الخميس , مايو 28 2020

الرئيسية / كتاب وشعراء / الغرفة المغلقة للكاتبة أسماء الحويلي

الغرفة المغلقة للكاتبة أسماء الحويلي

لكن ماذا سيفعل بي؟! لنغير اللعبة من الآن والبقاء للأذكى .. انقسمنا إلى ثلاث فرق ، لكل فرقة مشرف و مراقبين ثم سلك كل فريق طريقه وحده والوجهة مجهولة ..
دخلنا منطقة جبلية ، وعند اقترابنا من نهر صغير ، أوقف المشرف السيارة وأمرنا بالنزول قائلا :
— هيا ، سنسير على الأقدام ، احملوا امتعتكم وألحقوا بي!
حملنا حقائبنا على ظهورنا وسرنا خلفه بخطوات سريعة الى أن لاحت
أمام أعيننا غابة ذات أشجار باسقة وكثيفة .. فقال احد المشتركين بصوت منخفض : يبدو اننا سنعبر تلك الغابة ، خذوا حذركم جميعًا !
قالها بلغة ممزوجة بين العربية والفرنسية حتى ظننت أنه من الجزائر أو المغرب ، لا أنكر أنني شعرت بالاطمئنان قليلًا لوجوده ، مع أني لا أعرف خلفيته الشخصية ، قد يكون على شاكلة صديقتي في التفكير ، لكن كل ما علي هو توخي الحذر .. أردت أن أسأله هل أنت عربي و لكن خشيت أن ينتبه لي المشرف فاكملت طريقي في صمت و كنت أنظر اليه خفية محاولة معرفة جنسيته..
بعد فترة ، لاحظ ذلك ، فرد علي بنظرة ثاقبة توحي أنه مجرم فقررت أن لا ألتفت إليه مرة أخرى .
تعبت من السير ، قدمي تؤلمني لطول المسافة التي قطعناها في جو بارد للغاية .. وقفت للحظات ألتقط انفاسي ، فسبقوني بعدة أمتار ، نظر المشرف الى الخلف وصاح : تقدمي هيا !
ركضت وانضممت إليهم من جديد ،
نظرت الي صديقتي وقالت : تحملي قليلاً..
فقلت لها وانفاسي لاهثة : لم أعد استطيع السير أكثر عليه أن يعطيني قسطا بسيطا من الراحة ..
— اعطني حقيبتك سأحملها عنك
— سيكون الحمل ثقيلا عليك ، لا تستطيعين السير.
— لا عليك ، سأحملها لبعض الوقت إلى أن ترتاحي .
.. حملت الحقيبة عني ، واكملنا السير إلى أن تسللنا الى داخل الغابة التي كانت مغمورة بالحشائش، و الطيور تحوم من فوقنا بصوتها المزعج ، قطرات الندى على أوراق الأشجار العريضة ، المكان مرعب جدا ! شعرت بأن شيئا ما سيحدث، قد يفترسنا حيوان أو.. وفجأة قفز أمامنا شخص غريب الشكل ، قبيح المنظر ، ملابسه رثة متسخة وشعره طويل وأشعث تماما كلحيته ، بنيته قوية كأنه من المحاربين القدامى ، بيده عصا غليظة ..
الكل منا أخذ يستعد لأي هجوم حتى فاجأنا المشرف برفع يده ، اشارة منه على الوقوف هنا..
توقفنا جميعًا و تقدم هو باتجاه الرجل الغريب ، تحدث اليه دقائق كانت لنا ساعات ، ثم أشار من جديد أن تقدموا دون أن ينطق بكلمة ..
تسللنا أكثر داخل الغابة ، فاذا بالمشرف يبتعد عنا بالتدريج ..
حدثت نفسي ، ماهذا ، أهذه هي اللعبة ! أنحتاج الى كل هذا الترويع ؟!
وأنا غارقة في التفكير والتساؤل ، حتى سمعنا صوت صراخ من الخلف ؛ انها صديقتي وقعت في حفرة وهي تتشبس بالحافة كي لا تهوي بداخلها ، لم يكن يظهر الا رأسها ..بجهد كبير ، كانت تحاول تخليص نفسها ، ركضت اليها لمساعدتها فصاح في الرجل قائلا : عودي إلى هنا لا أحد يقترب منها عليها تخليص نفسها بنفسها أو تموت ، الان بدأت اللعبة !
امتثلت لأمره وأنا مرعوبة جدا ، قد أعلق في مكان وأترك لوحدي ! أسقطت صديقتي الحقائب من على ظهرها في البئر من كثرة تخبطها وهي تحاول النجاة ..
كان قاع البئر مظلما ومخيفا ، لا شيء تتمسك به الا أوراق الشجر المتناثرة من حول البئر ، وهي على تلك الحالة سمعت صوتا غليظا مخيفا من الأعماق ، صوتا لامرأة جهورية كأنها ساحرة شمطاء تقول لها : هيا ، أسقطي نفسك تعالي إلى أرض الخلود ! أرض البقاء ! لا موت فيها ! ثم أعقبت الكلام بقهقهة عالية طويلة ..!
لحسن حظ صديقتي ، كان هناك جذع شجرة بجانب البئر فقفزت اليه من الخوف لم تعرف كيف وصلت اليه وي وبالفعل نجحت في تخليص نفسها الا أنها أصيبت في ركبتيها بجروح سال الدم منها على ساقيها .. ركضت أمتارا عدة بعيدا عن البئر ، واستلقت على الأرض تلتقط أنفاسها وهي تبكي لا تصدق أنها نجت !
مزقت كنزتها وأخذت قطعة قماش ربطت بها الجرح .. اتسخت ملابسها وتقطعت كأن الكلاب نهشتها ، تشعث شعرها و امتلأ وجهها بالخدوش والتراب ..
تابعنا السير خلف الرجل وانا ابكي لاعتقادي انها سقطت ، لكن بعد قليل سمعت صوتها وهي تنادي :هااا يااااا رفاق أين أنتم لقد نجوت ! انتظروني !
أوقفنا الرجل وهو يضحك ويلعب بلحيته بيده اليمنى ، أوقف ضحكته في النصف ليبدو أكثر جدية و غضب ، وخبط الأرض بعصا وقال :لقد نجحت يا لها من نذلة صغيرة ! يبدو انها ستتعبنا معها!
انتظرنا وصولها وانضمت إلينا وهذا أسعدني رغم أننا فقدنا أمتعتنا لكن الأهم انها بخير .
سلك الرجل بنا طريقا آخر وقال : الان وجب عليكم أن تسيروا بمفردكم إلى غاية ذلك الجبل وهناك ستجدون كوخا صغيرا ، تتخذونه مسكنكم الجديد ، اما انا فمهمتي انتهت هنا !
صحت فيه قائلة : لا يمكن أن تذهب وتتركنا هنا ، نحن لا نعرف الطريق والليل أوشك أن يرخي سدوله !
نظر إلي ثم أعطاني ظهره وذهب دون أن ينطق بكلمة كأنه يقول لي لا يعنيني ما تقولين.
نظرت إليهم وقلت لهم :إلى الآن لم اسمع صوتكم ما خطبكم يا شباب تحدثوا ثم ذهبت إلى الشاب الذي سمعته في أول الطريق يتحدث وأشرت اليه وأنا أقول :أنت تكلم قل اي شي لقد سمعتك أظن انك عربي تكلم ماذا نفعل أخبرني من انت.
اقتربت صديقتي مني تحاول تهدئتي وهي تقول :هناك شرط للعبة وعلينا اتباعها لا يمكنه أن يتحدث الا مع صديقه فقط لذلك اصمتي ودعينا نفكر كيف يمكننا الخروج من هنا واي اتجاه علينا أن نسلك لنصل الكوخ.
لم أرد عليها وبقيت صامتة حتى ألفت انتباهي صوت خشخشة بين الحشائش المحيطة ، تلقائيا ركضنا هاربين خشية أن يكون حيوانا مؤذيا أو أفعى سامة !
يا للهول ! ما هذا الشيء الغريب ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: