السبت , أغسطس 8 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / غير مصنف / عبير هلال تكتب … بيت الريح

عبير هلال تكتب … بيت الريح

 

 

تيّارُ الزّمنِ يجري بسرعةٍ تفوقُ الضّوء، وبرغم ذلك كانت وطأةُ السّوط على جسدها تحكي مليون حكاية وحكاية. والدها الظالمٌ المتسلّط يعود ثملاً كلّ ليلة ولا يترك أحداً في البيت دون أن ينال حظه من شره. كبرتْ هناء وأصبحتْ في الجامعة – الرجلُ وفقَ معاييرها شرٌّ لا بدَّ من اتّقائه.رفضت كلَّ من تقدّم لخطبتها، لكنّ والدَها بجبروته ضربها ذاتَ يومٍ ضرباً مبرحاً
وعذّبها أشد عذاب وأجبرها أن تنام على حصيرٍ من صبّار قسوتِه. بعد رفضها العريس الجديد: ستتزوّجين مديرَ البنك، هو رجلٌ متعلّمٌ ومثقّف.أصرّت على الرّفضِ لعدم استلطافها له ولفرقِ السّنّ بينهما. ثوبُ الزّفافِ أيقظَ بداخلها أسراباً من الكوابيس. تمّ الزواجُ برغمٍ عنها ، توجّهت إلى بيتِ الزوجيّة كوردةٍ تعرّت من أوراقها ، حفرَ الحزنُ خندقَه داخلَ قلبِها الكسيرِ وغدرتْها عيناها بدموعٍ أغرقتْ محيطاتُ العالم في ذلك اليومِ الكئيب. كلُّ توسّلاتِها لم تنفعْ ، فأوامرُ والدها لا تُعصى. توالت ملاحقاتُ زوجِها الغيور من وإلى الجامعةِ واتّهاماتُه بالخيانةِ، ثمّ الاعتداءِ عليها المتواصل حتى أسدلَ ستارُ النّومِ عن مُقلتيْها الحزينتيْن. أصبحتْ تجلسُ في الحرمِ الجامعيّ وحيدةً وتتمنّى أنْ يهبطَ عليها غيثُ الحبِّ من عليائِه ليصطاد قلبَها. رغم عزلتِها لم تسلمْ من توبيخِه . ينامُ قربَها نوماً عميقاً وكأنّه لم يفعلْ شيئاً ، بينما تقفُ قربَ النّافذةِ تُدخّنُ وتحسدُ النّجومَ على انطلاقِها في رحابِ السّماءِ بحريّة. ضربتْ يدَها بحائطِ الذّكرياتِ علّها تخترقَه وتعيدَ بناءه بينما كانت تصرخ روحها:” إلى متى سأحتمل كلّ هذا العذاب؟ ما جرمي لتتمّ معاملتي بهذه الصّورة ؟ حمم الجّحيم أرحمُ من حياتي معه..ها أنا أموت يوميّاً..ربّاه ضاقَ بي الحالُ فكيف أحتملُ مرَّ العذاب وجبروت زوجي. كم أتمنّى أنْ أصبحَ نسمةً تلامسُ شفاه البحر. أيعقل أن أكون نسخةً من
والدتي، لا حولَ لها ولا قوّة، تدبُّ بينها وبين أبي مشاحناتٌ يوميّة تنتهي بتعنيفِ الزّوجة وضربها ، وبعد ذلك يجمعهما سريرٍ واحدٍ وكأنَّ شيئاً لم يكن”.
عادتْ إلى البيتِ بعد يومٍ مرهقٍ في الجامعة لتجدَ زوجَها يجلسُ على الكنبةِ ويراقبُ السَاعة. سألته وهي تنزعُ معطفها عن أمرٍ ما يريده ، أجابها برغبتِه الإنجابِ ونسيانِ الجامعةِ نهائيّاً.
– هذا ليس عدلاً.. يستحيل أن أتخلى عن حلمي . طالبته بالطلاق وأخبرته أنها تمقته، فما كان منه إلا أنْ انهالَ عليها بالضّربِ المبرحِ كالمجنون ودفعها كالثّور الهائجِ ليرتطمَ رأسُها بزجاجِ النّافذة.. هربتْ إلى سطحِ المنزلِ ،فلحق بها ..وقفتْ على الحافّةِ ليتأجّج داخلها بركانٌ من الغضب ، نمتْ في قلبِها بذرةُ الحريّة وابتسمتْ حين وجدتْ أمانيها تتسلّقُ شعابَ السّماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: