الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أحمد بهجت

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أحمد بهجت

يوافق اليوم الذكرى السنوية الثامنة لرحيل ” صاحب صندوق الدنيا ” الكاتب الصحفى الكبير و الفيلسوف الساخر الجميل ” أحمد شفيق بهجت ” الشهير بأحمد بهجت و هو العبقرى الرائع الذى ظلمته الدنيا فظل يعمل فى صندوقها طيلة حياته و لم تهتم الدولة بتكريمه و تكريم صندوقه كما يجب للدرجة التى تجعل القارئ يشعر بحالة من الحيرة و التخبُط ! فهو لم يكن كاتب عادى أو صحفى روتينى حتى تتجاهله الدولة كل هذا التجاهُل ! لأنه الكاتب الذى جعل من مقال عموده اليومى بجريدة الأهرام ” صندوق الدنيا ” بسمة لكل قارئ فكان يعشق تبسيط كل الأمور و شرحها بطريقة ترغم القارئ على أن يبتسم و يُقدم على الحياة وسط حالة من الفرحة و السعادة و لكن يبدو أنه لاكرامة مُطلقاً لنبىٍ فى وطنه ! فبعد أن أفنى بهجت حياته فى محراب تلك المهنة التى نعشقها و نمنحها أعمارنا كحبيبة نذوب فيها و نشقى من أجلها فنسيته بمجرد أن غاب و كيف لا تنساه و قد نست عُظماء منحوها إبداعاً و روائع أضعافًا مُضاعفة فولت ظهرها عنهم و تجاهلت روائعهم بعد رحيلهم و ليس أدل على هذا الغدر من أننا حين نذكر اسم أحمد بهجت لا يعرفه كثيرون من شباب هذا الجيل و قد يعتقد البعض أننا نقصد رجل الأعمال اللص الهارب أحمد بهجت صاحب مجموعة دريم ! .. ولد بهجت فى 15 / 11 / 1932م فى حى المغربلين بمُحافظة القاهرة من أسرة مُتوسطة الحال و حصل على ليسانس حقوق من جامعة القاهرة وعمل فى بداية حياته صحفياً بجريدة أخبار اليوم و كان ذلك فى عام 1955م ثم مجلة صباح الخير فى عام 1957م و ثم جريدة الأهرام فى عام 1958م ثم رئيساً لمجلس الإدارة و رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة و التليفزيون عام 1976م ثم نائباً لرئيس التحرير للشئون الفنية بجريدة الأهرام منذ عام 1982م و عضو نقابة الصحفيين و له أكثر من عشرين مؤلفاً دينياً و أدبياً منها ” أنبياء الله ” و ” بحار الحب عند الصوفية ” و ” مذكرات صائم ” و ” مذكرات زوج ” و ” أحسن القصص ” و ” الطريق إلى الله ” و ” قميص يوسف ” وغيرها بالإضافه لبرنامجه الإذاعى اليومى الشهير ” كلمتين و بس ” الذى كان يُقدمه الفنان الكبير و القدير فؤاد المُهندس .. كان بهجت صوفى الهوى كتب الرواية و القصص القصيرة و أدب الطفل و وصلت مؤلفاته إلى 40 كتاباً كما تعد رواية ” قصص الحيوان فى القرآن” من أهم أعماله و التى تم تحويلها كمُسلسل تليفزيونى بالرسوم المُتحركة بأصوات الفنانين المصريين فى شهر رمضان مُنذُ عدة سنوات و كان يملُك بطبيعته عين ساخر و قلب عاشق و عقل فيلسوف و قلم مؤرخ و ذكاء فنان و فطنة عالم و دأب طالب علم ! و لذلك تميزت أعماله بأنها ذات شخصية واحدة و إن تنوعت و مؤلفاته بمثابة كتلة واحدة نزلت لتسد فراغا فى المكتبة العربية و رغم ذلك لم يَدَعْ فى يومٍ ما علماً أو عبقرية لشدة تواضعه و قد كان لبهجت مقولة شهيرة دائما يُرددها و هى ” أجمل شيئ فى الدنيا هو الفُرجة ! ” حيث أكد أن مُتعة الفرجة على كل شيئ هى أحلى المُتع له كإنسان مُواكباً للعصر و مُشاهداً له لا شاهداً و مُتفرجاً عليه و لا مُنغمسٍ فيه و لكن المُدهش أن صاحب الموهبة الكبرى فى كتابة سيرة الأنبياء هو نفسه كاتب السيناريو لفيلم ” أيام السادات ” و برغم النجاح الساحق للفيلم لم يفكر فى تكرار التجربة و لم يكتب طوال حياته سوى هذا الفيلم و قد علل بهجت ذلك فى إحدى اللقاءات التليفزيونية بأن كتابته لسيناريوهات الأفلام بالنسبة له كانت هواية و لا يريد أن يتكسب منها فيعتاد عليها فتصبح غواية ! وهو نفس ما فعله قبل قُرابة نصف قرن من كتابته لبرنامج « كلمتين و بس » و أيضا لم يكرر التجربة ! .. كانت جملة بهجت الشهيرة ” الألم طريق إلى الله و نافذة رحمته ” فى كتاب بين ” طفل ساذج و قط مثقف “و الذى يُحدثنا فيه عن تجربة طفل ساذج فى العاشرة من عُمره مع قط مُثقف حيث نتعلم من حوارهما الرحمة و الحُب و الإيمان و أيضاً أسرار القطط و فوق كل هذا أنت مع هذا الكتاب تصبح أقرب إلى الله نظراً للغة المُحبة ذات الطابع الإيمانى التى قدمه بهجت فيه أما فى كتاب ” مُذكرات صائم ” فتوجه بهجت فيه إلى الاتجاه الدينى فنجده ينتقد المظاهر الزائفة البعيدة عن روح الإسلام الحقيقى و التى يُمارسها الصائمون و يتحدث عن رؤية الهلال و مدفع السحور و مدفع الإفطار و كيف يفهم الناس معنى رمضان كريم ثم يتطرق لصناعة الكحك و تاريخه و الجُمعة اليتيمة و ينتقد تكاسُل الناس عن العمل بحجة الصيام و ترديد رمضان كريم و يتساءل هل تحولت الدولة إلى مُجمع للزاهدين و الصائمين الذين ألهتهم الآخرة عن الدنيا بكل ما تضمنه الدنيا من شوارع و أتربة و مَطبات و مسئوليات ؟ و يُعلق : ما أغرب أصنافاً ممن ينتمون إلى الإسلام بالاسم فقط دون الجوهر ! .. و رغم أن بهجت لم يكن كاتباً سياسياً إلا أنه استطاع أن يلمس حقائق السياسة و أن يفهم نفسية الديكتاتور و يعرف من خلال فهمه لآيات القرآن مفاتيح شخصية الفرعون و كيف يتحكم فى شعبه و هو ما حققه فى كتابه الرائع “فرعون و الطغيان السياسى” و ما يفعله استبداد الطغاة فى الشعوب .. وصفه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بأنه أهم كاتب صحفى شاب فى مصر و رأى فيه محمد حسنين هيكل صحفياً من طراز فريد و حرص على حضور تكريم مجلة الشباب الذى أقامته بمناسبة بلوغ أحمد بهجت سن الستين و قال هيكل عند باب الأهرام ” لم أكن لأدخله فى هذا التوقيت إلا من أجل أحمد بهجت ” و حضر هذه الاحتفالية نجيب محفوظ و د.مصطفى محمود و عدداً كبير من الأدباء والمفكرين و ظل بهجت يُبدعنا و يُبدعنا حتى جاء يوم الأحد الموافق 11 / 12 / 2011م و صعدت روحه إلى بارئها عن عمر ناهز الـ 80 عاماً بعد حياة حافلة بالإبداعات و المؤلفات الجميلة الثرية الخالدة .. تزوج بهجت من الناقدة المسرحية سناء فتح الله و له منها ولدان ” محمد ” شاعر و سيناريست و ” خالد ” مُخرج سينمائى .. رحم اللهُ أحمد بهجت و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: