الثلاثاء , نوفمبر 19 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / أحمد العش يكتب …… أبوتريكة كالبستان فى الحديقة

أحمد العش يكتب …… أبوتريكة كالبستان فى الحديقة

منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات ، كانت كرة القدم هى قبلتى الانتمائية ، التى عشقتها إلى حد الوله وزهوت فى غيابتها حتى الثمالة ،،،
أخذت بتلابيبى أسيراً ، مابرحت عنها وما برحت منى ، ورسمت على جبهتى كل تجاعيد التفاعل من أفراح وأتراح ، وفى بحر سنواتٍ قليلات ، كان تاريخ كرة القدم كاللوح المحفوظ ، فى قاع قريحتى الطفولية مسطوراً مصبوباً، لا أستطيع منه فكاكا ولات حين مناص ، وكانت سير الأقدمين والمعاصرين من اللاعبين ، هى جُل رصيدى من المعرفة الإنسانية ، ولا غرو فى ذلك لأن المناخ البيئى والمجتمعى وقتئذ ، كان يقوم على ركيزتين لا ثالث لهما الرياضة والفن ، وقد بلغت عليا شقوتى الطفولية ، أن أنافح عن كرة القدم كأنها علم الأولين والأخرين ، فكلفنى ذلك كثيراً من طيش الطفولة وعدم التريث ، بالتشنؤ والتباغض مع الغير ، فهذا من وعد الشيطان ، إن وعده كان غرورا ….
بيد أنه بمرور السنوات تترى ، تحرر الفكر من سباته ، ونضج بعض الشيء من جفوته ، مستشرفاً بأجل العلوم وأنفعها وأطيبها ، وليس معنى ذلك هجرى لكرة القدم بالكلية ، فهى ليست رجزا، وإن بقيت متابعتي لها ثانوية قشرية ، حسبما تقتضيه الحالة المزاجية ، ويا حبذا أنها من الأنشطة الإنسانية ، التى تدخل فى مشروعية الكتابة ، فذلك عهدى الأبدى مع شمولية الكتابة ما دمت حيا …..
وبما أن حديثى فى هذا المقام منصباً على كرة القدم خصيصاً، فقد كنت أرى ولازلت ، فى صانعى الألعاب بؤرة الجاذبية ، وحظوة الجماهيرية ، فما نسيت رضا عبدالعال ومجدى طلبه فى الزمالك والأهلي ، وأحمد العجوز وفكرى الصغير فى الاسماعيلى ، ومحمد عبدالجليل ووليد صلاح الدين فى الأهلى ، وعبدالستار صبرى فى المقاولين العرب ، وحازم إمام وطارق مصطفى وتامر عبدالحميد فى الزمالك ، وأحمد الكاس فى الأوليمبى ثم الزمالك ، وتامر بجاتو فى المنصورة ، وخالد عيد فى المحلة وأحمد سارى فى الاتحاد الخ ….
وفى مطلع الألفية المعاصرة ، كنت شاخص ببصرى ، إلى بعض لاعبى خط الوسط وصناع الألعاب فى الأندية غير المشهورة ، فأبديت اعجابى الشخصى بالمحمدين أبوتريكة وعبدالواحد فى الترسانة ، فتمنيت للأول على وجه الدقة، أن تظفر به عيون الأندية الكبرى ، لتتنامى حظوته الموهبية والجماهيرية ، ولا أخفى أنى تمنيته فى الأهلى يومئذٍ ،،،
كان هذا فى عام 2002 م إن لم تخنى الذاكرة ، وسرعان ما تحققت نبوءتى ، إذ حل أبوتريكة ضيفاً كريماً ، محفوداً محشوداً، موفوداً محظوظاً ، منذ وطأت قدميه عتبة النادى الأهلى ، بمبلغ 450 ألف جنيه آنئذ ،،،
استطاع أبوتريكة أن يتحول إلى ظاهرة غير مسبوقة فى الحياة المصرية على كل صعيد ، واجتمعت فى نواحى سيكولوجيته ، أشتات الملكات التى يتغياها كل امرىء لبيب ، حتى صار فى سنوات معدودات قريناً بسعادة المصريين، فى ثلاثة مناسبات أفريقية متتالية ، 2006 و2008 و2010 م ، فضلاً عن تربعه على العرش الأهلاوي لعباً وخلقاً وتواضعاً وايثاراً …
رسخ أبوتريكة فى نفسى كثيراً من الانطباعات الشعورية المكتسبة ، التى كنت قد أيقنتها فى الصغر ، ذلك رجع بعيد ، ذلك أن صانع الألعاب ( البلى ميكر ) ، أومحور الارتكاز ( هاف دفندر ) فى أكثر الأحيان فى الفريق ، هما الحركة الدائبة والآلة المحورية ، لجلب الحظ والمكسب ، وإلا ما وجدنا شهرة خالد الغندور وحازم إمام وحسام غالى ومحمد شوقى والعجوز وبركات وفكرى الصغير وعبدالستار صبرى وغيرهم ، تفوق شهرة أيمن منصور وعمرو ذكى وأحمد بلال وغيرهم ،،،
أما أبوتريكة هذا فهو نسيج وحده ، منقطع القرين ، الذى لم يفرى أحد، مارس أى نوع من أنواع الرياضة فى تاريخ مصر فريه ، بل إن شئت فقل إنه الضمير الإنسانى الحى ، الذى عقمت النساء على إنجاب مثله فى بقاع المعمورة لكثير من السنوات الخوالى ،،،
هو أفضل من أنجبت الرياضة المصرية مطلقاً، لاريب ولا مناص ،،،
وكانت أفضليته مبعوثة مدفوعة بدماثة أخلاقية غير معهودة ..
وأحسبه كذلك إذا وضعت فى الإعتبار، أفول زمننا من الشموس البشرية الدافئة ، على كل صعيد ومنحى ،،،
محمد محمد محمد أبوتريكة ظاهرة فريدة ، خطفت الأبصار فى الداخل المصرى ، وفى الخارج العربى والإفريقي والعالمى ،،،
كان اسمه وثيق الارتباط بالتميز على المستوى المحلى والدولى ، طيلة مسيرته الكروية ، وبعد اعتزاله لم تتزحزح شعبيته قيد أنمله ، فى خطين متوازيين لم ينفصلان أبداً ،،
ولعٌمرى إن أى شخصية ابتغت النجاح وناشدت المجد، لن تبغي عن الأخلاق حولا، وأيم الله إن أخلاق أبوتريكة إن وزنت بأخلاق مئات الألوف من البشر، لربحت أخلاقه ، وتالله إن بدا لى أبوتريكة سياسياً لنال بأخلاقه نوبل للسلام ، وإن تأملته طبيباً لتداوى المرضى بابتسامته ، وإن حسبته داعية إسلامي لاحتواهم ببراءة طلعته وجليل هيبته ونبل فطرته ، وإن تعثرت فى أذيالى تأسفاً على ضياع الأمانة والمروءة والفضيلة ، كماً وكيفاً فى زمننا، لوجدتها فى قليل من الناس أحدهم أبوتريكة ،،،،
ويبقى بره بوالديه وايثاره على نفسه للخاص والعام ، مواثيق شرف سامقة شاهدة على رباطة جأشه وعلو شأنه ….
أخى فى الله محمد محمد محمد أبوتريكة، أدام الله نعماءك وحرس حوباءك …
( كل عام وأنت على المحجة البيضاء )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: