الرئيسية / كتاب وشعراء / 🕵المطارد🚶…..✍بقلم : محمد الصباغ

🕵المطارد🚶…..✍بقلم : محمد الصباغ

قصة قصيرة I المطارد

تداخلت كل العوالم بالنسبة له فقد كان الشك يخالجه أن يكون قد أصيب بداء الوهم والإستغراق في الذاتية والخيال ؛ بعدما أصبح في ظنه أنه مطاردا أمنيا إلي جانب كونه مطاردا شخصيا من شخوص حياته كلهم مرة واحدة ، تطارده الصورة المثلي والصورة المقبولة التي يجب أن يكون عليها في نظرته إلي نفسه ومن وجهة نظر الآخرين . ولما خالجه مزيد من الشك أنه قد أصبح مطاردا ؛ أصبح هذا الهاجس في حد ذاته مطاردا له مؤرقا في صحوه وفي منامه .

وأصبح ذات يوم لديه اليقين بشعور أنه قد أصبح مطاردا فخال نفسه متوجسا لأنه استقر داخله أنه مطارد منذ زمن وأنه لم يدرك نفسه مطاردا إلا صبيحة ذلك اليوم الذي أدرك فيه أنه مطارد وأنه بين لحظة وأخري قد يفقد حريته لفترة غير محددة مجهولة وربما يفقد حياته علي الأرجح بعد تقييده . ولما تأكد أنه أصبح مطاردا فعلا بعد أن عجز عن مبارحة الشعور بأنه في أي لحظة ستحط علي كتفيه يد غليظة تؤكد سقوطه في المطاردة التي بدأت دون بداية ؛ ولما بارح الظن أن الإستغراق في الشعور بأنه غارق في المطاردة قد أصبح كل حياته ؛ أتاه بعض الشعور بالراحة لأنه استطاع أن يكشف لنفسه أنه مطارد قبل أن يطبق عليه المطاردون .
وزاد شعوره بالثقة في قدراته بعدما بارح الظن إلي الاستقرار في اليقين أنه مطارد . وقرر بإرادته أن يعيش مطاردا مشردا ، خير من أن يعيش مقيدا ؛ لا يحصل علي الحد الأدني من الآمان داخله ومن حوله . وبعدما عاش لفترة خائفا داخل منزله خائفا أثناء نومه خائفا خارج بيته ؛ مل من نفسه ومن الهواء الذي حوله ومن الطعام القليل الذي أصبح يحصل عليه ، ومن النوم المتقطع الذي لا يسيطر فيه علي نفسه وعلي إداراته للمطاردة .
ولما تأكد أن سلس البول الذي أصابه مؤخرا ونقاط الماء الساخنة التي تحرق قضيبه من أثر إجهاده من المطاردة ؛ حاول بكل قدرته ان يقلل مخاوفه من إحساسه بخطر المطاردون له ؛ فكان يختبيء داخل الخوف نفسه وكان يتنكر في هيئة المطاردين ؛ ليختبيء منهم ؛ بل قرر أن يطاردهم ؛ حتي يستمر في الشعور بلذة المطاردة إذا ما تعبوا هم أو ملوا من ملاحقته .
في ذروة شعوره بخطر المطاردون ؛ أكتشف أنه أيضا مطارد من داخله وأن بعضه يأكل بعضه وفي ذروة هذه الحرب التي هو واقع فيها ؛ التقطته أو إلتقطها ، لم يكن هذا شيئا مهما بالنسبة له ؛ المهم أنه وجد بعض الآمان وقرر أن يهرب إليها . قال لها : أحتاج أن أهرب فيك وأن أهرب إليك وأن أهرب من حولك وأن أهرب داخلك وأحتاج أن أختبأ لديك وأن أختبأ فيك . فلما وجدها مرحبة راضية ، عاشا المطاردة السرية معا ؛ ما يطاره من خارجه وما يطارده من داخله وعاشا الإختباء سويا وعاشا مطاردة الخوف من المطاردة سويا .
جرب كل الإختباءات معها وجرب كل الإختباءات فيها : عندما جربا أن يختبأ في عينيها ؛ وجدا أنه في عينيها كان مكشوفا ، وفي دلاية عقدها كان ظاهرا منه وجهه ، فكان الأئمن له أن يختبأ بين نهديها وأن يحتويه إنضمام ثدييها أو يختبأ بين فخذيها ؛ وفي تجربة أخري للإختباء حيث يمكنه أن يتجول معها حيثما ذهبت وإلي الأماكن التي أصبحت نفسه تهفو إليها ؛ صعد إلي سوار الفل الذي كانت تعلقه دائما في رقبتها نضرا زهيا علي صدرها وتماه في مثل حباته وتكور حتي صار وحدا من ورداته .
كانا إذا تخفي هو كانت هي هيئته وصورته ومفردات كلامه ولسانه ومعاني أفكاره ؛ كان قد أختبأ تماما وتخفي تماما و اختفي تماما داخلها وأصبحت هي ظاهره المرئ للإنسان والذي يستطيع به أن يمشي ويتكلم في آمان ؛ عبر لسانها وعبر وجهها ومن داخل ثيابيها ومن حدقة عينيها ؛ كانت هو وكان هي .
قالت له يوما : لا تخاف حتي من الموت مادمت إلي جوارك ومادمت في داخلي ؛ لا تخاف المستقبل ولا تخاف الجوع ولا تخاف أعداءك ؛ فهم كلهم دون قوتنا معا ولكن ما أخشاه أنا : أن تنتهي حياتنا معا بإختغاء من يطاردونك وبإنتهاء المطارة المطارة .
قال : بل تنتهي علاقتنا بموتي ؛ سأكتب ما صنعت لي فأنا أعيش منك وأحيا فيك وأكتب منك وأكتب لك .
كانت كل أيامه معها ؛ أمنا فبينما ” المطاردون “يرحون ويجيئون يفتشون عنه ؛ كان هو مختبأ داخلها ، ينعم بلمس ” الحلمة ” التي مدته بغذائه طوال فترة إختباءه الآمن ؛ وقد ظلا معا حتي تسرب منه إليها ما جعلها ” حبلي ” به وبكل كيانه ؛ وباتت تنتظر أن تلده جديدا صحيحا معافي غير مطارد .
محمد الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: