الثلاثاء , فبراير 25 2020

الرئيسية / كتاب وشعراء /  وَطْأٌةٌ ثُلَاثِيَّةُ الْأَبْعاد بقلم حسن الخندوقي المغرب

 وَطْأٌةٌ ثُلَاثِيَّةُ الْأَبْعاد بقلم حسن الخندوقي المغرب

 

أين المفرُّ ؟
العالَمانِ صارا شديدَي الوَطْأَةِ عليّ
شَرَّداني…
أَ مَا من “عالَمٍ ثالثٍ” أعثر فيه عليّ ؟
أَرْشِدوني…

مَنْ يتهمني أنني لُغَوِيٌّ نِحْرِيرٌ
أَزْجُرُه بِ : كَلَّا
إنني بريء من اللغةِ
براءةَ الحياة من دمي
أو براءتَها من مَنْحِي
مُدْيَةَ فرحٍ
أَفْصِدُ بها دماءَ الحزنِ
المُتَخَثِّرَةَ في كياني
أو براءةَ الذئب من دم يوسفَ
و لست يوسفَ
كي أَنْسُبَ إليّ
براءةً سماويةً
ترفعني من قاعِ الكارثةِ
إلى سِدْرَةِ النَّجاة

و كيف يداعبني الفخرُ
بتهمةٍ لذيذةٍ
من هذا القبيلِ
و إني من قبيلةٍ
تَسْتَلِذُّ أُمِّيَّتَها
و ينمو في أَدِيمِها
“عَاصِي رْبِّي النَّابْت بْلَا شْتَا” *

كَمْ وَدِدْتُ أن تكون اللغةُ
عالَمِيَ الثالثَ
حيث أَلْقى نفسي
أعانقها بعد غيابٍ طويلٍ
في مَجاهِل العالَمَيْنِ
و لو مرةً في كل نصٍّ
أَوْ أُلْقي بنفسي
بين مَجاهِلِها
تُلَمْلِمُني على مَهَلٍ
ولكنْ ، كلما كتبت نصّاً
شَرَّدْتُ نفسي أكثرَ
غُصْتُ في قاع الكارثةِ
و شَطَّ عَنّي بصيصُ النَّجاة
أَ لَمْ يقولوا إن اللغةَ فخٌّ ؟
و قد وَقَعْتُ فيه
و وَقَّعْتُ على صَكِّ موتي

إني أتهم اللغة
بأنها كانت أذكى مني
أنا الغبِيُّ الذي اعتقدَ
في بِِضْعَةِ حروفٍ
بُضْعَةً يَتَخَلَّقُ منها
《 خَلْقاً من بعد خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثلاث 》
نجما أو كوكبا أو فَلَكا
أو شاعرا
أو حتى إنسانا سَوِيَّا
فَإِذْ به يمكث
في رَحِمِها عَلَقًةً
إلى الأبد
لقد حَلُمْتُ باللغةِ
التي حَمَلَتْ بي
حَمْلاً كاذباً
لقد أكلَتْني
أكلَتْ عمري
و ها هي تَتَقَيَّأُني
بالتدريج
عَبْرَ نُصُوصِيَ الغِرَّةِ
عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِر

بيني و بين اللغةِ
مسافةُ أصبعِ اتِّهام
سَبَّابتي تشير إليها :
أنتِ ظالِمَتي
و ناكِرَةٌ جميلي
بَلْ و قاتِلَتي
و سَبَّابتها تشير إلى السماء :
《 و ما ظلمناهم . ولكنْ كانوا أنفسهم يظلمون 》
كأنها تُذَكِرُّني
أنها لسانُ اللهِ
《 و لا يظلم ربك أحدا 》

فدعوني و إياها نتراشق بالتُّهَمِ
فَتِلْكُمْ طريقتُنا في العِشْقِ
و لو بُرِّيءَ أَحَدُنا
و أُدِينَ الآخَرُ
و حُكِمَ علينا بالتفريقِ
لسمعتم نَشِيجَها
بين أيديكم
حنيناً إليّ
وَ لَمَا سمعتم لي رِكْزاً
بين ظُهْرَانَيْكُمْ
أَسَفاً عليها

الآنَ ، اشْتَدَّتْ عَلَيَّ
وَطْأَةُ العوالمِ الثلاثة…
كأنني في دِمْنَةِ حرِّيقَة
عَصَتْ رَبَّها و نَمَتْ دون ماء
تَلْسَعُني…
و لقد تفانَيْتُ فيها
حتى فَنَيْتُ عن نفسي
أنا الذي ليس لَهُ
في اللغةِ كما في الشعرِ
باعٌ و لا ذراعٌ و لا أُنْمُلَة .

(*عاصي ربي النابت بلا شتا : مَثَل مغربي كناية عن نبات يشبه النعناع شائك لاسع ينمو دون الحاجة إلى ماء . يسمى : الحرِّيقَة أو القُرّاص أو القرّيص )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: