الإثنين , ديسمبر 9 2019
الرئيسية / أخبار العرب / السنة النبوية حثت علي التجديد في الفكر: أمين عام جامعة الدول العربية: ثلاث نقاط تُشكل “مثلث الفكر العربي الجديد”

السنة النبوية حثت علي التجديد في الفكر: أمين عام جامعة الدول العربية: ثلاث نقاط تُشكل “مثلث الفكر العربي الجديد”

 

كتبت-هالة ياقوت

أكد الامين العاد لجامعة الدول العربية السفير أحمد ابو الغيط ،أن أزمتنا الحضارية الشاملة هي في جانب كبير منها أزمة فكر.. هكذا أدرك رواد النهضة العربية الأوائل منذ منتصف القرن التاسع عشر .. فالفكر والعمل صنوان متلازمان كالرعد والبرق .. والانبعاث الحضاري الشامل هو بالضرورة حصيلة لنهضة فكرية شاملة .. والمتأمل للنهضة الأوروبية منذ خمسة قرون يُدرك أن الشيء الجوهري الذي تغير عند بدء الطريق إلى الحداثة هو طريقة التفكير، وأسلوب النظر إلى الأشياء والعالم .. أي ما نسميه بالثقافة .. فالثقافة والفكر سابقتان على التكنولوجيا والعلم.. بل هما الرحم الذي تتخلق فيه النهضة العملية والتكنولوجية .. والطريق الذي يقود إليها.

جاءت الكلمة في مؤتمر”فكر17″ “نحو فكرٍ عربي جديد”،والدي عقد مركز الملك عبد العزيز الثقافي-الظهران- المملكة العربية السعودية، بحضور سمو الأمير/ خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي، البروفسير/ هنري العويط مدير عام مؤسسة الفكر العربي وأشار إلي النقاط الثلاث التي تُشكل “مثلث الفكر العربي الجديد”

اولاً: أن يكون الفكر العربي علمياً فهو المطلب الأول الذي ما زلنا نتعثر ونكابد دون أن نصل إليه بصورة كاملة أو مرضية  .. وهو مطلب لا تتم نهضة فكرية من دونه.. فالتفكير العلمي لا يخص -كما هو شائع- العلماء وحدهم.. وإنما هو طريقة في التفكير تُخاصم الخرافة .. وتربط بين المقدمات والنتائج .. وتتخلص من أسر التفكير الرغبوي أو الـ wishful thinking .. وتفصل بين الرأي وبين شخص القائل به .. وهذه كلها من سمات التفكير العلمي الذي لا يعني – بأي حال- حشداً للمعلومات العلمية .. وإنما ينصرف إلى المنهج القائم على العقل والبرهان والإيمان بالعلم وبمعطياته وبإمكانياته المذهلة في تسخير الطبيعة وتحسين الحياة وتنظيم المجتمعات .. لقد واجه هذا النوع من التفكير عقبات عبر التاريخ، ولكنه ما لبث أن توغل وأثبت الجدارة بواقع إنجازاته التكنولوجية الجبارة وقدرته على تغيير العالم إلى الأفضل.. والحاصل أننا في العالم العربي مازلنا نفصل بين المنجز التكنولوجي والعلمي وبين منهج التفكير الذي يقف وراءه .. ومازال التفكير العلمي في بلادنا يُعاني أشد المعاناة في مواجهة ضروب مختلفة من التفكير الخرافي والتآمري الذي يفاقم من واقع أزمتنا.

وأن هذا العصر الرقمي . وجدناه يُسهم في ترسيخ أنماط التفكير الخرافي المعادي للعلم .. أو التفكير المتطرف بكافة أشكاله .. ذلك أن الانترنت هو مجرد وسيط .. وكما يستخدمه المتنورون والباحثون عن المعرفة، فقد وجد فيه أنصار التطرف والجهل ضالتهم للتواصل ونشر أفكارهم عبر الكوكب .. وقد لاحظنا جميعاً أن الأفكار الأشد تطرفاً وجهلاً تجد طريقها للانتشار بصورة أسرع، لأن الناس تبحث عن الأفكار التي تتماهى معها وتؤكد ما لديها من انحيازات ورؤى أولية، وترفض بصورة غير واعية كل ما يتعارض مع تصوراتها .. وهي ظاهرة نلمسها في العالم المتقدم والنامي على حد سواء.. وقد أنتجت حالة أطلق عليها البعض “عالم ما بعد الحقيقة”  Post-Truth World .. حيث يصعب جداً تمييز المعلومة الصادقة بين ركام من الأكاذيب، أو وقف انتشار معلومة زائفة أو مضللة .. ولا شك أن هذا التطور الجديد يلقي بظلاله على مجتمعاتنا العربية ويُزيد من  حالة التشويش  والإرباك،  ومخاصمة التفكير العلمي بصورة نلمس انعكاساتها المباشرة على واقعنا السياسي والاجتماعي.. وظني أن هذا الموضوع يحتاج من المفكرين والمثقفين العرب إلى انتباه واهتمام كبيرين لأنه يُمثل ظاهرة بالغة التأثير والتغلغل، خاصة في أوساط الشباب.

ثانياً:وأما أن يكون الفكر العربي معاصراً فيعني أن ينصرف إلى قضايا العصر ولا يبقى أسيراً  لأسئلة الماضي، مشدوداً إليها بسلاسل غليظة تحول بينه وبين الإنطلاق إلى المستقبل.. والمثقف بالتعريف هو من ينغمس في أسئلة عصره، ويسلط عليها فكره وجهده العقلي باحثاً عن الإجابات .. وعصرنا الحالي يموج بأسئلة كبرى لا يُمكن أن ينفصل الفكر العربي عنها، وإلا تخلف وصار فكراً متحفياً مقطوع الصلة بالواقع.. والأسئلة الكبرى في هذا العصر تتعلق  عموماً بمستقبل الحضارة البشرية.. وفي الأساس بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وعلاقته مع الطبيعة: أي دور تقوم به تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟ وما انعكاسها على تركيبة المجتمعات البشرية وعلى ظواهر مهمة مثل سوق العمل والصراع العسكري؟ وإلى أي مدى سيسمح البشر لهذه التكنولوجيا برسم اختياراتهم في المستقبل عبر ما يُسمى بالخوارزميات التي أصبحت ملمحاً رئيسياً في حياتنا المعاصرة؟ .. ثمة سؤال آخر بخصوص التغيير المناخي ومستقبل الحياة على ظهر الكوكب خلال ما يُسمى بعصر الأنثروبوسين Anthropocene أي الحقبة التي صار وجود الإنسان وأنشطته المؤثر الرئيسي على طبيعة المناخ في الكوكب.

وهناك اليوم جدلاً مشتعلاً ينصب على ظاهرة العولمة وصورة العالم الذي خلقته .. فمع التسليم بما أفضت إليه العولمة من رفاهية وما أدت إليه من خروج مئات الملايين من ربقة الفقر.. إلا أنها -وكما نرى- خلقت أيضاً صراعات حادة داخل المجتمعات .. بين النخب والطبقات الأخرى.. ونلمس في ما يجري اليوم حالة من التململ الجماهيري واسع النطاق حيال المعادلة التي بشرت بها العولمة، بل وتآكلاً للثقة في المؤسسات التي خلقتها.. فأي مستقبل لهذه الظاهرة؟ بل أي مستقبل للأفكار السياسية والاقتصادية التي سادت طوال القرن العشرين من ليبرالية إلى رأسمالية إلى غيرها؟ وهل نشهد عصراً جديداً يخيم فيه شبح الشعبوية المخيف على المجتمعات؟ .. وما مكان الفلسفة والفكر في “عالم ما بعد الحقيقة”  كما تحدثت سالفاً؟.. هذه كلها أسئلة ومعضلات تشغل البشر عبر العالم.. ولا ينبغي أن يكون الفكر العربي بعيداً عنها أو مخاصماً لها.

ثالثاً وأخيراً:فلابد أن يكون الفكر الجديد عربياً بحق .. وأعنى بذلك أن ينطلق الفكر الجديد من واقعنا العربي .. وأن يدور في مداره .. وأن يقف على أرضه .. فلا يكون فكراً مستلباً أو مستورداً .. ومن أسف أن الكثير من المثقفين العرب -وأقولها بصراحة- لا يهتمون الاهتمام الكافي بالاقتراب من واقع المجتمعات العربية .. فهم يُسارعون إلى إسقاط أفكارهم وتصوراتهم على هذا الواقع دون أن يهتموا الاهتمام الكافي برؤيته على ما هو عليه .. وظني أن الخطوة الأولى نحو فكر جديد هي التحلي بهذه النظرة الواقعية التي لا تعني بأي حال التخلي عن الخيال أو الاستسلام لما هو قائم … ولكن المقصود هو أن يعبر فكرنا عن قضايانا نحن .. وهمومنا نحن .. لا عن تصورات منقولة نقلاً، ومنسوخة نسخاً، من بيئات غريبة عنا لها سياقات حضارية مغايرة.

ويكون الفكر عربياً كذلك إن هو انطلق من تراثنا دون أن يبقى أسيراً له .. وهذه معضلة كبرى أرقت مفكرينا ولا زالت إلى اليوم.. أي المعاني والقيم نأخذها من تراثنا، وأي الأفكار ندعها؟ وما المعيار؟ .. والحال أن تراثنا غابة شاسعة مترامية .. كثيفة الأشجار متشابكة الأغصان .. فيها طيب الثمر جنباً إلى جنب مع العلقم والشوك.. وظني أنه ليس للمثقف العربي أن يقف من تراثه موقف الرفض الكامل .. وإنما عليه بالتأكيد أن يتناوله بمنظور نقدي .. وأن ينظر إليه من زاوية عصرنا وقضاياه .. وأن يستعير من التراث المواقف والقيم والمناهج، وليس المعارف بحرفيتها أو الأفكار بذاتها..

وفي ختام كلمته قال ان التجديد هو ركن مهم في تراثنا الفكري الزاخر .. وقد قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): “إن الله يبعث  لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدد لها دينها” .. فأين نحن من هذا المنهج الذي يعتبر التجديد في الفكر سنة واجبة .. وضرورة لازمة؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: