الأربعاء , أكتوبر 16 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / د.كمال مغيث يكتب ….حدوتة النيل (1)

د.كمال مغيث يكتب ….حدوتة النيل (1)

الصحراء العربية الكبرى هى أكبر صحراوات العالم تمتد لآلاف الكيلومترات، من المحيط الأطلنطى غربا إلى الخليج العربى شرقا، وتقع مصر فى قلب تلك الصحراء، لولا أن النيل قد اخترقها منذ ملايين السنين، فدعا البشر إلى سكنى واديه، ومن هنا قامت، أقدم حضارة ومجتمع ونظام ودولة، وأنا لا أريد هنا أن أدخل فى تلك المناظرة السخيفة، التى سببها هيرودوت بقوله: «مصر هبة النيل»، فهب من يعترض قائلا: لا إن مصر هبة المصريين، لأن النيل يعبر تسع دول أفريقية، على مدى يزيد على ستة آلاف كيلومتر ــ أطول انهار العالم ــ لم تصنع جميعها حضارة كالتى صنعها المصريين، وأنا أظن أن العلاقة «الجدلية» بين النهر والبشر هى التى صنعت تلك الحضارة الباذخة.

ومن ثم لم يكن غريبا أن يتعبد المصريون القدماء للنيل عبر العديد من الأرباب، منهم حابى رب النيل، وخنوم رب الفيضان والخلق، وحقت الآلهة الضفدعة ربة المياه،

ومن النيل اتخذت أقدم رموز المملكتين القديمتين قبل توحيدهم على يد «مينا»، نبات البردى للملكة الشمال، وزهرة اللوتس للملكة الجنوب، ومن نبات البردى صنعت أقدم أنواع الورق، كما صنعت المقاعد والأسرة والمراكب، لقد مثل النيل العمود الفقرى للحياة المصرية، فى ميدان الزراعة والعقيدة والتنظيم الاجتماعى، ومختلف جوانب الحياة،
من طميه صنعوا الطوب اللبن لبناء بيوتهم، ومن أخشاب أشجاره وغابه صنعوا أدواتهم، وآلاتهم الموسيقية واقتاتوا على المحاصيل والنباتات والحيوانات والطيور التى تعيش على ضفافه.

وفى النيل ألقى «ست» الشرير، جسد أخيه الطيب «أوزوريس» بعد أن قطعه إلى أربعين شلوا، دفنتهم إيزيس فى الأقاليم المصرية»الأربعين». ومن هنا يندر أن توجد مدينة مصرية لا تضم ضريحا يسمى «سيدى الأربعين»، وحول جسد أوزوريس ماء النيل إلى «ماء الحياة»، الذى يخصب الأرض البور، وأصبح على كل عاقر ترغب فى الولد، أن تملأ إبريقا من الفخار الأسود من ماء النيل، وتذهب به إلى المقابر حيث أوزوريس، ساكنا للمقابر وإلها للخصب، وقاضى قضاة العالم السفلى، لتخلع ملابسها وتستحم بماء النيل فى طقس رمزى تعاشر فيه أوزوريس، ولا يخالجها بعد ذلك شك فى أنها سترزق الولد.

والنيل هو نهر الأبدية فى العالم الآخر، وفى غربه، وحيث تغرب الشمس أقام المصريون القدماء أهرامهم ومعابدهم الجنائزية ومقابرهم، وعلى النيل تعلموا صيد السمك والطيور وأفراس النهر والتماسيح.

وللنيل موسمان: موسم الفيضان بين شهرى يوليو وسبتمبر، حيث يبلغ منسوب مياهه 16 ذراعا أو أكثر من ثمانية أمتار كانت تقاس بمقاييس متدرجة من البوص ثم أقيمت بعض المقاييس الثابتة فى مختلف أنحائه حتى أقام العباسيون مقياس الروضة سنة 861م، وموسم التحاريق أو الجفاف بقية العام، يبذر فيه المصريون الحبوب ويتابعون نموها، حتى مواسم الحصاد، واحتفى المسلمون بنهر النيل ومائه العذب حفاوة بالغة، حتى إنهم رووا فى مأثورهم أنه ينبع من جنات عدن.
وكانت صيحة الخفير المناوب بأعلى صوته عندما يلمس سطح ماء الفيضان العلامة الزراع رقم 16: “النيل وفى” أهم واحب الصيحات التى يرغب المصريين فى سماعها وبمجرد سماعها تنطلق الزغاريد من خلف المشربيات وتلقى المحلات على المارة بالتمر والفندام ويحضن الناس بعضهم بعضا، ويصعد ذلك الخفير المناوب ليبشر السلطان فى القلعة بوفاء النيل فيخلع عليه السلطان عباءة موشاه بخيوط الذهب وعدة أكياس من الدنانير الذهبية والتزام قرية كاملة

وكان جفاف النهر، وعدم وصول مياهه إلى الذراع السادسة عشرة على مقياسه، هو أخطر الكوارث التى تحيق بالأرض والبشر والدولة والنظام، فتنعدم الخيرات والمحاصيل، وترتفع أسعار الندرة الباقية منها، وتتوقف قدرة الناس على دفع الضرائب التى تعيش عليها الدولة وجهازها الإدارى والعسكرى، ولا يعد هناك سوى الفوضى والخراب والمجاعة، كما حدث فى الشدة المستنصرية (1065 ــ 1071)، هذه لمحة سريعة عن قدر النيل ودوره فى حياتنا، وهو ما انعكس على وجودة الغزير والثرى والنابض بالحياة فى الفن والغناء المصرى الحديث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: