الثلاثاء , يناير 28 2020
الرئيسية / كتاب وشعراء / مسمار نعل ترجمة إسلام صابر

مسمار نعل ترجمة إسلام صابر

مسمار نعل

Hobnail

قصة أجنبية قصيرة من تأليف الكاتبة الأمريكية: “كريستال أربوغاست”، وترجمة إسلام صابر ، يا رب تنال إعجابكم.

* ملاحظة:

القصة يطغى عليها جانب إنساني وأسري، برغم أن الاتجاه المقصود فيها هو الرعب.

===============================================

توضيح مبدئي:

الـ Hobnail

أو مسمار النعل، هو مسمار سميك الرأس يوضع في نعال الأحذية لدعمها وزيادة متانتها.

===============================================

(مسمار نعل)

جلستْ (فاني بوتيت) متشابكة الساقين في شرفة خالها (جون)، وقد قبضتْ على دميتها القماشية المفضَّلة تحت ذراعها.

تألَّق ضوء شمس نهاية الغروب من بين أوراق شجرة السنديان الضخمة، مُلقيًا بضوئه المتذبذب على الكوخ. وفَتَنَتْ هذه الحركة اللامعة للضوء الفتاة، فجلستْ وقد رفعتْ وجهها لأعلى، كما لو أنها مُنوَّمة مغناطيسيًا. وتلك الهمهمة المستمرة تتدفق قادمة من داخل الكوخ..

– (إيلين)، أنا سعيدة بالتأكيد أنكِ جئتِ إلى الكنيسة معنا اليوم. لِمَ لا تبيتين الليلة؟ الوقت يتأخر كثيرًا وسيحل الظلام قبل أن تصلي إلى البيت.

– “سأكون على ما يرام يا (سالي).” هكذا أجابت والدة (فاني).. “على أية حال، أنتِ تعرفين كيف يكون (لاي) فيما يخص عشاءه. لقد تركتُ له الكثير هو والأولاد فوق الموقد، لكنه سيريدني أنا و(فاني) بالبيت. هذا إلى جانب أنه سيريد أن يسمع ما إذا استطاعت زوجة (سام بوسوورث) اصطحابه إلى الكنيسة.”

الضحك الذي تلا جملة والدتها قطع تأملات الفتاة، فنهضتْ واقفة وجذبتْ فستانها فوق تنورتها التحتية، وخَطَتْ إلى داخل.

– أحضري شالكِ يا (فاني)؛ عندما تغرب الشمس، سيصير الجو باردًا.

وعلى حين ذهبتْ الفتاة الصغيرة إلى المقعد المجاور للمدفأة لتستعيد دثارها، دخل خالها من مؤخرة المنزل حاملًا فانوسًا..

– ستحتاجين هذا يا (إيلين). الفتيل جديد، وقد ملأتُه لكِ.

قالت (إيلين):

– أُقدِّر هذا يا (جوني)، سأجعل (لاي) يعيده حين يذهب إلى المدينة الأسبوع المُقبِل.

قبَّلتْ (إيلين) أخاها الأصغر لتودِّعه، وعانقت (سالي) برفق، مربِّتة على بطن زوجة أخيها المنتفخة، وقائلة:

– سأعود في نهاية الشهر. لا تحملي أي شيء ثقيل. لو ظلَّ الشعور بالغثيان يضايقك، خمِّري بعضًا من ذلك الشاي بالنعناع الذي تركتُه بالمطبخ. يعلم الرب أنني لم أرَ قط طفلًا يبقي أمه مريضة بقَدْر ما يفعل هذا الطفل.. إنه صبي بالتأكيد.

لدى سماع هذا، اكتأبت (فاني)؛ كانت الأصغر في عائلتها، والفتاة الوحيدة. بعد العيش مع أربعة إخوة، كانت قد دَعَتْ الرب بحرارة في كل ليلة من أجل أن يجعل زوجة خالها تنجب ابنة. عزاؤها الوحيد الآخر كان الدمية القماشية الجميلة التي صنعتْها والدتها لها.

طاوية الدمية تحت ذراعها الأيسر وآخذة الشال بنفس اليد، وقَفَتْ تنتظر بصبر. قبَّلتها زوجة خالها (سالي) بخفة على خدها وقرصتْه برفق، وهمستْ:

– لو أنني سأنجب فتاة، فأتمنى أن تكون جميلة مثلك.

وربَّت خالها (جون) على رأسها وقال:

– إلى اللقاء يا جميلتي. حين تلد تلك القطة العجوز هُريراتها، سأعطيكِ أفضلها.

رسم هذا ابتسامةً على وجه (فاني)، ومحا الأفكار الكئيبة بشأن الصبية.

أحكمتْ (إيلين) شالها الخاص حول كتفيها مُلقية بطرفه لتلفَّه حوله مرارًا، وحاملة الفانوس الذي كان قد أُوقِد بالفعل، آخذة بيد (فاني) اليمنى، لتبدأ كلتاهما رحلة الثلاثة أميال للعودة إلى البيت.

كانت الأمطار الغزيرة أثناء الأسبوع الماضي قد تركتْ الطريق الترابي لا يمكن اجتيازه تقريبًا سيرًا على القدمين لأي شخص. وكانت (إيلين) وابنتها تعودان إلى البيت من الطريق الذي جاءتا منه، باتباع قضبان السكة الحديدية.. تلك القضبان التي كانت ترتفع حوالي ميل ونصف فوق مستوى الطريق، وكانت تلتف مرارًا حول الجبال وعبر الأودية لتحمل الفحم وألواح الخشب، اللذين كانا يُحصدان من الأرض.

وما إن وصلتا إلى القضبان، حتى أكملتا في اتجاه بيتهما، وقد بدأتْ (إيلين) تحكي لـ(فاني) عن القطارات وكل الأماكن البعيدة التي ذهبت إليها. أحبَّتْ الفتاة سماع حكايات والدتها عن كل المدن الكبيرة البعيدة، وهي التي كانت قد ذهبت إلى المدينة مرات قليلة فحسب ولم تسافر قط خارج (وايز كاونتي). وتذكرت كلام أبيها عن أخيه (جاك).

عمها (جاك) كان قد ترك المقاطعة، وولاية (فرجينيا) أيضًا. كان في مكان بعيد يسمى (كوبا)، يقاتل لصالح رجل يُدعَى (روزفيلت). وكانت (فاني) تتساءل أي مكان هي (كوبا) تلك، وما إذا كانت تشبه مسقط رأسها في أي شيء.

آخر أشعة للشمس كانت تغرق وراء الجبال المزدانة بالشجر، في حين تعلو الظلال مُنذرة من الغابات الكثيفة على جانبيّ القضبان. أصوات خشخشة جاءت من الدغل، فتسبَّبت في أن تقفز (فاني) مذعورة، لكن صوت والدتها المطمئن هدَّأ من روعها وهي تقول:

– الأمور على ما يرام يا صغيرتي؛ إنها فقط الثعالب وحيوان الأبسوم.

طَفَتْ صيحة كئيبة لبومة ناعقة من الظلام المعادي، فأحكمتْ (فاني) قبضتها على يد والدتها.

في النهاية، غلَّف الليل المشهد، وصار كل ما يمكن رؤيته هو التوهج الدافئ للفانوس وظِل الموجودات خلفه. كانت ليلة غير مُقمِرة، وشَحُب التألُّق الخافت للنجوم القليلة بالسماء وراء السُحُب المتحركة. وتعثَّرت (فاني) في كُتَل الحصى المتناثرة بين العوارض فسَقَطَتْ، وأدْرَكَتْ (إيلين) أن ابنتها قد تَعِبَتْ.

– سنستريح قليلًا يا ابنتي.. أعتقد أنه قد تبقَّى لنا أقل من ميل.

وضعتْ (إيلين) الفانوس أرضًا، وحاولتْ المرتحلتان المتعبتان أن تحظيا بجلسة مريحة على القضبان.

– أمي، المكان مخيف جدًا في الظلام. هل يحرسنا الرب ويحمينا؟

– نعم يا (فاني). تذكَّري ما قاله ذلك الواعظ الجديد الشاب في الكنيسة اليوم. الرب معك دائمًا، وحين تحتاجين إلى مقدرته، ادعي باسمه. ومع ذلك، فالأفضل أن تفعلي كما أفعل.

– وماذا تفعلين يا أمي؟

قالت (إيلين):

– حسنًا، أغني إحدى ترانيمي المفضَّلة.

بينما تفكر في نصيحة والدتها، شتَّت انتباه (فاني) صوت.. كان الصوت قادمًا من الاتجاه الذي جاءتا منه..

وحدَّقت عينا الفتاة إلى ظلام كالحبر.. كان الصوت شديد الخفوت، لكنه لا يشبه الأصوات الأخرى التي كانت قد اعتادتها طوال الطريق. الصوت ذو الإيقاع البطيء كان لشخصٍ يمشي قادمًا في اتجاههما.

– أمي، هل تسمعين هذا؟

– أسمع ماذا يا ابنتي؟

اقتربت (فاني) من والدتها أكثر وقالت:

– ثمة شخص آخر قادم!

منحت (إيلين) ابنتها عناقًا مطمئنًا وأجابت:

– أنتِ فقط تتوهمين أشياءً يا (فاني).. لقد استرحنا بما يكفي. دعينا نصل إلى البيت.. سيشعر والدك بالقلق.

وحملتْ الفانوس، وأخذتْ بيد (فاني)، وأكملتْ الاثنتان رحلتهما.

بعد فترة، الصوت الذي أثار أعصاب الفتاة الصغيرة بدأ مجددًا. هذه المرة كانت الخطوات أكثر وضوحًا، وأقرب بلا ريب. الدويّ المغاير لحذاء ثقيل طويل الرقبة كان يتردد في الظلام.

– أمي، أنا أسمعه مجددًا.

– صهٍ يا فتاة.

وأدارت (إلين) الفانوس فيما حولها:

– أترين، ما من أحد.

أحكمتْ (فاني) قبضتها على يد والدتها، وقبضت على دميتها القماشية بشدة. البومة الناعقة واصلتْ صياحها من بعيد، وخشخش نسيم الليل أوراق الأشجار.

قالت (إيلين):

– الهواء يحمل رائحة المطر بالتأكيد، والرياح تحمل قدرًا قليلًا منها أيضًا. قريبًا نصل إلى البيت يا ابنتي. المنعطف الأخير على مرمى البصر.

وجدتْ (فاني) الاطمئنان في صوت والدتها، لكن في الظلام خلفهما، دقَّت الخطوات بصوت أعلى. كان ذلك صوت لحذاء ثقيل طويل الرقبة بمسمار للنعل.

– أمي، إنه يقترب!

أدارت (إيلين) الفانوس فيما حولهما مجددًا وقالت:

– ابنتي، ليس هناك شيء. سأخبرك أمرًا، دعينا نغني ترنيمة “الرب العزيز”.

انضمت (فاني) إلى والدتها، لكن صوتها كان يرتعش خوفًا مع اقتراب الخطوات الثقيلة أكثر فأكثر. لم تستطع فهم سبب كون والدتها تبدو ساهية عن الصوت!

ارتفع صوت غناء (إيلين)، وأمامهما تألَّق وهج الضوء الدافئ القادم من بيتهما على الجانب وعبر الأشجار. وقطع الغناء صوت نباح كلب بعيد.

– أترين يا ابنتي، لقد وصلنا إلى البيت تقريبًا. سيجري (تينكر) لاستقبالنا.. (تينكر) الكبير العجوز. لقد طارد أسودًا جبلية من قبل. سيتيقَّن من وصولنا البيت سالمتين.

– لنسرع إذًا يا أمي. ألا تسمعين؟ الصوت غدا أقرب وأنا خائفة. لنجرِ!

– حسنًا يا ابنتي، لكن انظري، أنا أخبرك أنه لا شيء هنالك.

وقامت (إيلين) بدورة أخرى بالفانوس، وإذ أكملتا الطريق صاحت:

– من هنا يا (تينكر)، هلم يا فتى!

اندفع الكلب يجري في الممر المؤدي إلى الطريق، وكادت الاثنتان تصطدمان به حين هبطتا إلى الطريق المألوف المؤدي إلى البيت.

– (إيلين)، أهذه أنتِ؟

ملأت السعادة قلب (فاني) عندما تردد صوت أبيها من وسط الظلام.

– نعم يا (لاي). آسفة أننا تأخرنا هكذا. أخشى أنني كنتُ أسير أسرع قليلًا مما تعتاد هذه الفتاة. لقد أُرهِقَتْ.

التقط (إيليا) ابنته وحملها باقي الطريق إلى البيت. وبمجرد أن أصبحوا بداخل الكوخ، ساعدت (إيلين) (فاني) على استبدال ملابسها، وأدخلتْها الفراش لتغطيها برفق.

الضوضاء المطمئنة لصوت والديها القادمة من المطبخ، وحتى الخلفية الصوتية لشخير إخوتها، جعلتاها تبتسم وتمتن لأنها ووالدتها سالمتان معافتان.

وقبل أن تغلق عينيها، دوَّى صوت والدتها في أذنيها:

– (لاي)، لقد سمعتُ الخطوات.. لم أُرِد أن أخيف الفتاة. ظللتُ أغني وأدير الفانوس فيما حولنا وأخبرها أنه ليس هناك ما يدعو للخوف. لكن يا (لاي)، قبل أن نبتعد عن القضبان مباشرةً أدرتُ الفانوس لمرة أخيرة، وعندها رأيتُ ذلك الذي كان يتبعنا.. رأيتُ هيئة لرجل. رجل بلا رأس!

**********

(تمت بحمد الله)

=================================================

بعد إتمام قراءتكم للقصة التي أرجو أن تكون قد أعجبتكم، لا تنسوا أن تضعوا آراءكم وتقييماتكم في التعليقات، بكل حياد.

وإذا رغبتم، فاقرأوا لي تعقيبًا بسيطًا على القصة والأحداث، تجدونه بالتعليقات أيضًا.

تعليق واحد

  1. تعقيبي الخاص، اقرأوه رجاءً بعد القصة لو أحببتم:
    أكثر ما يميز قصة اليوم، كونها قصة لكاتبة محترفة، لم أضطر معها لإجراء تغيير أو تعديل أو إضافة أو حذف.. ربما كانت درجة الرعب الواردة بالقصة متوسطة أو أقل من المتوسطة، لكني رأيتُ فيها عملًا فنيًا جديرًا بالترجمة والنشر.. فالكاتبة اهتمت بوضع جذور وأصل للحكاية، وهو ما أراه امتيازًا، عرَّفتْ به القارئ على الشخصيات والبطلتين، وتركتْ به انطباعًا من الدفء العائلي المحبب.. ثم أنها لم تسهب كثيرًا فيه، فسرعان ما انتقلت إلى الرحلة الشيقة القصيرة للبطلتين، لتقود القارئ تدريجيًا إلى نواة فكرة القصة، ملتزمة بعدم التطويل والتركيز قدر الممكن في قصة قصيرة أصلًا.
    أكثر ما ترك في نفسي أثرًا في القصة، هو تجربة أن تشعر بالخوف وتداريه حرصًا على مَن معك.. “إيلين” الأم شعرت بالخوف حتمًا حين سمعتْ صوت مَن يتبعها هي وابنتها في الطريق المظلم الموحش، ولابد أن خوفها قد استحال رعبًا عندما أدارت الفانوس لمرة أخيرة فرأت هيئة رجل يتبعهما بلا رأس.. لكنها أصرَّت على الاحتفاظ بهدوء ظاهري لئلا تثير رعب ابنتها أكثر، لاسيما أنه لم يكن بيد كلتيهما ما تفعلانه. وكان تصرُّفها ذكيًا، حتى وهي تستدعي الكلب ليأتي مسرعًا إليهما، كأنما ليسعفهما بشيء من الأمان، قبل أن يدخلا إلى بيتهما.
    على أنني دائمًا ما أترك النقطة الأكثر إثارة، المتعلقة بماهية أو كينونة ذلك الشيء الاستثنائي الغريب –وهو ما وصفته “إيلين” هنا برجل بلا رأس- في أي قصة لخيال القارئ.. ربما يروق له أن يتخيله شبحًا، وربما يتخيله جنيًا، أو يحلو له أن يضفي عليه صفة ما ورائية أخرى تثير خياله أكثر.
    في النهاية، أرجو أن يكون اختياري لترجمة القصة موفقًا، وأن تكون التجربة ككل قد نالت إعجابكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: