الرئيسية / رؤى ومقالات / محمد الميالي يكتب … ثلاثية السرد بمشيمة واحدة

محمد الميالي يكتب … ثلاثية السرد بمشيمة واحدة

 

ثلاثية السرد بمشيمة واحدة ـ د. حمد حاجي رائدا.

قيل والحق يقال أن القصة القصيرة جدا جنس عصي، وصهوة جواد جامح، ليس من السهل أن تمسك لجامه أي كف.. فقط من يتقن فن الترويض تصهل له الحروف، وتطاوعه جياد السرد.
وتكلم النقاد عنه كثيرا حتى أثروه وصفا وتمجيدا، كما اختلف البعض في تجنيسه، وتحول الى جدلية عصرنا الحالي،
اليوم سأقف عند محطة أعدها ريادية، أراها كهزة جذع تساقط منه رطبا جنيا، أو أنها نخلة واحدة تحمل ثلاثة أنواع من التمور.
هي ثلاثيات الدكتور حمد حاجي، وحسب ظني أنه رائد هذا اللون ولم يسبقه إليه أحد، وخير من طوع وروض حروف الأبجدية لينحت لنا صرحا سرديا له مذاق خاص، ولون خاص، وعطر خاص، ليمحنه صفة التفرد.
والمفارقة هنا ـ إذا كان النص الواحد ( الققج ) عصيا ـ كيف تمكن حاجي في أن يدرك مشرق السرد، دون أن ينسى الحوت، ليقدم لنا فنا تجتمع فيه عناصر السرد والمسرح معا بلغة سيمائية مبهرة.. ؟
ولكم هذا النموذج الساحر ـ المسرحية المضحكة ـ من لآلئ حاجي:

ثلاث قصص قصيرة جدا
اــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ // مسرحية مضحكة // ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ مسرحية المزاد
اــــــــــــــــــــــــــــــــ

تضاء أنوار خشبة المسرح قليلا، يظهر جناح الانعاش بالمشفى:
أربعة رجال بأزياء عسكرية يتحركون في عجلة..
يدفعون عربات.في اتجاه غرفة العمليّات . عاليها أكوام من أجساد تتخبط ..
أياد مختلفة، غطتها الأردية الخضراءُ..
رؤوس جمة، عليها أغطية وقفازات وكمامات..
حولها، تتدلَّى من القوارير خيوط السيروم..
طق.. طق .. يصفق الباب ..
من عربة فارغة، تمثال يشيح عن وجهه الكمامات، يقفزصائحا:
– أعضاء بشرية للبيع..
فيما يتصايح بالمزاد جمع المتفرجين…
اــــــــــــــــــــــــــــــ

2ـ الاحتفال
اــــــــــــــــــــــــــــــ

اتكأ عليها يعرجُ حتى وصلا.. حيث يتهافت أمام لعب العيد المتهافتون،
تسمَّر الطفل يُرْسِلُ من عينيه نظرة يأس، ويردُّ ابتسام الواقفين بحسرة،
ضحكت أخته ساعَةَ كان نهرُ ابتسامتهما في ثغر لعبة..
– ألا..لَيْتَ نهارَ العيد لا كان..!
وسرعان ما ألبسته ساقه الاصطناعية، شدَّت له جيدا الأربطة الجلدية..
وضعت يدها في يده،
رحلا يشتمّان في طريقهما حزنَ الحرائق..
اــــــــــــــــــــــــــــــ
3- التكافن
اــــــــــــــــــــــــــــــ

أطفالا نتهافت على الأزقة .. نطوف على أبــــــواب حــــارتنا لنهنّئ الجيرَان بالعيد.
الجاربالجنب، رأيناه يُسرع على رمش الرَّصيف، قلبه ينبض ” العيد جاء”،
عيناه تتلقفان صنوف الألعاب والدمى..
لم يدرِ ما لون الفرح ؟
وحين أتت صلاة العيد على احتراق كل بيته..!
كان يجهز أطفاله السِّتة للألبسة الجديدة..
لم يشتر غير أكفان..

نلاحظ هنا ثلاث توائم من رحم واحد حمل عنوان المسرحية المضحكة، وبمشيمة واحدة، يقدمها لنا حاجي ليقول لنا هكذا يولد هذا اللون دون قطع الحبل السري، من رحم واحد، وبفصيلة دم واحدة.

في النص الأول ـ مسرحية المزاد ـ قدم مشهدا مفزعا تحت بقعة ضوء الدم النازف، وأجساد تداخلت أجزاءها، ليدلي بحصيلة أولية عن صراع المجانين.

وفي المشهد الثاني ـ الاحتفال ـ يأخذنا الى عالم الطفولة الموؤدة في كل الأزمنة، وفي زماننا وأد بلون الدم.

أما المشهد الثالث ـ التكافن ـ فيه لوحة تفصح عن مجزرة وابادة عائلة كاملة، وصرخة أب فقد أطفاله الستة، ليقول لنا ـ الحرب فكرة في عقول المجانين.
إذن الثلاثية ( الققجية ) ليست مجرد ثلاثة قصص متفرقة، بل يجب أن تكون هناك حالة توأمة في الثيمة والغاية، فالعلاقة هنا حميمية، لا يمكن التخلي عنها، لتصل الرسالة مركبة المعنى، ثلاثية الهدف، بأسلوب فني غاية في الادهاش.. فعلا إن الحروب مسرحية مضحكة يقودها أشرار العالم، ونار حطبها جهال العالم.
ويحق لنا أن نقول أن كل عنصر من عناصر الققج جاء فيها بصورة ثلاثية الأبعاد.
نعم حمد حاجي باسمك يجب أن يتلى بيان الريادة لهذا اللون الذي تفردت به، ولا أدري كيف يبحر فيه من لم يدرك النص الانفرادي الى الآن.
إذن هذا اللون له فرسانه، وهو عصي حتى على من يتقن القصة القصيرة جدا ( الققج).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: