الثلاثاء , نوفمبر 19 2019
الرئيسية / تاريخ العرب / “قضية التلغراف”:

“قضية التلغراف”:

كتب :مصطفي شريف
فى 12 مارس 1896م أرسل رئيس وزراء بريطانيا إلى اللورد “كرومر” لتجريد حملة بطريقة مفاجئة ، من الجنود المصريين والانجليز بقيادة كتشنر لاسترجاع “دنقلة” ، وقد فوجئت الحكومةُ المصرية بهذا القرار، واضطر الجيش المصري للتعبئة بشكل مفاجئٍ..

– تناولت الصحف المصرية هذا الخبر تبعا لميول كل صحيفة ، حيث تناولت جريدة “المقطم” هذا القرار كما لو أن أمر الحملة أمر مصري يخص المصريين، وأن القائم بهذا القرار المصيري الخديوي وحكومته، وهذا على نقيض جريدة “المؤيد” التي شنت حملة على حكومة الاحتلال، وفضحت التبعية التي وقع في أَسْرِها الخديوي والحكومة المصرية، والتي جرت الجيش المصري في حملة غير محسوبة العواقب إلى أدغال إفريقيا.
اما الاهرام فقد هاجمت الحملة ولكن ليس بنفس دوافع “المؤيد” ولكن بسبب ان “الاهرام” تدافع عن الاتجاهات الفرنسية.

– اظهرت الصحف المعارضة انزعاج الباب العالى العثمانى من الحملة ، وبرغم احتقار جريدة “المقطم” بأمر اللورد “كرومر” كل اخبار الحملة الا ان معظم الصحف قدمت تحقيقات متميزة عن انباء الحملة واحوالها،واظهرت معاناة الجيش المصري في مواجهة دراويش “المهدية” في السودان، و التى نال فيها الجيش المصري هزائم موجعةرغم قلة عدد الدراويش، وبساطة أسلحتهم، مقارنة بحجم الجيش المصري و عتاده وقيادته الإنجليزية، وازدادت أحوالُ الحملة سوءًا .

– لجأت “المؤيد” الى الربط الدائم بين ما يحدث على جبهة جنوب السودان واهدافه ، وما يحدث على الجبهة المصرية السياسية ، وابراز دوافع مقاومة الاحتلال.
لذلك اصدرت نظارة الحربية امرها بمنع وصول انباء حملة دنقلة الى جريدة المؤيد وهذا طبقاُ لتعليمات اللورد “كرومر”.

– وبرغم هذا المنع الا ان جريدة المؤيد اعتمدت على عدة مصادر سرية لمعرفة انباء الحملة وكان و من أحدِها المواطن”توفيق أفندي كيرلس” الموظف بمكتب تلغراف الأزبكية والذي سرب للجريدة وصاحبِها الشيخ “علي يوسف” أسرار الحملة، والمراسلات المتبادلة التي كانت تحوي المصاعبَ التي يتعرض لها الجيشُ المصري في حملته بالسودان.
– وفى 26 يوليو من عام 1896م ارسل السردار البريطاني كتشنر قائد الحملة برقية باللغة الفرنسية إلى ناظر الحربية في مصر مكونة من 566 كلمة تلقاها مكتب تلغراف الازبكية وارسلها للوزارة في مظروف مغلق ومختوم، يخبره فيها بتفشى داء الكوليرا في الجيش، ووفاة بعض ضبَّاط الجيش من الإنجليز.

– وقعت البرقية فى يد موظف التلغراف ، فسربها الى الشيخ على يوسف صاحب المؤيد ، وفى اليوم التالي رأى كتشنر البرقية السرية التي ارسلها منشورة بجريدة المؤيد تحت عنوان (أحوال الجيش المصرى على الحدود ) وتحتوي على تقرير عن وباء الكوليرا في أسوان والسودان وحلفا،ووصوله حتي جنوب مصر.

مما جعل اللورد “كرومر” يشعر بالحرج من انكشاف أحوال الحملة بهذا الشكل المزري أمام الشعب المصري، وأمر ناظر الحربية بالتحقيق، واتجهت الشبهة إلى موظف التلغراف، وتمت مراقبته(توفيق كيرلس )وقبض عليه وهو ينسخ إحدى البرقيات ووجهت اليه تهمة افشاء اسرار الحاكم الانجليزىوتولى التحقيق وكيل النيابة محمد بك فريد.
استدعى الشيخ على يوسف الذي رفض التصريح بمصدر المعلومات محتجا بسر المهنة، وأوصى وكيل النيابة بحفظ التحقيق بالنسبة للشيخ يوسف لعدم وجود الدليل على إدانته.. لكن أعلن النائب العام الإنجليزي تقديمه إلى المحاكمة.

انتهى التحقيق بتوجيه تهمة” إفشاء لأسرار الجيش وإثارة للذعر عند أهالي الجنود” إلى كيرلس والى على يوسف كشريك، وقدمت القضية إلى محكمة جنح عابدين، وفجر إبراهيم الهلباوى المحامى مفاجأة وهى أن الشاهد الوحيد على موظف التلغراف (اسكندر تادرس) هو محرر بجريدة المقطم الذي يهاجم المؤيد في مقالاته تحت عنوان “الزارع للشر عند ابليس” .

فصدر الحكم ببراءة الشيخ علي يوسف والذى وحمل على الأعناق إلى خارج المحكمة ، وحبس «توفيق كيرلس» ثلاثة أشهر، وفي الاستئناف صدرالحكم ببراءته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: