الأربعاء , أكتوبر 16 2019
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد محمد خان

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد محمد خان

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 77 لميلاد ” المُبدع ” و ” عاشق محراب السينما ” و ” حريف السينما الواقعية و فارسها النبيل ” المُخرج المصرى الكبير و القدير المصرى و البريطانى الجنسية ذو الأصول الباكستانية ” محمد حامد حسن خان ” الشهير بمحمد خان و الذى يُعد أحد أهم مُخرجى السينما المصرية طوال تاريخها وأحد أبرز مُخرجى الواقعية و صاحب الحُضور الإنسانى و الفنى المُميز و الطاقة الإيجابية المُدهشة و الروح المصرية الأصيلة و العشق الأبدى للسينما و للحياة بعدما تواصل و تنوع إبداعه عبر سنوات طويلة و تناولت أعماله الواقع السياسى و الاجتماعى و غيّر بأفلامه شكل السينما المصرية من داخلها بعد عمله مع ذات المُنتجين و ذات النجوم و النجمات و فى ظل نفس الإمكانيات التى يعمل بها المُخرجون الآخرون أيضاً ! إلا أنه قدّم أعمالاً مُختلفة و أضحى له لونه و بصمته الفريدة داخل تيار السينما الجديدة بعد أن قدم للسينما المصرية عدداً من الأعمال التى تعتبر علامات بارزة فى تاريخها و دخول عدداً لابأس منها فى قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية و الحقُ يُقال أن أهم مااشتهر به خان فى أفلامه أن المكان و الإنسان كانا وجهان لعملة واحدة حيثُ يُشارك ” الشارع” فى بطولة مُعظم أعماله و تتكرر تيمة موت الرومانسية بها و لكنه لا يُقدمها بمُبالغات ميلودرامية و إنما من خلال شخصيات حية من لحم و دم و بمُعالجات شديدة الحساسية و ظل يبحث دوماً عن الفروسية داخل الإنسان و ظل مُخلصاً للشخصيات العادية فيُقدّمها بحب شديد و يحتفى بأحلامها و صبرها و عشقها للحياة .. ولد خان فى 26 / 10 / 1942م فى حى الحلمية القديمة بمُحافظة القاهرة و كان والده من أصل باكستانى حاصل على الجنسية الإنجليزية و نشأ فى منزل مجاور لدار سينما مُزدوجة و كان يرى مقاعد إحداها و لا يرى الشاشة ! فكان يشاهد الأفلام فى اليوم الأول و يتابع شريط الصوت بتركيز بقية الأيام و كان حريصاً على جمع إعلانات الأفلام من الصُحف و شراء مجموعات صور الأفلام و بالرغم من ذلك لم يكن يحلم يوماً بأن يصبح مُخرجاً سينمائياً حيث كانت الهندسة المِعمارية هى حُلم طفولته حيثُ سافر فى عام 1956م  إلى إنجلترا لدراسة الهندسة المعمارية إلا أنه التقى بالصُدفة بشاب سويسرى يدرس السينما هناك و ذهب معه إلى مدرسة الفنون فترك الهندسة و التحق بمعهد السينما فى لندن و لكن دراسته فى المعهد إقتصرت فقط على الإحتكاك بالآلات و معرفته للتقنية السينمائية أما مدرسته الحقيقية فكانت من خلال تعرفه على السينما العالمية فى الستينات و مشاهدته لكمية رهيبة من الأفلام و معاصرته لجميع التيارات السينمائية الجديدة فى نفس وقت نشوئها و تفاعلها بعدما شاهد أفلام الموجة الفرنسية الجديدة و أفلام الموجات الجديدة للسينما التشيكية و الهولندية و الأمريكية و جيل المُخرجين الجُدد فيها كما تابع أفلام ” أنطونيونى ” و ” فللينى ” و ” كيروساوا ” و غيرهم من عمالقة الإخراج فى العالم و بالإضافة إلى هذه الحصيلة الكبيرة من الأفلام كانت هناك حصيلته النظرية من مُتابعته لمدارس النقد السينمائى المُختلفة مثل كراسات السينما الفرنسية و المجلات السينمائية الإنجليزية الأخرى و هى بالفعل مدرسة محمد خان الحقيقية التى جعلته ينظر إلى السينما نظرة جادة و مُختلفة عما هو سائد فى مصر و العالم العربى .. فى عام 1963م يُقرر خان العودة إلى القاهرة و فور عودته عمل في الشركة العامة للإنتاج السينمائى العربى التى كان يُديرها “صلاح أبو سيف ” فى قسم القراءة و السيناريو لكنَّه لم يستمرْ فى هذا العمل لأكثر من عام إذ قرَّر السفر إلى بيروت للعمل كمُساعد للمُخرج “ يوسف معلوف ” ثم عمل بعد ذلك مع “ وديع فارس ” و ” فاروق عجرمة ” و المخرج اليونانى “ كوستا جافراس ” لكنَّ بقائه فى “بيروت” لم يستمر سوى عامين غادر بعدهما إلى لندن مُجدداً و جاءت حرب يونيو 67 لِتُسقِطَه فى هُوَّة اليأس و الحيرة فيترك السينما و يُنشئ دار نشر و يُصدر كتابين الأول عن السينما المصرية و آخر عن السينما التشيكية ! و استمر خلال تلك الفترة يكتب المقالات السينمائية و ينشرها فى المجلات المُتخصصة و فى تلك الأثناء التقى خان مُجدداً بصلاح أبو سيف و استطاع بما حباه الله من خفة ظل و قُدرة على الإقناع أن يحصل على موافقة أبو سيف ليكونا شريكين فى مشروع يُدر عليهما عائداً مادياً كبيراً كان المشروع عبارة عن محل “ فول و طعمية ” ! اختارا له أسم “ الأسطى حسن ” لكن المشروع تحوَّل إلى نُكْتَةٍ يتذكَّرُها الصديقان كُلَّما التقيا بعد ذلك فيضحكان .. كانت أول أعمال “خان”  السينمائية هى فيلماً تسجيلياً قصيرا بعنوان “ البطيخة ”و  هذا الفيلم على الرغم من قصره  إلا أنه كان كاشفاً  جداً لرؤية خان الإنسانية و الفنية التى تضع العاديين و المهمشين فى بؤرة الضوء حتى جاء عام 1978م ليُقدم خان أول أفلامه السينمائية بعنوان “ضربة شمس” ليُحقق الفيلم نجاحاً عريضاً رغم أن بطله نور الشريف حين شاهده فى العرض الخاص قبل إضافة المؤثرات الصوتية و الموسيقى خرج دون كلمة واحدة و كان مُنتظراً لفشل ضخم إلا أن العمل أكد أن الجُمهور بحاجة إلى سينما مُختلفة و فتح الباب لجيلٍ كاملٍ من صُناع الأفلام ينزل بالكاميرا إلى الشارع و يحاول التقاط الحقيقة كما هى كما أنه مرثية كبرى لعلاقة شخص بمدينته القاهرية و فى عام 1982 كان شاهداً على طرح فيلمه ” موعد على العشاء ” بطولة سُعاد حُسنى و حسين فهمى و أحمد زكى و فيه علاقة حُب ثلاثية رجلان يُحبان نفس المرأة أحدهما مُتسلحاً بالنفوذ و الآخر بالحُب فتذهب ناحية الأخير و لكن الأول يُدمر حياتهما و ينتهى الفيلم بطريقة مُدهشة حين تقول ” نوال ” جُملتها الشهيرة ” لا أنا و لا أنت نستحق نعيش يا عزت ” و يختتم الفيلم بموسيقى كمال بكير و دقات البيانو مشهد قتل الزوجة لزوجها السابق يدعو إلى التأمل و ليس إلى الاشمئزاز ! و يبقى الفيلم فى الذاكرة للأبد إلى أن جاء عام 1983م لتتفجر عبقرية خان فى رائعة جديدة من روائعه فى فيلم ” نص أرنب ” بطولة محمود عبد العزيز و يحيى الفخرانى و سعيد صالح مُعتمداً على خدعته المُفضلة فى التصوير فى الشارع لتكون النتيجة هى فيلم حركة و عصابات مُختلف و مهم جداً أقرب لسينما الموجة الفرنسية الجديدة و بمشاهد مُطاردة خارجية من أفضل ما قدمته الأفلام فى مصر  و فى عام 1984م  قدم خان فيلم ” خرج و لم يعد ” و الذى يُعد الفيلم الكوميدى الوحيد فى مسيرته قال عنه إنه أقرب لـ ” قطعة الشوكولاتة ” فهو لم يحاول فيه أن يكون جدياً أو يصنع مُقارنة حقيقية بين الريف و المدينة بقدر ما يحكى قصة بسيطة بها احتفاء بالحياة الخضراء و صوت الطبيعة و تعد رائعة ” الحريف” عام 1984م هى أهم ما قدّمه خان طوال مسيرته فكانت بمثابة أيقونته و أسطورته فى التعبير عن الأمل و المُحاولة و الرهانات الخاطئة و ينتهى الفيلم بجملته الخالدة ” زمن اللعب راح يا بكر ” بلحظة النهاية و الهزيمة حين يتوقف الفارس بداخلنا عن ” اللعب ” و يرضخ لمنطق الواقع ! و فى ” عودة مواطن” عام 1985م يصنع لنا خان رؤية بانورامية للوضع الاجتماعى فى مصر بتلك الفترة تتبلور فى الأخ العائد من إحدى الدول الخليجية ليجد أخوته الأربعة فى أحوال مُختلفة أحدهم مُحبط و الآخر ثورى و الأخرى مُنضمة لعالم الانفتاح الاقتصادى و الرابعة تُعافر وسط ظروف اجتماعية صعبة و فى عام 1987م يُقدم خان ” زوجة رجل مُهم ” و الذى يُعد أحد أهم الأفلام فى تاريخ السينما المصرية و رغم أن الفيلم يبدو سياسياً إلا أنه من وجهة نظر كاتب هذه السطور فهو يُقرأ بشكل أفضل كمرثية لغياب الرومانسية فيبدأ العمل بحكاية رومانسية بين فتاة مُراهقة تحب عبد الحليم حافظ و رجل يعمل فى الشرطة و خلال الأحداث يتتبع السيناريو بدقة و قُرب كى تتغير الشخصيات و فى النهاية ينهار هذا الحُب تحت وطأة نهاية مأساوية فى واحدة من أعظم أداءات زكى و ميرفت للسينما و فى نهاية مرحلة ما قبل الألفية الجديدة أنتج خان لنفسه فيلم ” فارس المدينة ” عام 1993م بطولة محمود حميدة و لوسى و حسن حسنى و يقوم فيه بجمع أغلب شخصيات أفلامه القديمة فارس و زوجته و ابنه ( الحريف ) عمر ( مشوار عمر ) المهندس شاكر ( عودة مواطن ) أحلام ( أحلام هند و كاميليا ) يجمعهم كلهم و ينظر إلى مصائرهم ضمن رحلة بطل الفيلم و كأنهم شخصيات حقيقية و كأن الفيلم هو تتويج للخمس عشرة سنة الأولى من مسيرة مُخرجه السينمائية قبل أن تبدأ رحلة مُعاناته مع الإنتاج ليعود الفارس من جديد برفقة أحمد زكى أيضاً ليُقدم فيلم ” أيام السادات ” فى 2001م و الذى يحكى قصة حياة الرئيس السادات منذ أيامه الأولى و حتى حادثة اغتياله عام 1981م  و قد جمع فيلم آخر بين رفيقى درب الفن السابع محمد خان و أحمد زكى و هو “مستر كاراتيه ” 1993م ليُقدم بعدها خان عام 2007م فى فيلمه ” فى شقة مصر الجديدة تحية خالصة لعاطفة الحُب رغم تفصيلاته الواقعية الواضحة من خلال مُدرسة الموسيقى الفتاة الصعيدية الحالمة ” نجوى ” التى تتحول رحلتها بالقاهرة إلى سلسلة من المغامرات و وسط ذلك لا تتخلى عن تفاؤلها و قوتها و خجلها العذب و تصبح شقة مصر الجديدة مكاناً يتلاقى فيه اثنان من عالمين مُختلفين ثُم ينقطع خان عدة أعوام قبل أن يُقدّم لنا رائعة جديدة فى 2014م و هى ” فتاة المصنع بطولة ياسمين رئيس تلك الفتاة المصرية الكادحة التى لم يمنعها وضعها الاجتماعى المُتردى من الحلم بفارس يحملها بين ذراعيه و يطير بها لجنّة القفص الذهبى لكن فارس أحلامها لم يكن يحمل صفة الفارس و تخلى عنها فى أول اختبار اجتماعى حول عُذريتها و طبقتها و تركها وحيدة تواجه المُجتمع الظالم إلى أن ظهرت براءتها و تجاوزت محنتها بقوة الأنثى المُنتصرة أما آخر أفلام خان فكانت عام 2015م بعنوان ” قبل زحمة الصيف ” و التى تنتمى إلى نوعية مُختلفة من السينما لم يعتدها الجُمهور فالعمل لا يتضمن الحبكات الدرامية الكلاسيكية التى تحتوى على بداية و صراع و نهاية و لا شخصياته يمكن تصنيفها بين هذا شرير ظالم و هذا خيّر ضحية و يدور حول خمس شخصيات سلبية تترك للزمن مُهمة حل مشاكلها دون أن تنهض بنفسها لحلها ! .. ظل خان يحلم بحُصوله على الجنسية المصرية بعدما رُفض طلبه 3 مرات ! حتى حصُل عليها قبل وفاته بعامين فقط ! بعد العديد من الإستغاثات الرئاسية ! و كان فى غاية السعادة لأنه لم يكُن من الُمستساغ له يوماً ما أن تكون مصر قد شهدت ميلاده و معيشته و تحقيقه لمجده ثُم يُنسب هذا المجد بعد ذلك لبريطانيا أو باكستان ! و كان قد تزوج من ” وسام سليمان ” كاتبة السيناريو لفيلميه ” بنات وسط البلد ” بعد قصة غرام كان الوسط الفنى شاهداً عليها و له نجلة واحدة منها ” نادين خان ” و تعمل أيضاً فى مجال الإخراج السينمائى و بعد تاريخٌ حافلٌ بالعطاء الفنى توفى خان عن عُمرٍ يُناهز الـ 73 عاماً فى 26 / 7 / 2016م إثر تعرُضه لأزمه صحيه نُقل على إثرها لمُستشفى بالمعادى و وافته المَنية فى الرابعه فجراً و هو رحيلً جسدى فقط لكنه سيظل حياً بروحه و فنه و أعماله الجميلة حتى يوم يُبعثون بعد أن ترك لنا رصيداً هائلاً من الروائع و الإبداعات السينمائية .. رحم اللهُ محمد خان و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: