الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد نجمة إبراهيم

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد نجمة إبراهيم

هى ” نجمة الشر ” و ” المُخيفة المُفزعة ” و ” المُثيرة المُرعبة ” و ” اليهودية الوطنية ” الفنانة الكبيرة و القديرة ” بولينى أوديون ” الشهيرة بنجمة إبراهيم و هى المُخضرمة الرائعة التى التصقت فى ذهن المُشاهد بتلك الجُملة التى ذكرتها فى فيلم ريا و سكينة « الولية عضت إيدى و أنا بخنقها تقولش عدوتها ؟ » و « قطيعة ماحدش بياكُلها بالساهل » فهى ” السفاحة ريا ” التى مارست القتل عن عمدٍ فى مدينة الإسكندرية دون رحمة أو شفقة لتستنكر و تتعجب بهُما أن سيدة بريئة من اللاتى تريد قتلهن عضتها فى يدها و هى تخنقها ! ثُم تُحاول أن تُبرر ذلك الفعل الأثيم بأن الدُنيا يجب أن يكِل المرء فيها حتى ينال رزقه ! لتُجسد بذلك صورة المرأة الشريرة القاتلة و التى تجعلك حين ترى شرارة الشر و هى تخرج من عينها لا تنام ليالٍ كاملة من الخوف و الهلع الناتج عن صوتها القاسى و قلبها الميت و ملامحها المُخيفة و لكن الواقع كان يختلف تماماً عن تلك القصة السيئة لأن « نجمة » التى قدمت أدوار الشر ببراعة لم تكن هكذا يوماً فى حياتها بل كانت شديدة الطيبة و خفيفة الظِل ! بدرجة لايتخيلها أحد و الحق يُقال أن قليلون جداً من الذين مرور علينا بأدوارهم الرائعة يسكنون القلب و لا يغادرون و يغيبون و لكن تزورنا أطيافهم و نحن نائمون و قد يجهلون بأن لهم فى عيوننا قصور و رموشنا لهم يحرسون و هم الى أعماقنا أقرب مما يتخيلون و كانت نجمة إبراهيم بالتأكيد على رأس هؤلاء القليلون الذين تركوا بصمة غائرة فى قلوبنا قبل أن يتركوها فى ذاكرة السينما المصرية .. ولدت نجمة فى 25 / 2 / 1914م و ترجع أصولها إلى أسرة يهودية مصرية من ناحية الأب و بولندية من ناحية الأم و تلقت تعليمها فى مدرسة الليسيه فى القاهرة لكنها لم تُكمله بسبب رغبتها فى العمل بالفن مُنذ نعومة أظافرها خاصة بعدما شجعتها على التمثيل شقيقتها الكبرى غير الشقيقة ” سيرينا إبراهيم ” و التى كانت رائدة من رائدات المسرح فى ذلك الوقت فكانت تصطحبها معها إلى المسرح مُنذ الصغر حيث تعلقت نجمة بتلك الهواية و اعتلت خشبة المسرح و هى فى التاسعة من عُمرها على مسرح الريحانى و كانت فى ذلك الوقت تغنى و ترقص و تُلقى المونولوجات و كانت مُغنية ناجحة و تلخصت أحلامها فى مُنافسة مُنيرة المهدية فى الغناء المسرحى أو أم كلثوم فى الطرب ! إلى أن انضمت نجمة فى عام 1929م إلى فرقة فاطمة رشدى و عملت فيها كمُطربة و شاركت بالغناء فى مسرحية « شهرزاد » و« العشرة الطيبة » لسيد درويش و سافرت مع الفرقة إلى العراق و قدمت أول دور مسرحى فى حياتها بعنوان « ابن السفاح » و فى عام 1932م انضمت نجمة إلى فرقة بديعة مصابنى و بدأت العمل كمُمثلة و شاركت الفنان بشارة واكيم فى عدد من المسرحيات حتى بداية الثلاثينات و لكنها توقفت بعد حدوث أزمة اقتصادية أدت إلى قلة الإنتاج الفنى فاضطرت إلى العمل فى مجلة « اللطائف المُصورة » التى كان يُصدرها فى ذلك الوقت ” إسكندر مكاريوس ” و فى أثناء عملها فى المجلة نشأت علاقة عاطفية بينها و بين أحد العاملين هُناك و هو ما شجعها على اعتناق الإسلام كى تتزوجه بعد أن أشهرت إسلامها فى 4 يوليو 1932م و غيرت اسمها من بولينى إلى نجمة لكنها لم تتزوج من زميلها حيث انفصلا قبل إتمام مراسم الزواج بأسبوعٍ واحد بعد أن اكتشفت خيانته لها مع إحدى زميلاتها المُقربين لها فى المجلة ! و تركت نجمة على إثرها العمل الصحفى و ظلت دون عملٍ آخر قُرابة العامين ثُم قررت العودة إلى التمثيل مرة أخرى بعد استقرار الأوضاع الإقتصادية فى مصر حيثُ انضمت إلى الفرقة القومية التى كونتها الدولة فى نوفمبر 1935م برئاسة الشاعر ” خليل مطران ” و قدمت معها العديد من المسرحيات الناجحة منها « قيس و لبنى » و « العباسة » و « مجنون ليلى » لأمير الشعراء أحمد شوقى و قامت نجمة بدور غنائى و هو دور « الحاوى » و قد تم ترشيحها فى ذلك الوقت للسفر فى بعثة إلى إيطاليا لدراسة الغناء المسرحى لكن اهتمامها بالمسرح الدرامى طغى على اهتمامها بالمسرح الغنائى حيثُ انضمت فى عام 1936م إلى فرقة « حسن البارودى » و شاركت بالغناء عام 1937م فى فيلم « تيتاوونج » و قد أدى نجاحها المسرحى إلى انتقالها للسينما فقدمت عام 1940م أول أدوارها السينمائية فى فيلم « الورشة » و فى عام 1944م و الذى سَجَل تاريخ زيجتها من المُمثل وا لمُلحن ” عباس يونس ” و سجل هذا العام أيضاً بداية إشتراكها فى عُروض حسن البارودى الفنية و قدمت فيه ” العام ” أفلام « من الجانى » و« رابحة » و « ملاك الرحمة » و فى عام 1952م قدمت أشهر أفلامها على الإطلاق بعنوان « ريا وسكينة » و هو الدور الذى تسبب نجاحها فيه بأن جعل الجميع ينظر إليها على أنها شخصية شريرة بالفعل و كانت ذلك يُترجم بسبباها و إهانتها و إلقائها بالحجارة فى الطريق العام ! مما جعلها تكتب مقالاً فى مجلة الكواكب فى 12 نوفمبر 1953م بعنوان « أرتعد خوفاً من ريا الحقيقية » قالت فيه « لستُ بالشريرة أو القاتلة التىتحترف الإجرام أو القاسية القلب التى لا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلبها فكل هذا سينما و مُجرد أدوار تمثيلية لا أكثر و أنا لا أعرف تلك الشوزوفرينا التى يتعامل معى الجُمهور بها فيُشيد بدورى فى الفيلم و يسبنى فى الطريق العام حين يرانى » ! .. فى عام 1955م كونت نجمة فرقة مسرحية و قدمت من خلالها عُروضاً مسرحية ناجحة من أهمها مسرحية « سر السفاحة ريا » التى ألفها و أخرجها زوجها و قد تبرعت بإيراد حفل افتتاح فرقتها المسرحية بأكمله لتسليح الجيش المصرى بعد إعلان الزعيم جمال عبد الناصر قراره بكسر احتِكار السلاح و استيراده من دول الكُتلة الشرقية بعد رفض الغرب تسليح مصر و حضر الرئيس السادات عرض الإفتتاح و كان فى ذلك الوقت عُضو مجلس قيادة الثورة و بعد انتهاء المسرحية صعد للمسرح و صافح مُمثلى الفرقة ثم رفع يد « نجمة » تحية لها و الحق يُقال أن على الرغم أن أصول نجمة يهودية إلا أنها كانت لها مواقف وطنية معروفة أولها أنها أيدث قيام ثورة يوليو عام 1952م و رفضت مُغادرة مصر إلى إسرائيل كما فعلت شقيقتها الكُبرى ” سيرينا ” و شقيقتها الصُغرى الفنانة ” راقية إبراهيم ” و أوصت أيضاً بأن تُدفن فى مصر التى ولدت و عاشت فيها بعد أن قدمت ما يقرُب من 60 فيلماً سينمائياً آخرها « صراع الأبطال » عام 1962م كما قدمت عدداً من المسرحيات يصل إلى حوالى 100 عرض كان آخرها عام 1967م بعنوان « أغنية الموت » كما شاركت فى العديد من المُسلسلات التليفزيونية و منها « الضحية » عام 1964م و« الساقية » عام 1965م و من من أشهر أدوارها بخلاف « ريا » فيلم « أنا الماضى » أمام زكى رستم و فاتن حمامة كما قدمت نجمة عام 1954م فيلم « جعلونى مُجرماً » أمام وحش الشاشة الفنان فريد شوقى و التى جسدت فيه دور « دواهى » و هى المرأة الشريرة التى تقود عصابة تُسَخِر من خلالها الأطفال للتسول و السرقة و قد كرمتها الدولة عام 1964م و منحتها وسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى و منحها السادات وسام الإستحقاق بالإضافة إلى معاش استثنائى تقديراً لعطائها الفنى و وطنيتها النادرة .. عانت نجمة فى آواخر حياتها من ضعف شديدٍ فى البصر كان سيؤدى إلى فٌقدانها البصر نهائياً و رغم ذلك كانت تعمل و تذهب للبروفات المسرحية فى ذلك الوقت و قدمت مسرحيتى « يا طالع الشجرة » و « يس و بهية » و هى تُعانى من حالة فُقدان بصر شديدة تصل إلى العمى و مع استمرار ضعف بصرها الذى حال بينها و بين أعمالها الفنية قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فى 22 مارس 1965م علاجها على نفقة الدولة بإسبانيا و عادت مُبصرة و قالت بعد عودتها من رحلة العلاج « كنت أخشى أن يذهب النور من عينى فى الوقت الذى يشعُ فيه النور أمام مُستقبل مسرح بلادى » و على الرُغمِ أن نجمة قد احتفظت ببصرها و استطاعت العودة للعمل الفنى إلا أنها عانت من أمراض أخرى و منها إصابتها بالشلل مما اضطرها إلى الإعتزال نهائياً و الإختفاء عن الأضواء لمدة 13 عاماً حتى صعدت روحها إلى بارئها فى 4 يونيو 1976م بعد أن حفرت بصمة مُتميزة فى تاريخ الفن المصرى و تركت لنا رصيداً زاخراً بأدوارها الرائعة فى أعمالها الخالدة حتى يوم يُبعثون .. رحم الله نجمة إبراهيم الوطنية المُخلصة و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: