الأربعاء , نوفمبر 20 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل مُصطفى محمود

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل مُصطفى محمود

يوافق اليوم الذكرى السنوية العاشرة لرحيل الفيلسوف و الطبيب و الكاتب الكبير و القدير ” مصطفى كمال محمود حسين آلـ محفوظ ” الشهير بمُصطفى محمود و هو الكاتب الذى تمَيز أسلوبه فى الكتابة و البرامج التليفزيونية بالجاذبية مع العمق و البساطة مع اليُسر و الذى استطاع أن يدخل بهم إلى أفئدة قُرائه و مُشاهديه .. ولد مُصطفى فى عام 1921م فى مدينة شبين الكوم بمُحافظة المنوفية و يعود نسبِه للأشراف حيثُ ينتهى إلى على زين العابدين رضى اللهُ عنه و قد بدأ حياته مُتفوقاً فى الدراسة حتى ضربه مُدرس اللُغة العربية ضرباً مُبرحاً فى حصة النحو فغضب و إنقطع عن الدراسة مدة ثلاث سنوات ! إلى أن إنتقل هذا المُدرس إلى مدرسة أخرى فعاد مُصطفى محمود لمُتابعة الدراسة مرة أخرى و كان من شدة نبوغه أنه أنشأ مَعملاً صغيراً فى منزل والده ليصنع فيه الصابون و المبيدات الحشرية ليقتل بها الحشرات ثم يقوم بتشريحها و لذلك حين التحق بكُلية الطبِ اشتُهر بـ ” المشرحجى” نظراً لوقوفه طوال اليوم أمام أجساد الموتى طارحاً التساؤلات حول سرِ الحياة و الموت و ما بعدهما و بعد تخرجه عام 1953م تخصَصَ فى الأمراض الصدرية و لكنه تفرغ للكتابة و البحث عام 1960م و ألف 89 كتاباً منها الكتب العلمية و الدينية و الفلسفية و الإجتماعية و السياسية إضافة إلى الحكايات و المسرحيات و قصص الرحلات و قدم أيضاً مايقرُب من الـ 400 حلقة من برنامجه التلفزيونى الشهير ” العلم والإيمان ” كما أنشأ عام 1979م مسجده فى القاهرة المعروف بـ ” مسجد مصطفى محمود ” و يتبع له ثلاثة مراكز طبية تهتم بعلاج ذوى الدخل المحدود و يقصدها الكثير من أبناء مصر نظراً لسُمعتها الطبية و شكل قوافل للرحمة من ستة عشر طبيباً و يضم المركز أربعة مراصد فلكية و متحفاً للجيولوجيا يقوم عليه أساتذة مُتخصصون و يضم أيضاً مجموعة من الصخور الجرانيتية و الفراشات المُحنطة بأشكالها المُتنوعة و بعض الكائنات البحرية و قد كان مُصطفى مُتأثر فى صباه بعدد من الشخصيات الفكرية المُلحدة و هى ما أثرت عليه و على تفكيره فأصبح مُلحداً و مع تزايد التيار المادى فى الستينيات من القرن الماضى و ظهور نظرية ” الوجودية ” لم يكن مُصطفى بعيداً عن ذلك التيار الذى أحاطه بقوة و مكثَ معه ثلاثون عاماً كاملة من المُعاناة و الشك و النفى و الإثبات حول البحث عن الله ! فقرأ وقتها عن البوذية و البراهمية و الزرداشتية و مارس تصوف الهندوس القائم عن وحدة الوجود حيث الخالق هو المخلوق و الرب هو الكون فى حد ذاته و هو الطاقة الباطنة فى جميع المخلوقات و لكن الحقيقة الثابتة أن مُصطفى لم يُلحد فى فترة شكه لأنه لم ينفِ وجود الله بشكل مُطلق و لكنه كان عاجزاً عن إدراكه ! فيقولُ فى هذا الأمر ” إحتاج الأمر بالنسبة لى إلى ثلاثين عامٍ من الغرق فى الكُتب و آلاف الليالى من الخلوة و التأمل مع النفس و تقليب الفِكر على كل وجه كى أقطع الطُرق الشائكة من الله و الإنسان إلى لغز الحياة و الموت إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين ” و قد فعلها حُجة الإسلام ” أبو حامد الغزالى ” من قبل أن يفعلها مُصطفى تلك المحنة الروحية التى يمرُ بها كل مُفكر باحث عن الحقيقة و ان كان الغزالى ظل فى محنته 6 أشهر فان مُصطفى محمود قضى ثلاثين عاماً بها و أنهاها بأروع كُتبه و أعمقها و هى ” حوار مع صديقى المُلحد ” و ” رحلتى من الشكِ إلى الإيمان ” و ” التوراة ” و ” لُغز الموت ” و ” لغز الحياة ” و غيرها من الكُتب شديدة العُمق فى هذه المنطقة الشائكة و يروى مُصطفى محمود أنه عندما عَرضَ على التليفزيون مشروع برنامج العلم و الإيمان وافق و رصد مبلغ 30 جنيه للحلقة ! الواحده و بذلك فشل المشروع منذ بدايته إلا أن أحد رجال الأعمال علم بالموضوع فأنتج البرنامج على نفقته الخاصة ليُصبح من أشهر البرامج التليفزيونية و أوسعها إنتشاراً على الإطلاق و لزال الجميع يذكرون سهرة الإثنين الساعة التاسعة و مُقدمة الناى الحزينة فى البرنامج و إفتتاحية مصطفى محمود ( أهلا بيكم ) إلا أنه ككُل الأشياء الجميلة كان لا بد من نهاية لها فاللأسف هناك شخص ما أصدر قراراً برفع البرنامج من خريطة البرامج التليفزيونية ثُم صدر قرار بوقف البرنامج من الرئاسة المصرية ! إلى وزير الإعلام آنذاك صفوت الشريف .. تعرض مُصطفى لأزمات فكرية كثيرة كان أولها عندما قُدم للمُحاكمة بسبب كتابه ” الله و الإنسان ” و طلب الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر بإعتبارها قضية كفر ! إلا أن المحكمة إكتفت بمُصادرة الكِتاب و بعد ذلك أبلغه الرئيس السادات بعد أن أضحى رئيساً للدولة بأنه مُعجب بالكِتاب ! و قرر طبعه مرة أخرى ! و عرض السادات الوزارة عليه فرفض مُصطفى قائلاً ” أنا‏ ‏فشلت‏ ‏فى‏ ‏إدارة‏ ‏أصغر‏ ‏مؤسسة‏ ‏و هى‏ الأسرة لأننى طلقت زوجتى فكيف بى أدير وزارة كاملة !؟ ” أما أزمته الشهيرة فكانت مع كتاب الشفاعة عندما قال إن الشفاعة الحقيقية غير التى يُروج لها عُلماء الحديث و أن الشفاعة بمفهومها المعروف أشبه بنوع من الواسطة و الإتكالية على شفاعة النبى مُحمد و عدم العمل و الإجتهاد أو أنها تعنى تغييراً لحُكم الله فى هؤلاء المُذنبين و أن الله الأرحم بعبيده و الأعلم بما يستحقونه فهوجم الرجل بألسنة حادة و صدر 14 كتاباً للرد عليه على رأسها كتاب الدكتور ” محمد فؤاد شاكر ” أستاذ الشريعة الإسلامية كان رده قاسياً عليه للغاية دون أى مُبرر فإتهمه بأنه من عامة الشعب و مُجرد طبيب ! لا علاقة له بالعلم الدينى و فى لحظة حولوه بعض الشيوخ إلى مارق خارج عن القطيع ! و حاول أن ينتصر لفكره و يصمُد أمام التيار الذى يُريد رأسه إلا أنه هُزم فى النهاية ! .. تزوج مُصطفى عام 1961م و إنتهى الزواج بالطلاق عام 1973م و رزق بولدين هما ” أمل ” و” أدهم ” ثُمَ تزوج زيجة ثانية عام 1983م من السيدة ” زينب حمدى ” و إنتهى هذا الزواج أيضا بالطلاق عام 1987م .. بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور توفى الدكتور مُصطفى محمود فى الساعة السابعة و النصف من صباح السبت 31 أكتوبر 2009م عن عُمرٍ ناهز الـ 88 عاماً و تم تشييع الجنازة من مسجده بالمهندسين و لم يسر بها أى من المشاهير ! أو المسؤولين ! و لم تتحدث عنها وسائل الإعلام إلا كخبر عابر ! فى نشراتها الإخبارية ! و كل ذلك بسبب الحملة المُغرضة التى شنها عليه بعض شيوخ الأزهر و إتهموه فيها بالكُفر و الزندقة ! ماعدا الشيخ نصر فريد واصل الذى قال عنه أنه إجتهد و أصاب لأنه لم يُنكر الشفاعة بل إمتعض من جعلها و كأنها واسطة بيد الرسول الكريم للمولى عز و جل دون أى مُراعاة لعملِ المرء الصالح أو الطالح فى الحياة الدُنيا ! .. رحم اللهُ كاتبنا الكبير د. مُصطفى محمود و أسكنه فسيح جناته و كفانا و كفى كُل المُفكرين و الباحثين المُجتهدين جهل و إنغلاق بعض الشيوخ المُعممين المُطربشين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: