الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد داود حُسنى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد داود حُسنى

هو ” عملاق التلحين ” و ” رائد الموسيقى الشرقية ” و ” أستاذ المقامات ” المُغنى و المُلحن و أحد رواد و عمالقة الموسيقى العربية فى مصر و العالم العربى ” دافيد حاييم ليفى ” الشهير بداود حُسنى و هو المُلحن الرائع الذى شنف آذان الملايين فى مصر و العالم العربى بأكمله بموسيقاه لمدة تقرب من خمسين عاماً بعد أن أدخل طراز جديد فى فن المقامات الموسيقية بأنغامه الجديدة التى ادخلها على الموسيقى المصرية و هى ” المقامات ” التُركية الممزوجة بالفارسية و أحدث بها ثورة موسيقية كبيرة فى عالم الألحان و الحقُ يُقال أن إبداع داود حُسنى الموسيقى الفذ يضعه فى مصاف عبقريات الإبداع المصرى الخالص علاوة على إخلاصه فى اكتشاف و تعهد و تدريب العديد ممن اشتغلوا بالغناء فى مصر مثل ليلى مراد و أسمهان و علية فوزى و محمد عبد المطلب مايدل على تفرده و على مصريته الخالصة .. ولد داود حسنى فى 26 / 2 / 1870م فى حى الصنداقية الشعبى القريب من حى اليهود القُرائيين فى حى الجمالية بِمُحافظة القاهرة لعائلة يهودية عميقة الجُذور فى مصر و قد كان للحى الشعـبى الذى ولد به شديد الأثـر فى تكوين فنه و اندماجه فى الروح المصرية ففى عُنفوان شبابه انجذب داود حُسنى الطفل بعد أن حركته دقات نواقيس الكنائس لتتجاوب مع أصوات المؤذنين من أعلى المآذن المُتاخمة للحى فكان يترك الحى و يجنح الى النيل الذى أحبه و هذا الخلاء و هذا الفضاء الوسيع بين المروج الخضر و الأشجار المُتدلية فترهف أذنيه إلى أصوات الطبيعة و هى أنغام الوجود إلى فن الموسيقى و الغناء مما جعله يترك المدرسة ليعمل فى مكتبة الشيخ سُكر ” لتجليد الكتب ” و ربما كان اشتغاله بهذه المكتبة هى بداية احترافه للموسيقى بسبب أن هذا الشيخ من المُتحمسين لحلقات الذِكر و قد انبهر سُكر عندما سمع صوت و غناء داود لذلك سمح له بالغناء اثناء عمله بالمكتبة و حدث عن طريق المُصادفة حين حضر الشيخ و الإمام ” محمد عبده ” إلى مكتبة الشيخ سكر ذات مرة حيثُ كان يقوم بتجليد بعض كُتبه و مؤلفاته أن إستمع لداود و هو يُغنى أثناء عمله فى المكتبة فقال إن هذا الشاب سـيكون له نصيـب وافر فى عـالم الفـن و الغـناء إذا أذن له الله أن يُمارس مهنة الـغناء و المـوسيقى و هو ماحدث بالفعل فى الرابعة عشر من عـمر داود بعد أن كرّسَ كل نشـاطِه فى تعـلُم العـزف على العـود و تعـلُم الموسيـقى السائدة فى عهـده و بمُجرد أن اتمامه التعلُم العزف على العود و تـفوقه فيه بدأ نجمه يسطع بجـانب الموسـيقيين فى عـصره كعبدُه الحامولى و محمد عُثمان و المنيلاوى و عبد الحى حلمى و آخريين و عندما وطد داود حسنى فنه فى الموسـيقى اعـترف الموسيقار و أبو الموسيقة المصرية ” محمد عثمـان ” بموهبته و بذلك احتل مركزه بين الموسيقيين و المُغنيين فى عهده و فاق بألحانه الموسيقية كل من سبقوه و كذلك المُعاصريين له فى مجال الطـرب كما ارتفع بموسيقى الشرق الأوسط الى مُستوى عالٍ لم تصله من قبل فكان أول من لحن و أدخل موسيقى ” الأوبرا ” الكاملة للناطقيين بالضاد و أهدى الغناء المسرحى المصرى ” أوبرا شمشون و دليلة ” التى قال عنها النُقاد أنها فتحٌ جديدٌ فى عالم الموسيقى العربية كما أدخل داود التحسينات و وحد الخصائص المصرية فى الموسيقى الشرقية مما جعل لها طابعاً و مذاقاً مُتميزاً بعد أن لحن أكثر من خُمسمائة أغنية و ” دور” و ” طقطوقة ” و ” موال ” و ” تواشيح ” كما لحن عشرات من الأوبريتات و هو أول من لحن أوبرا كاملة فى البلاد العربية فى عام 1906م و تم منحه الجائزة الأولى فى مؤتمر الموسيقى المُنعقد فى باريس لتلحينه الدور المشهور ” أسير الحب ” و الحقُ يُقال أن داود كان جريئاً جداً فى التجديد الموسيقى و فى مزجه لمُختلف المقامات الموسيقية بعد أن أدخل عليها النغم ” الفارسى ” بجانب النغم ” التركى ” و ” الأندلسى ” حيثُ كانت هذه الأنغام غير معروفة فى الموسيقى المصرية على الإطلاق و لكن بسبب عبقرية داود لاقت الجماهير بترحيب بالغ لها بعد أن غيّرت اسلوب الغناء من ناحية الفكرة و النغم كما اجتذبت ألحان داود جيلٌ جديد من المُغنيين و المُطربين من بينهم ” زكى مراد ” و ” سيد مصطفى ” و ” محمد صابر ” و ” صالح عبد الحى ” و ” عبد اللطيف البنا ” و ” عبد الله الخولى ” و ” محمد أنور ” و ” محمد عبد المطلب ” و من المُغنيات و المُطربات ” مُنيرة المهدية ” و ” فتحية أحمد ” و ” نعيمة المصرية ” و ” توحيدة المغربية ” و ” نادرة ليلى مراد ” و ” نجاة على ” و ” سهام ” و ” سكينة حُسن ” و ” هيام ” و ” أسمهان ” و من المُدهش أن داود حُسنى هو الذى أطلق عليها ” أسمهان ” بعد أن كان اسمها ” آمال الأطرش ” و الأهم من هذا تلحينه لكوكب الشرق أم كلثوم عدة آغانى كان أشهرها ” روحى و روحك فى امتزاج ” و ” يوم الهنا حبى صفالى ” و قد استمر داود فى تلحين التواشيح و الأدوار و المواويل و الطقاطيق حتى عام 1919م و بعدها إتجه إلى نوعٍ جديد مُهم من الغناء المسرحى و هو ” الأوبريتات ” فكانت أول مُحاولة له مع فرقة نجيب الريحانى قدم فيها أوبريتات هزلية تعكس السُخرية أو القدر المحتوم فى حوارٍ لطيف و شاركته زوجته ” بديعة مصابنى ” فى هذه الأوبريتات كمُطربة .. فى عام 1932م انعقد مؤتمر الموسيقى فى القاهرة برعاية المعهد العالى للموسيقى العربية و حضره مشاهير الموسيقيين من ألمانيا و فرنسا و أعلن النُقاد فيه بأن داود حسنى هو المؤسس الرئيسى للتُراث الخالد لفن الموسيقى المصرية حيثُ نجح المؤتمر بتسجيل و حفظ آلاف من نماذج الموسيقى العربية التقليـدية و المُعاصرة من شمـال إفريقيـا إلى منطـقة الشرق الأوسـط و قد عبّر داود حُسنى عن رأيه بأنه يجب إيجاد مكان مُناسب للموسيقى المصرية و طابعها المُميز الذى يختلف تماماً عن باقى موسيقى الشرق الأوسط بشموله الربع مقطع ” الرُبع تون ” فى المقـام و قـال أن الربع مقطع موجود حتى فى أنغام الباعة الجائلين عندما ينادون على سلعهم ! ,, و الحقيقة أن موسيقى داود حسنى لم تكن موسيقى إيقاعية مُنسجمة فحسب بل كانت أيضا موسيقى تعبيرية و لذلك فإن من الصعب تقييم موسيقاه بطريقة مُنصفة مهما حاولنا أن نفعل ذلك و لكن كل ما نستطيع أن نقوله أن تعبيراته الموسيقية كانت الأساس فى الحانه الخالدة .. تزوج داود فى أكتوبر عام 1905م من زوجته ألأولى ” مارى دانيال فيروز ” المولودة سنة 1875م و انتقلت إلى رحمة الله فى عام 1917م بعد أن أنجبت له ” ابراهيم ” و ” يوسف ” و ” كمال ” و ” أليس ” و ” موسى ” و فى عام 1920م تزوج داود من زوجته الثانية ” مارى سليم الياهو مسعودة ” و قد انتقلت إلى رحمة الله أثر حادث أليم فى الخامس من فبراير عام 1926م و أنجب منها ولدان هما ” فؤاد ” و ” بديع ” و ظل داود يُبدع فى موسيقاه حتى جاءت النهاية فى 10 ديسمبر عام 1937م حين صعدت روحه لبارئها و دفن فى مقابر اليهود القرائيين بالبساتين بالقُرب من القاهرة تاركاً ورائه كنوزاً خالدة من الموسيقى و الألحان العذبة الخالدة حتى يوم يُبعثون فمن منا يستطيع أن يتخيل أن يأتى يوم علينا أو على أجيالنا المُتعاقبة و ننسى و تنسى فيه معنا ” قمر له ليالى ” و ” على خده ياناس ميت وردة ” و ” البحر بيضحك ليه و أنا نازلة أدلع أملى القُلل ” و ” جننتينى يا بت يا بيضة ” و غيرها من الروائع و الكنوز و النفائس التُراثية الجميلة التى لا تُقدر بثمن .. يُذكر أن داود حُسنى فى أيامه الأخيرة كان كثير الغفوات و فى إحدى المرات بعد إفاقته من غفوته نادى على أبنائه و قال لهُم إنه رأى رؤيا عجيبة و بدأ يحكى « رأيت فيما يرى النائم أن عبده الحامولى استدعانى إلى جانبه و طلب منى أن أمسك العود و أحاسبه على غنائه و أترجم ما يقول .. ثم أمسك داود العود و قال ” أشعر أننى وصلت و أنتم تعرفون معنى كلامى فلا يأخذنكم الحُزن من بعدى لأن الرؤيا التى رأيتها تكشف بأنى وصلت إلى مصاف الخالدين».رحم الله داود حُسنى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: