
ليس أدل على تفوق عبد العليم في تجسيد شخصية الخال جابرمن اقترانه بها، وشيوع مقولة براعته الاستثنائية في أدوارالشر المخيف المقنع، لكن كلمات الحق هذه تفضي إلى باطل ينتشر ولا تتم مراجعته، ذلك أن تألق الفنان الكبيرلا يقتصر على الشر وحده.
قبل عامين من “دعاء الكروان”، كان عبد العليم متوهجا في “الفتوة”، 1957، عبر تجسيده لشخصية التاجر الكبير الذي يعاني من احتكار وهيمنة المعلم أبو زيد، زكي رستم. رجل قوي طيب جاد مأزوم، يكره العنف ويعي حدوده وإمكاناته. يشكو مثل زملائه العاجزين عن المقاومة، ويتعذب بالأزمة التي تهدد استمرار عمله.
في “حسن ونعيمة”، الذي يُعرض في السنة نفسها مع “دعاء الكروان”، يتسم الشيخ عبد الباسط بالقوة والشهامة والشجاعة دون تورط في أعمال شريرة تؤخذ عليه. لا يخلو من بعض الاندفاع والحرص على الثأر، لكن دوافعه تنبع من التمسك بالكرامة والقيم الريفية الموروثة المهددة.
التمييز ضروري بين القوة والحزم من ناحية والعنف والشراسة المنفلتة من ناحية أخرى، ولا شك أن الريس عرفة في “الحرام”، 1965، هو التعبير الأمثل عن التحولات الإنسانية التي تتراوح بين القسوة والرقة، وتنتمي في نهاية الأمر إلى ساحة الطيبة والانتصار للخير. يحتاج المسئول عن مراقبة عمل أنفار الترحيلة إلى الحزم وإحكام السيطرة، وربما بعض العنف والقسوة، حتى لا يفلت الزمام وتسوء الإدارة، وقد يصل به الحرص على النجاح إلى الاستعانة بالعصا يلهب بها الظهور، لكنه يحب هؤلاء العاملين تحت قيادته ويتعاطف معهم في المحن والأزمات. لا يتردد عرفة في التستر على عزيزة، فاتن حمامة، عندما يقف بها المرض على حافة الموت.في مواجهة ناظر الزراعة، زكي رستم، بكل ما يمثله من سلطة، يدافع عن المرأة المسكينة ، ولا يتورع عن التوسل الذي ينم عن عظيم حبه ومدى انتمائه لمن يقسو عليهم أحيانا، وثمة مشهد بعد موتها يعبر عن حجم الموهبة التي يتمتع بها الممثل القدير.
يتوقف عمال التراحيل عن العمل بعد وفاتها، ويشكو له مساعده :”يا ريس عرفة.. الأنفار مش عايزة تشتغل.. ما تيجي تشوفلك صرفة معاهم”.
رد الفعل يتمثل في تحطيم العصا، أداة البطش ورمز القهر، معلنا تعاطفه وتضامنه في موقف عصيب لا متسع فيه إلا للحب والإعلاء من شأن الحس الإنساني. لا يسرف عبدالعليم في الانفعال العصبي غير المحسوب وهو يقوم بفعلته الاستثنائية هذه، ويسعفه الوجه الناطق بديلا عن كلمات لا تغني شيئا في مواجهة المحنة. المهيمن على أعماقه هو ضرورة القيام بالواجب دون افتعال استعراضي، والإصرار على دفن عزيزة في قريتها البعيدة دليل جديد على أن قشرة العنف من لوازم العمل، ولا تتعارض مع انتمائه الأصيل إلى معسكر الحب والخير.
……………………
في “عنتر يغزو الصحراء”، 1960، و”عنتر بن شداد”، 1961، يُسند دور شداد إلى عبد العليم خطاب، فهو يجمع بين الطول الفارع والجسد القوي والصوت المعبر عن خبايا اللغة ودلالاتها. هيبة تليق بالسيد الذي يقسو على ابنه غير الشرعي ويضمر العطف، ويتعذب بضرورة الخضوع للتقاليد والأعراف مع الشعور الذي لا يفارقه بالذنب والتقصير.
لا يغيب عبد العليم عن فيلمى “أمير الانتقام”، 1950 ، و”أمير الدهاء”، 1965. من قادة جهاز الأمن في العمل الأول، وزعيم المعارضة عبد الجليل في الثاني، والإتقان في معايشة الشخصيتين المتناقضتين هو المشترك الذي يليق بممثل محترف.
لا يتوقف خطاب عن العمل الذي يعشقه ويخلص له طيلة حياته، ولا ينشغل كثيرا بمساحة الدور الذي يؤديه، ويطل وجهه المميز مصحوبا بالصوت الذي ينفرد به، شيخا للخفراء في “البوسطجي”، 1968، عما قرويا للبواب حامد في “النداهة”، 1975، وأبا تقليديا محافظا في “اريد حلا”، 1975.
قد لا تتناسب الأدوار المحدودة هذه مع تاريخ الفنان الكبير وإمكاناته وحجم موهبته، لكنه المتاح من عمل.
……………………….
يغيب عبد العليم خطاب وتبقى ذكراه العطرة شاهدة على إبداع تتوارث الأجيال إعجابا به، وما أكثر الذين يعرفون الخال القاتل ورئيس الأنفار والصديق الشهم للمغنواتي حسن. ربما يجهل بعضهم اسم الممثل العملاق، لكنهم يعون بالضرورة أنه ممثل عملاق، وهل يتطلع الفنان المؤمن برسالته إلى ما هو أكثر؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: