الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل هنرى بركات

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل هنرى بركات

هو ” شيخ المُخرجين ” و ” صانع السينما المُدهشة ” و ” صائد لألئ الروايات ” المُخرج الكبير و القدير هنرى بركات و الذى يُعد أحد عمالقة الإخراج فى مصر و الوطن العربى و هو ذلك الرائع الذى تألق خلف كاميرته كما يتألق الرسام بريشته و يُبدع فى رسم أبهى اللوحات الفنية مُستخدماً أجمل العناصر و الألوان ليَصنع أحلى تكويناً فنياً يخطف الأبصار و القلوب هكذا أيضا فعل المُخرج العبقرى هنرى بركات الذى يُعد أحب المُخرجين إلى قلب المُشاهد السينمائى لما كان يتميز به من رومانسية و حس فنى مُرهف ليُحول برشاقة و خفة القصة المكتوبة أمامه على الورق لتابلوه مُتناسق الألوان لا يشذ منه لوناً أو ينحرف عنه خطأ تماما ككُل مَشاهد أفلامه التى تأتى مُترابطة مُتجانسة كل منها يُكمل الأخر دون زيادة أو نقصان لتتجلى أمامنا بوضوح عند رؤيتنا ﻷحد أعمالة المعنى الحقيقى لسحر السينما كما ينبغى أن يكون و الحق يُقال أن هنرى بركات كان و سيظل مُخرجاً كاملاً فى بهائه و مُتوَّجاً بتاج ثقيل تُرصِّعُه آلافُ اللآلئ و فى قلبِ كلِّ لؤلؤة مشهدٌ و فكرةٌ و بيتُ شعرٍ و قلبُ شاعرٍ و روحُ أديبٍ و ليالٍ طوالٌ من السَّهر و السفر و القراءة حتى وصل على عربة ملكية تجرُّها خيولٌ عربيةٌ قُدَّت من ماء الشِّعر و الملاحم و الأساطير فتعلّقتِ الأبصارُ بعينيه اللتين تحملان إرثًا هائلاً من فرائد رفيع الآداب العالمية الصعبة التى لا يقوى على مُطارحتها إلا ذوو البأس و ذوو الموهبة من الحقيقيين الذين لا تُدثِّرُهم قشورُ الزَّيف و غُلالاتُ الادّعاء .. ولد بركات فى 11 / 6 / 1914م فى حى شبرا بمُحافظة القاهرة ﻷسرة ذات أصولٍ لبنانية من مدينة ” زحلة ” من الأب الطبيب و الأم ربة المنزل و أربعة إخوة إلا أنه فقد أحد أخواته عندما كان يلعب ذات يوم على سلم المنزل مع ابنة الجيران و فى لحظة مشؤومة دفعته الفتاة دون قصد فوقع مُرتطماً بالأرض فاقداً للوعى و الحياة معاً و قد عاش هنرى حياته بعد ذلك مع والديه و أخواته الثلاثة فى جو عائلى يسوده الدفئ و المحبة و السلام و كان والده دائماً يعود إلى المنزل حاملاً وردة ﻷمه و لم يتخل مُطلقاً عن تلك العادة لتترك قصة الحُب هذه بين والديه أثراً رائعاً فى نفس بركات و ربما مظاهر الحُب التى عاش فيها هى التى جعلت أفلامه تنبع بصدق الإحساس و العاطفة و دفئ المشاعر و قد تعلم بركات فى مدرسة الفرير بحى شبرا و كان مُتميزاً فى دراسته بل من المُتفوقين و تمنى لو أصبح طبيباً كوالده لكن والده رفض دخوله كلية الطب و اقترح عليه دراسة القانون فالتحق هنرى بكلية الحقوق بناء على رغبة والده و بعد تخرجه من الجامعة حاول العمل فى مجال القانون إلا أن مجال القانون لم يكن يُحبذه على الإطلاق و لم يخطر يوماً فى باله أيضاً العمل بالسينما أو أن هذا النوع من الفن سيستهويه ! إلا أن القدر كان يُدرك جيدا ذات الإنسان و نفسه أكثر مما يُدركها هو فيرتب خُطواته بصورة رائعة ليكتشف من خلالها مواهبه و إمكانياته بالمصادفة بعد أن عرض عليه أخيه الكبير ذات يوم أن يستثمروا ميراث أبيهم فى إنتاجِ فيلم بعد أن شاهد أخيه أحد المصورين من معارفه قام بصناعة فيلم و نجح هذا الفيلم نجاحاً كبيرا و ربح كثيراً من الأموال فوافق بركات من مُنطلق التجارة و الربح فحسب و بدأوا فى إنتاج فيلم ” عنتر أفندى ” الذى تشاركوا فيه بالمال فقط و من هنا بدأت رحلة بركات فى عالم السينما ليجلس مُترقباً كواليس العمل من إخراج و تمثيل لكنه وجد بحسه الفنى الفطرى أن الفيلم به الكثير من الأخطاء و يخلو من المنطق فى أحداثه الدرامية و كان بركات يُناقش المُخرج فى هذا قائلاً له رأيه ببساطه شديدة إلا أن المُخرج كان يعترض على أفكاره و سُرعان ما فشل الفيلم و خسر هنرى و أخيه خسارة فادحة لكنه بعد ذلك صمم على دراسة قواعد هذا الفن و أصوله و كان أحد أخواته يعمل فى باريس فسافر إليه ليحاول أن يلتحق بأحد المعاهد هُناك و لكنه لم ينجح فى ذلك فبدأ يذهب بنفسه إلى استوديوهات تصوير الأفلام ليتلصص و يتجسس على كواليس العمل و كيف يعمل المُخرج و المصور و كيف يؤدى المُمثلون أدوارهم و قد واجه الكثير من الصعوبات فى السماح بدخوله لتلك الاستوديوهات لكن إصراره فى النهاية هو ما جعله المُخرج العبقرى هنرى بركات الذى بدأ حياته الفنية مُساعد مخرج بعد أن اكتشفته و قدمته الفنانة و المنتجه ” آسيا داغر ” حين كانت تبحث عن مُخرج يخرج لها فيلم جديد بعد أن تركها المُخرج ” أحمد جلال ” بعدما تزوج من ابنه أختها الفنانة ” مارى كوينى ” و انشغلا معاً فى تكوين شركه سينمائيه فاتجهت المُنتجة آسيا داغر للبحث عن مُخرج جديد ليخرج لها فيلم الشريد عام 1942م ثُم إنطلق بعدها بركات بعد أن أضحى مُخرجاً ليُقدم للسينما أجمل الأفلام كـ ” دُعاء الكروان ” هذا الفيلم الذى كتبه طه حسين و كان صاحب فكرة تحويل هذه القصة لفيلم سينمائى فريد الأطرش و تمنى فريد لو يقوم هو بدور البطل لذلك جاء بهذه الرواية لبركات ولكن الأخير أوضح له أنه لا يصلُح لهذا الدور ! و أقنعه بإنتاج فيلم ” حبيب العمر ” للكاتب بديع خيرى خاصة و أن أحداثه تصلح لأن يُضم عدد كبير من الأغانى و قد ظلت فكرة تحويل هذه رواية دعاء الكروان إلى فيلم فى ذهن بركات و لكنه كان يخشى تلك الأجواء الريفية و كيفية التصوير و التعامُل معها حتى بدأ يتلامسها و يتعامل معها فى فيلمه ” حسن و نعيمة ” ثم تمكن من أدواته و رسم خطته المُحنكة فى تجسيد دعاء الكروان التى باتت سيمفونية رائعة فى تاريخ السينما المصرية و ما أكثر سيمفونياته التى تركها لنا بركات على الشاشة مثل ” أفواه و أرانب ” و ” الحُب الضائع ” و ” فى بيتنا رجل ” و ” لحن الخلود ” و ” حبيب العُمر ” و ” الحرام ” و ” ليلة القبض على فاطمة ” و ” الشريدة ” و ” المُتهمة ” و ” الباب المفتوح ” و ” فى بيتنا رجُل ” الذى يُعد إحدى إبداعاته كما تميز بركات بتقدَّيم مجموعة من الأفلام الغنائية لأبرز المُطربين المشهورين فأضحى رائداً من رواد الرومانسية فى السينما المصرية بعد أن عاش الرومانسية الحقيقية مع زوجته ” روزيت ” حيث قدم عشرة أفلام مع فريد الأطرش و ثلاثة أفلام لعبد الحليم حافظ و ثلاثة أفلام لليلى مُراد و فيلمين لصباح و فيلمين لمحمد فوزى و فيلمين لفيروز و فيلمين لهُدى سلطان كما أخرج لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامه العديد من الأفلام الناجحة و الخالدة و كل هذه الأفلام تشترك فى ثُقل الفكرة المطروحة و روعة تجسيدها بالطريقة الفنية و المنطقية أيضاً و التى تعلمها من دراسته للقانون ففى أحد حواراته قال بإنه تعلم من القانون فن المنطق ليترك لنا رصيداً عظيماً من أفضل أفلام السينما المصرية التى حازت على العديد من الجوائز فى مهركان كان بباريس عام 1984م و ” فالنسيا ” عام 1985م و ” لوس أنجلوس ” عام 1989م و ” الإسكندرية ” عام 1991م و ” مونبليه ” عام 1992م و ” القاهرة ” عام 1989م و جائزة الدولة التقديرية فى الفُنون من ” المجلس الأعلى للثقافة ” عام 1995م و قد ظل بركات يُبدعنا بفنه الجميل حتى هاجمته أمراض الشيخوخة اللعينة و ألزمته الفراش حتى توفى فى 23 / 2 / 1997م عن عُمرِ ناهز الـ 82 عاماً و هى وفاة جسدية فقط و ليست روحية و فنية لبركات بعد أن أمضى مشواراً طويلاً حافلاً بالأعمال النادرة تاركاً خلفه تراثاً فنياً ثرياً لايُقدر بثمن .. رحم الله هنرى بركات و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: