الرئيسية / كتاب وشعراء / حكيم المعبد للكاتب أحمد سعد

حكيم المعبد للكاتب أحمد سعد

المستقبل هو ماضِ سيحدث في زمن قادم، دائرة بها عدد لا متناهي من الخطوط، ينطلقوا من نفس النقطة متعانقين ثم يستحيل لقاؤهم مرة أخري، أو كفنار بحر إشتاقت قمته للمياة وقاعدته للهواء، أفكار عبثية تنتهي بنا إلي اللاشيء، نعم حتي يأخذ التفكير منحنى آخر، كيف للاشيء أن يكون موجوداً حتي نفكر به؟ ومن أين جاء؟ تلك الجمل العبثية والأفكار المبعثرة تشبه كثيراً ضوضاء وضحيج يقطنان عقول شباب وضعوا للتو أولي خطواتهم في مرحلة الشباب، ينطلقون من نفس النقطة في مركز الدائرة حتي يُكتب عليهم الفراق.

بدأت الشمس تفرض أشعتها الصيفية بقوة على سماء مصر، التى لم تهدء حركة شوارعها فى تلك الليلة، حتي بمكنك أن تسمع أصوات دقات القلوب وتري الأيدي المرفوعة بالدعوات، مواقع الإنترنت مزدحمة، الهواتف لم ينقطع رنينها، الأصوات خفيضة، والرعب يملؤ القلوب، لم تنطفئ مصابيح البيوت من الليلة الماضية، الكل مترقب؛ أمام التلفاز، أوالمواقع ” يا ألهي يقولون أن الموقع قد أغلق”، ” أبي أرجوك لا تقلق أنت مريض”، “أعلم أنني لن أكون سبباً في فرحتهم”، ” ياتري هل سأحصل علي المركز الأول كما أتوقع؟” “بني أرجو من الله أن لا تكن أقل حظاً من أبناء أعمامك”.
عبارات تتردد، وشباب في عز قوتهم بأيدي مرتعشه وقلوب خائفة وبصر زائغ كجين إخترق خلاياهم فحول جيل بأكمله لعجائز في أشد شبابهم، نعم هو الخبر الذي سيحدد مصير كثير من طلاب مصر اليوم، (يوم ظهور نتيجة الثانوية العامة).

أمام قسم مدينة نصر تقف سيدة تبدو في نهاية العقد الرابع من عمرها، جسدها هزيل، تحك إحدى يديها بالأخري، نظارة سوداء تغطي عيونها، بجانبها رجل فى أواخر العقد الخامس من عمره، جسدة ممتلئ، أبيض البشرة، أصلع الرأس، يرتدى بدلة تعكس حالته الأجتماعية الجيدة، ربت علي كتفها بيده اليمنى بينما نظر في ساعة يده.
اقترب منهم رجل آخر، أسمر البشرة، قصير القامة، محني الظهر، ملابسه بسيطة كملامحه التي سُقيت بأشعة الشمس حتي تشبعت، وقف أمامهم مباشرة، رفع يده في مساواة رأسه:
السلام عليكم، بعتذر عن التأخير.
ردت السيدة بنبرة متهالكة:
ولا يهمك يا أبو ياسين، مفيش أخبار جديدة؟
لأ والله يا ست هانم.
مد الرجل الواقف بجانبها يده مشيراً بإتجاه القسم وهو يقول:
طيب يلا ندخل مفيش وقت نضيعه أكتر من كده.
تحركوا متجهين إلي الداخل، وكأن المشهد يأبى ألا يتجاوز عن إظهار تلك الهموم أحنت ظهور ثلاثتهم رغم اختلاف حالتهم الإجتماعيه، سندت السيدة على يد الرجل ذو البدلة، أما أبو ياسين مشى خلفهم، دلفوا عبر الممر الداخلي إلي آخره، حتي وصلوا أمام معلق على بابها يافطة (مكتب المأمور).
قال الرجل وهو يفك رابطة عنقه قليلا موجهاً كلامه إلي أمين الشرطة الذي يقف أمام الباب:
من فضلك بلغ المأمور إن سيد الرفاعي المحامي عاوزك في أمر ضروري.
إستأذنهم الأمين، دلف للحظات خرج إليهم وهو يشير بيديه:
إتفضلوا.
نهض المأمور من مكانه قائلآ بترحيب شديد، تظهرها بسمة تعلو شفتيه:
أهلا بيك يا أستاذ سيد نورت المكتب.
أشار لهم بالجلوس، بدأ الأستاذ سيد حديثة بصوت خفيض:
أنا سيد الرفاعي المحامي ودي زوجتي، والحاج علي ابنه صديق عمرو ابني.
غني عن التعريف يا استاذ سيد أهلا بيكم، تحت أمركم.
كنت عاوز أقدم بلاغ عن إختفاء ابني عمرو وياسين ابن الحاج علي من أربع أيام.
عقد المأمور حاجبيه ثم اعتدل في جلسته بعدما تحولت قسمات وجهه إلى حزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله، وعمرهم كام سنه؟
نطق الحاج علي بصوت باكي
17 سنه يا بيه لسه مخلصين ثانوية عامة.
صمت قليلآ نكس رأسه وأكمل:
يابيه الكدب خيبة ابني عشان مجموعة مش كويس إتخانقنا سوا وطردته من البيت..
رفع يده ليقطع طريق دمعة كانت في طريقها للهبوط ثم واصل حديثه:
طردته من البيت، كنت متعود إنه بيروح عند صاحبه كريم، مر يوم والتاني والتالت بس مرجعش زي ما هو متعود، اتصلت بيه كتير وبكريم لكن تليفوناتهم مقفولة، روحت لكريم الشقة ملقيتش حد.
أدار المأمور رأسه بإتجاة الأستاذ سيد متسائلاً:
وحضرتك يا أستاذ سيد؟
صمت قليلآ وهو ينظر في عين زوجته التي فشلت أن تخبئ دموعها خلف نظارتها السوداء وقال:
أنا عاتبته بس، أي أب مكاني هيعمل كده.
نطقت السيدة بعصبية:
لأ معاتبتوش بس، إنت دايماً بتقارن بينه وبين قرايبه اللي في سنه، دايماً بتقوله إنهم أحسن منه، إنت صحيح موفر له كل حاجه بس بكسرة نفس، إنت أكتر حد عارف عمرو وأكتر حد متأكد إن شخصيته مش كده، ما بيقبلش يتكسر، ولا يتقارن بحد.
قاطعها المأمور متسائلآ:
ومين كريم؟
***
قبل أربعة أيام ـ مصر الجديدة القاهرة
في بيت مكون من ثلاث طوابق يبدو عليه الثراء مقارنة بالبيوت المجاورة واجهته من الحجر الهاشمى يتوسطه حزام من الزجاج العاكس أزرق اللون، تشير الساعة إلى الحادية عشر ظهراٌ، تردد فى أرجاء البيت صوت رنين الهاتف الأرضي، رفعت والدة عمرو السماعة إلى أذنها بينما القلق يرتسم على ملامحها:
السلام عليكم.
عليكم السلام، إزيك ياطنط أنا ياسين.
طمني يا ابني، مفيش أخبار عن النتيجة؟
لا لسه للأسف، هو عمرو فين؟
نايم ثواني أدخله التليفون؟
دلفت إلى الغرفة، مرت ببصرها سريعًا على تلك الملابس المبعثرة هنا وهناك، رغم اعتيادها على هذا المشهد، وتكرار وعود عمرو لها بأن يتخلى عن تلك الفوضى التى تملأ حياته، ولكن لاشيء يتغير، تنهدت بحنق وهى تسير ببطء ناحيته:
عمرو، قوم ياسين علي التليفون.
فتح عينيه ببطء واضعاً يديه على وجهه ليحجب أشعة الشمس المتسللة من شباك الغرفة، نظر يميناً ويساراٌ وكأنه فقد الذاكرة لعدة ثوانى ثم قال بنبرة ناعسة:
أيوة ياماما فيه أيه؟
كلم ياسين عاوزك، خلص تليفونك، وقوم رتب أوضتك.
حاضر يا ماما، هو ده وقته؟!
أمسك عمرو بسماعة الهاتف ثم إنتظر قليلآ حتي أغلقت والدته باب الغرفة:
أيوه يا ابني، متصل بدري ليه كده؟! فيه إيه؟
النتيجة ظهرت يا عمرو.
إنتفض من مكانه ليقف وأنفاسه تتسارع:
إيه ظهرت إمتى

#حكيم_المعبد
#أحمد_سعد
#الحلقة_الأولى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: