الثلاثاء , نوفمبر 19 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / د.امين السعدني يكتب ……عيد ميلاد الجزار

د.امين السعدني يكتب ……عيد ميلاد الجزار

فى مثل هذا اليوم السابع من نوفمبر عام ١٩٥٧ ولد الدكتور محمد فكرى الجزار أستاذ النقد الأدبى بكلية الآداب جامعة المنوفية، وبما أنه قد جاوز الستين بعامين، فهو الآن أستاذ ( متفرغ) ذلك هو المسمى الوظيفي لدرجته، فقانون تنظيم الجامعات المصرية يسمح لعضو هيئة التدريس بأن يستمر فى ممارسة كل أعماله الجامعية بعد بلوغه سن الستين، عدا أن يشغل منصبا إداريا، أى أنه (يتفرغ) للمهام البحثية، دون الجلوس على أية مقاعد إدارية.

والحق أن الرجل لم ينشغل يوما بأية مناصب قيادية فى الجامعة (ولا غيرها فى الواقع) فقد أرهق الكثيرين من زملائه كى يقتنع برئاسة قسم اللغة العربية فى الكلية، وبعد محاولات كثيرة من المطحونين فى قسمه، خاصة تلاميذه من أعضاء الهيئة المعاونة، وافق الرجل على تولى المنصب، وقد بذل كل ما فى وسعه، كى ينجح فى تنفيذ سياسته أثناء توليه رئاسة القسم.

ثم أنه أرهق الكثيرين أيضا فى محاولة إقناعه برئاسة تحرير بعض الدوريات العلمية، وفى النهاية لم يجد بدا من موافقته على مطالب الناشرين، والاستجابة لكل المسترشدين بهديه البحثى ورؤاه الفلسفية، وتبنى كل المهتمين بنشر المعرفة الحقة. وقد أدى الرسالة على خير وجه، ولم يأل جهدا فى التصويب والتنقيح، رغم كثير من المضايقات (المنهجية) التى تعرض لها، أثناء توليه للمسئولية.

أما عندما كنا نسخر من أن يكون هناك وزير للثقافة فى مصر والجزار يعيش على أرضها، فكان يضحك ملء فيه على ترشيحنا له وزيرا، رغم كونه متيما بخدمة البلد، فهو يري فى شغله منصب وزير نوعا من العبث بكينونته الثقافية، إذ أن قيود المنصب قد تحيزه بعض الشىء عما يعتقد، فهو يؤمن بالحرية الفكرية الواسعة، فى ظل ضوابط يرى ضرورة الالتزام (الذاتى) بها، أما أن يكون هذا الالتزام نابعا من سياسات حكومية، فذلك مما يتعارض مع تركيبته العقلية، ويناقض البناء الأيديولوجى الذى نشأ فى معيته، وقضى جل عمره فى الترسيخ لقواعده.

ويمكن القول – باطمئنان – أن هذا الرجل لم يتق يوما للسلطة، ولم تداعب مخيلته حقيقة أنه شخص استثنائى، وبالتالى يجب تسكينه فى موضع يناسب ملكاته، ويتماهى طرديا مع قدراته الفذة، قارئا وكاتبا ومتحدثا ومحبا ومستمعا، فهو لم ير نفسه إلا من آحاد الناس، بل من أكثرهم مسكنة، وأبسطهم شأنا، وأرقهم حالا.

هذا هو حال الدكتور محمد فكرى الجزار (الوظيفى) وهذا هو تقديره لشأنه، أما إذا ابتغينا الإنصاف فى الحديث عن شخصه كإنسان، فأنا – علي سبيل المثال – مهما استمطرت من سحائب فكرى، وطوعت كل طاقاتى اللغوية، وجمعت شتات قدراتى اللفظية، وقشبت كل أثوابى التعبيرية، وزينت كل مخرجاتى القولية، فإن الكتابة عنه ستظل ورطة مستدامة، أقدم على اقترافها بإرادتى المغلوبة، إذ ليس لى عن ذلك محيص، فضلا عن بديل.

فيا أيها الكائن الرمز، والمثال الذى تعجز عن تمثله العقول، وذلك اليقين الذى يوهج الوعى، فيجعل النفس مطمئنة، أعرف أنى سوف لا أبلغك، مهما لهثت من فرط الجهد، لأنك مثل قوس قزح، مبهر، وفى ذات الوقت يستحيل الوصول إليه، ولكنى سأبقى – دوما – منتشيا بخمر العلاقة، التى هى فى مجملها استظلال بوارف دوحتك بعلوها وعليائها، ومحاولة اقتراب من ضوء مشع، فى زمن غلبت على شمائله الظلمة. إعلم سيدي أن هذا يحررنى – قطعا – من قهر التوحد، وينتشلنى من الشعور بغثيان الاغتراب، ويحيينى فى سعة من العيش لا أتطلع إلى سواها.

أعى جيدا أنى لن أكونك أبدا، كما أدرك أن شرفى مرهون باتباعك فحسب، فأنا قانع بمجرد التشبه بك، على ما فى ذلك من وهم مقصود، وراض عن القسمة التى كنت أنا فيها مقسما ومختارا فى نفس الوقت، على ما فى ذلك من مجافاة لمنطق العدل.

فيا أيها الضمير القابل للتجسد، هز إليك بجذع التسامح، سيساقط عليك نبلا يجعلك تقبل عجزى امامك، فالعجز وحده هو آلية توسلى إليك، واعلم أنه إذا كان بى من قوة أدعيها، فلا باعث لها إلا إحساسى بهذا العجز إزاء إنسانيتك الفارهة، إذ أن ضعفى هو القربان الأوحد الذى أستطيع تقديمه على هيكل وجودك فى الدنيا. فكل ثانية وأنت بخير، وكل عمرك وأنت الجزار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: