الرئيسية / كتاب وشعراء / سر الورقة ……قصه قصيره بقلم وليد.ع.العايش

سر الورقة ……قصه قصيره بقلم وليد.ع.العايش

ولج جوليان إلى المكتب الذي انتظر وقتا لابأس به للوصول إليه ، كان هناك ثلة من الأشخاص ينتظرون دورهم : ( ربما تأخرت في القدوم ) … قال لنفسه …
جوليان شاب في مقتبل العمر ، وسيم الوجه ، بهي الطلة ، طويل القامة ، أسود الشعر ، خفيف الظل ، نشأ في قرية بعيدة عن العاصمة ، لكنه جاءها منذ زمن طويل …
كان يعرف بين رفاق الدراسة بإحساسه المرهف كوردة جورية ، وربما ك ياسمينة أطلت برأسها في صباح ريفي جميل …
عندما كان يجول بنظره أرجاء المكتب فوجئ بفنجان قهوة كاد يحط الرحال فوق رأسه ، تمالك نفسه وتناول الفنجان ( شكرا … شكرا لك ) … انتظر الشخص هنيهة !!! ثم انصرف عنه ممتعضا .
( ماذا تريد يا سيد جول ) أتاه السؤال من مدير المكتب ، ناوله ورقة محمرة الوجنتين ( هههه … نعم نعم … اقترب إلي ) … دنا جول كما أسماه الرجل ذو الياقة الحمراء واللحية الكثة ( ماذا ياسيدي ) … كتب الرجل رقما على ورقة صغيرة وناولها للشاب ، في ذاك الوقت كان الرعد يقصف في الخارج ، بينما الطيور تغادر فجأة خوفا من عاصفة قادمة لا محالة …
حمل جوليان الورقة وخرج دون أن ينبس بكلمة واحدة .
في الطابق الأسفل كان هناك مكتب آخر ، قرر أن يزوره لعل شيئا ما يتغير ، بدأ المطر يضرب النوافذ بقسوة ، الرياح تشتد أكثر وأكثر ، هذه المرة لم يضطر للانتظار مطولا : ( أنت جوليان … أليس كذلك … إليك بهذه ) دفع إليه بورقة جديدة رافقتها ابتسامة ساحرة ( تفضل اشرب فنجان قهوة ) … ضحك جوليان ثم غادر المكان مسرعا …
أرخت العاصفة جدائلها ، أوحلت الأرض ، البرد ارتفع منسوبه كموج البحر ، الطريق إلى القرية أصبح وعرا للغاية ، الحياة تكاد تلامس خيوط الموت في هذه الأمسية …
كافة الدروب وعرة ، بل تحولت إلى دروب مسدودة ، حتى الثقوب الصغيرة غابت خلف الغيوم السوداء ، تحول جوليان إلى إنسان بائس ، يتسول كلمة في بستان مليء بالألغام ، الذاكرة فقدت كلمة المرور نحو براعم تحلم بالولادة …
( ماذا حصل معك يا جوليان ) … قالت الزوجة الشابة … كان متجهم الوجه ، مرتعد الأطراف ، الغيظ يحيط به من كل مكان : ( لاشيء … لاشيء … دعيني وحيدا … آه أوقدي المدفأة ) …
في صبيحة اليوم التالي استيقظ قبل دجاجاته العشرة ، ارتدى ثيابه الشتوية وغادر على الفور : ( ألا تريد أن تشرب القهوة ) نادت زوجته … ( لعن الله القهوة ) قالها وهو في طريقه إلى سيارته القديمة … لم يكن هذا اليوم شبيها بشقيقه ، لقد خرجت الشمس ، وتزينت السماء بأسراب العصافير ، ترك على ثغره ابتسامة مستجدة ، هل كان يتفاءل !!! …
الساعة تشير إلى التاسعة صباحا ، المكتب الفخم يثير الرغبة في الجلوس ، كأس الشاي لم تتأخر في الحضور ، مد يده صوب جيبه الأيمن ، أخرج ورقة ونقدها للرجل … ( يالك من بخيل ) قال الرجل في سره …
سارت عقارب الساعة ببطء شديد ، تجول كثيرا في ذاك المكتب ( ألم يحن دوري ياسيد … ) … الجواب كان غائما جدا ، يعاود جوليان انتظاره ، دخل وخرج الكثير من الرعية ، أشكال مختلفة مرت على مرآه ، أحدهم كان يحمل كيسا أسودا ، أخرج منه رزم نقود وزعها على بعض القابعين خلف طاولات خشبية ثم ترك المكان ( إنه كريم جدا … مالي به !!! ) …
انتهى كل شيء ، لم يبق سواه في المكتب : ( هيا هيا يا سيد جوليان … لكن لا تتأخر فلم يعد لدينا وقت ) …
سكت الشاب الوسيم بينما انفرجت أسارير الباب الموصد بقفل كهربائي …
نظر إلى الرجل القابع هناك ، كان يبدو متعبا للغاية ، السيجار وحده يعلن عن حيوية ما : ( ما خطبك أيها الشاب ) … ناوله الورقة ذاتها ثم تقهقر قليلا إلى الوراء ، قهقه الرجل : ( فقط هذا !!! … تكرم … تكرم ) … أضاءت الحياة فجأة أمام ناظري جوليان ، لابد أن حلمه بات وشيك الإمطار ، كاد يخر فرحا ، أمسك الرجل الوقور بقلم ذو لون مختلف ، كتب شيئا ما على ورقة صفراء صغيرة ومد يده صوب الشاب ، قرأ جوليان رقما ما : ( شكرا يا سيدي … شكرا لك ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: