الرئيسية / رؤى ومقالات / نور الهدي زكي تكتب :موت الطبيبات.. ليس قضاء وليس قدرا.

نور الهدي زكي تكتب :موت الطبيبات.. ليس قضاء وليس قدرا.

كم مرة فرحت الطبيبات الصغيرات بنداء يا دكتورة..؟ مش كتير.. كم مرة فرحت امهاتهن وابائهن بالطبيبة وهي تخطو خطواتها الاولي واثقة بالبالطو الابيض نحو كلية القمة التي لا تأتي الا بالمعاناة والالم وباختصار الايام والليالي في اعداد البنت الغالية لتكون الدكتورة.. وتكون الام ام الدكتورة.. والعائلة كلها تتباهي بالدكتورة؟ مش كتير، صحيح ان المهنة فقدت الكثير من بريقها ومن ألقها وجار عليها ما جار علي مصر كلها.. وصحيح ايضا ان الطبيب لم يعد هو الطبيب الحكيم الذي يقرر امكانية ان نقف علي قدمنا او نسترد انفاسنا لنواصل الحياة بفضله بعد الله جل جلاله الا اننا مازلنا نحمل الاعتبار والقيمة الكبيرة للمهنة ولاصحابها.. ماذا حدث لنا وفينا حتي اصبح الموت يختبئ بكل شبر وكل ركن في مصر.. يتواري الموت .. يتواري تحت قضبان مترو الانفاق.. ويتواري في غرف اقسام الشرطة المخيفة المظلمة.. يتواري في زنازين السجن والحرمان من بديهات البقاء علي قيد الحياة.. يتواري الموت في طرقاتنا السريعة والبطيئة عبر اركان المحروسة الاربعة.. يتواري في برج القاهرة وفوق كباريها وبين جنباتها.. ونحسبه بعيدا عنا وفجأة ينقض علينا ويخطف فلذات الاكباد ونقول: قضاء وقدر، نقول ونكذب وهو ليس قضاء وليس قدرا.
نكذب ونلبس الحق بالباطل وننوم ضمائرنا ونعيش بدون قلب.. متي تحولنا؟ واي فاجعة كبري واي رعب اخر وليس اخير سوف يجىئ.؟
ماتت البنات الطبيبات الصغيرات في سيارة متهالكة لم تتوفر فيها شروط الامان.. ولم يتوفر في طريق الموت من المنيا الي القاهرة الا احتمال واحد هو احتمال الموت.
ودعت الصغيرات الحالمات بالطب والمستقبل دفء البيت متذ الساعات الاولي لفجر يوم بارد وقاس مثل برودة وقسوة الجالسين في مكاتبهم يقرروا ويخططوا لحياتنا وكأننا ارقام كالحة مثل وجهوهم.. الوجة كانت الي القاهرة لحضور تدريب ضمن حملة صحية (ممولة) عن صحة المرأة وهنا اضع كلمة ممولة بين قوسين ففيها تسكن الشياطين وفيها يدوس البشر علي البشر وتحاك الخطط والمؤمرات والدسائس ويكون الموت قضاء وقدر.
تدريب ممول للاطباء الصغار ضمن حملة تديرها وزارة الصحة.. ربما يكون التدريب مهما او غير مهم.. ليست هذه هي القضية لان كل المطلوب تستيف ورص الاوراق بما يجعل جهة التمويل ال( Doner) كما يسمونه، تبصم بالعشرة وتقر بتمام المهمة.. تتم الحسبة بدقة شديدة.. تحجز القاعات وتؤجر الاجهزة والكاميرات وتنتقل اوراق هنا وهناك وبنود يتم الاستقطاع منها لصالح سبوبة في جيوب مديرين وقائمين علي التدريب.. وبسرعة وعجلة لانهاء التدريب وتسويد التقارير وارضاء الزبون صاحب التمويل حتي تكسب الثقة وتدور عجلة الفلوس وشيلني واشيلك.
استدعي اباطرة المؤتمرات وورش التدريب الممولة القابعين هنا في القاهرة اصحاب حسابات البنوك واعداد التقارير لارضاء الممولين، استدعوا الطبيبات الي القاهرة.. لم يتيحوا لهن وقتا كافيا قبل التدريب باسبوع او اثنين لترتيب امورهن..لم يوفروا لهن وسيلة انتقال آمنة في ايام تزداد فيها احتمالات حوادث الطرق.. ولم يوفروا بطاقات انتقال بالقطار الي القاهرة فمازال القطار هو الاكثر امانا رغم مأسينا الكثيرة ، ولم يوفروا لهم امكانية اقامة كريمة في القاهرة قبل التدريب.. كل شيئ يتم بتعجل وانعدام كفاءة وخيبة قوية الا شيئا واحدا وهو حسبة السبوبة.
وقعت الواقعة وخرج الموت يخطف الصغيرات وقالوا: قضاء وقدرا.. وهم كاذبون.
ولان الكذب وموت الضمائر والظلم وخراب الذمم والنفوس اصبح شريعتنا وفريضتنا الحاضرة انتقلوا من حكاية القضاء والقدر الي حكاية حوادث الطرق.. ومن حوادث الطرق الي حكايات اخري وتبريرات خربة ومخزية وهم في داخلهم لا يعنيهم الا مواقعهم وحساباتهم ومصالحهم ومصر بتنسي وكلمة القضاء والقدر لها مفعول السحر في رؤوس المصابين في عقولهم ولا مانع من التحقيق وربما تحميل الضحايا مسئولية موتهم والي حين انتهاء التحقيق ننسي ماحدث بفعل موت اخر ورعب اخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: